الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك
الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول أهل السنة والجماعة وركن من أركان الإيمان الستة التي لا يتمّ الإيمان إلّا بها وهي الواردة في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، وفيه أن الإيمان هو:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه"
(1)
.
ومعنى الإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشرّ فهو بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلّا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته، وإن كل أمر مخطوط في اللّوح المحفوظ، وأنه تعالى خالق أفعال العباد، وعالم بجميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وأنه سبحانه وتعالى يهدي من يشاء برحمته ويضلّ من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
والإيمان بالقدر من الإيمان بالأمور الغيبية التي يجب على المسلم الإيمان بها.
والإيمان بالقدر سعادة في الدنيا والآخرة، لأن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه اطمأنّ قلبه وتعلّق بربه وصرف أمره إليه هذا مع ما في
(1)
تقدّم تخريجه (ص 527).
الإيمان بالقدر من تحقيق العبودية لله تعالى واستشعار عظمته وقدرته جلّ وعلا.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر أدلّة كثيرة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فمن الآيات قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)}
(1)
، وقال تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}
(2)
، وقال تعالى:{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}
(3)
، وقال تعالى:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}
(4)
، وقال تعالى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}
(5)
.
وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا، ومنها:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه"
(6)
.
وحديث عليّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلّا الله وأني محمد رسول الله
(1)
سورة الحجر، آية (21).
(2)
سورة القمر، آية (49).
(3)
سورة الرعد، آية (8).
(4)
سورة الأحزاب، آية (38).
(5)
سورة التغابن، آية (11).
(6)
أخرجه الترمذي: كتاب القدر - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشرّه (4/ 451)، وأحمد حديث رقم (6703 و 6985) من حديث عبد الله بن عمرو، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.
وقال أحمد شاكر في كلٍّ منهما: إسناده صحيح.
بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر"
(1)
.
وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"
(2)
.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان"
(3)
.
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قالت أم حبيبة: اللهمّ متّعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل شيئًا منها قبل حلّه، ولا يؤخّر منها شيئًا قبل حلّه، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك"
(4)
.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الأحاديث كلّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنّة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات
(1)
أخرجه الترمذي: كتاب القدر باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره (4/ 452)، وابن ماجه: المقدمة - باب في القدر (1/ 32)، والحاكم (1/ 32)، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.
(2)
أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كل شيء بقدر (4/ 2045).
(3)
تقدم تخريجه (ص 361).
(4)
أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عمّا سبق به القدر (4/ 2051).
بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرّها ونفعها وضرّها"
(1)
.
وقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة القضاء والقدر، ووجوب الإيمان بذلك.
فقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن حديث وصية النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس، قال:". . . ثم ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب وهو تفرّد الله سبحانه وتعالى بالضرّ والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كلّه إلّا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضرّ غير مقدّر في الكتاب السابق"
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم: "جفّ القلم بما هو كائن"، وفي الرواية الأخرى:"رفعت الأقلام وجفّت الكتب"، وفي الرواية الأخرى:"وجفّت الصحف"
(3)
، كلّه كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبَعُد عهده فقد رفعت الأقلام عنه التي كتبت بها من مدادها وجفّت الصحيفة المكتوبة فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دلّ الكتاب والسنن الصحيحة على مثل هذا المعنى، قال الله عز وجل:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)}
(4)
.
(1)
شرح مسلم للنووي (16/ 195، 196).
(2)
نور الاقتباس (ص 80).
(3)
وردت هذه الروايات كلّها في حديث وصية النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وقد سبق تخريجه (ص 141).
(4)
سورة الحديد، آية (22).
وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، قال:"إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة"
(1)
.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة"
(2)
.
وخرّج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال:"أتدرون ما هذان الكتابان"؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلّا أن تخبرنا، فقال للّذي في يده اليمنى:"هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، ثم قال للّذي في شماله:"هذا كتاب ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمره قد فرغ منه؟ فقال: "سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال:"فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنّة، وفريق في السعير"
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد (5/ 317). وأبو داود: كتاب السنة - باب في القدر (5/ 76)، والترمذي: كتاب القدر (4/ 458).
(2)
أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام (4/ 2044).
(3)
أخرجه أحمد (2/ 167)، والترمذي: كتاب القدر (4/ 449) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (6/ 243).
وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقيّ أو سعيد"
(1)
.
وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها"
(2)
.
وخرّج مسلم من حديث جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيما العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال:"لا، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير"، قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسّر"
(3)
.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الموقوفة"
(4)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وقوله صلى الله عليه وسلم: "فلو أن الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه"
(5)
، يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضرّه أو ينفعه في دنياه فكلّه مقدّر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدر عليه ولو اجتهد على ذلك الخلق كلّهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضًا على مثل هذا في قوله تعالى:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}
(6)
، وقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي
(1)
أخرجه أحمد (5/ 197)، وابن أبي عاصم في السنة (304).
(2)
أخرجه أحمد (1/ 440)، والترمذي: كتاب القدر (4/ 451).
(3)
أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (4/ 2040).
(4)
نور الاقتباس (ص 75 - 77).
(5)
جزء من حديث وصية النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وقد تقدم تخريجه (ص 141).
(6)
سورة التوبة، آية (51).
الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ}
(1)
(2)
.
وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"
(3)
.
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس على هذا الأصل وما بعده وما قبله متفرّع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتّة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع"
(4)
.
بهذا يتبيّن لنا أن قول ابن رجب رحمه الله تعالى في مسألة قضاء الله وقدره موافق لما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة، وموافق لقول غيره من علماء السلف من أهل السنّة والجماعة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مقرّرًا مذهب السلف: "مذهب أهل السنّة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربّه ومليكه لا ربّ غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهيّ عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذمّ والعقاب وكان لله عليه الحجّة البالغة، ولا حجّة لأحد
(1)
سورة الحديد، آية (22).
(2)
سورة آل عمران، آية (154).
(3)
أخرجه أحمد (6/ 185)، والطبراني في الكبير (5/ 178)، وقال الهيثمي في المجمع (7/ 197): رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(4)
نور الاقتباس (ص 78، 79).
على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، ولكن يحبّ الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب عليها ويهينهم.
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه؛ كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}
(1)
، وقال تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}
(2)
، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن وذلّ وشرّ فبذنوبك وخطاياك، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلابدّ أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره"
(3)
.
(1)
سورة الشورى، آية (30).
(2)
سورة النساء، آية (79).
(3)
مجموع الفتاوى (8/ 63، 64).