الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث الحالة العلمية
خالفت الحالة العلمية كلًّا من الحالة السياسية والاجتماعية فقد كان هذا القرن تقريبًا من القرون الذهبية من الناحية العلمية، ذلك أن العصر المماليكي بشكل عام شهد حركة علمية نشطة ويرجع هذا النشاط إلى عدة عوامل هي:
1 -
وفود العلماء إلى مصر والشام حيث أن كثيرًا منهم يمم إلى هذه البلاد فرارًا من الزحف التتري المغولي الذي أوقع بالناس الكثير من البلاء والأذى وصنوف التعذيب والتقتيل، وليس بأدل على ذلك ما حدث ببغداد على أيدي التتار، فرأى كثير من العلماء أن مصر والشام خير حمّى لهم، إليها يفرون وإلى رحابها يلجأون.
2 -
تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم والعلماء وتشجيعهم للنشاط العلمي حيث أن المماليك عرفوا أن العلم سياج الدولة فقربوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأنزلوهم من أنفسهم المكانة اللائقة بهم وبمراكزهم، وهذه الحفاوة التي لقيها العلماء من الحكام رغبت الكثير من أبناء الشعب على طلب العلم والسعي في تحصيله عن حب وإخلاص لكي يصل الأواخر منهم إلى ما وصل إليه الأوائل.
3 -
شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه لأنه لما حطم التتار بغداد وأبادوا العلماء وكتبهم، رأى العلماء في مصر والشام أنهم أمام مسؤولية ضخمة تقتضي منهم القيام بواجبهم في نشر الدين وتجديد
العلم، وإحياء ما أبادته أيدي الغزاة الغاشمين فقاموا بذلك قيامًا مشكورًا وسعوا إليه سعيًا حميدًا، فكانت حركة إحياء علمية جليلة وكان بينهم في هذا المجال تنافس شديد في ميدان العلم والتعليم.
هذه الأسباب أدت إلى حركة علمية نشطة فانتشرت المدارس العلمية وملئت المساجد بحلقات التدريس بشكل عام.
ومن أبرز هذه المدارس في مصر: المدرسة الناصرية التي أمر بإنشائها السلطان زين الدين كتبغا
(1)
ولكنه خلع قبل إتمامها وعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر فأمر بإتمامها فتمت سنة 703 هـ
(2)
.
ومن أبرز المدارس في الشام: المدرسة الشريفية الحنبلية وقفها شيخ الحنابلة بدمشق شرف الإسلام عبد الوهاب
(3)
بن أبي الفوج الحنبلي الفقيه، وممن درس بهذه المدرسة الحافظ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى
(4)
.
أما المساجد التي كانت فيها حلقات العلم والتعليم فمن أبرزها:
1 -
جامع عمرو بن العاص في مصر وهو أول مسجد أسس بديار
(1)
هو كتبغا بن عبد الله المنصوري زين الدين، الملقب بالملك العادل من ملوك المماليك البحرية في مصر والشام، توفي سنة 702 هـ. الأعلام (5/ 219).
(2)
انظر: حسن المحاضرة (2/ 265) وخطط المقريزي (3/ 346).
(3)
العلامة الواعظ شرف الإسلام أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم، وهو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق، توفي سنة 536 هـ.
العبر (2/ 451) وطبقات المفسرين للداوودي (1/ 368).
(4)
انظر: الدارس في تاريخ المدارس (2/ 64) ومنادمة الأطلال (234).
مصر بعد الفتح بمدينة الفسطاط سنة 21 هـ وكان هذا الجامع بمثابة الجامعة التي يتلقى فيها طلاب العلم جميع فنون العلم وقد ذكر المقريزي
(1)
في الخطط أن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ
(2)
أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء الكائن في سنة 749 هـ بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه
(3)
.
2 -
الجامع الأموي بدمشق الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك
(4)
وهو أعظم جوامع دمشق.
قال النعيمي
(5)
: وذكر إبراهيم بن الليث الكاتب في رسالة: وقد أفضيت إلى جامعها فشاهدت ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه، وجملة ذلك أنه بكر الدهر ووحيد الدهر، ونادرة الأوان وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات وعجيبة الساعات، ولقد أبقت أمية ذكرًا
(1)
أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي، الإمام المحدث المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: الخطط وتجريد التوحيد، توفي سنة 845 هـ.
الضوء اللامع (2/ 21) والبدر الطالع (1/ 79).
(2)
شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الصائغ، برع في الفقه والعربية والأدب، وله تصانيف في فنون مختلفة، توفي سنة 777 هـ.
حسن المحاضرة (1/ 471).
(3)
الخطط للمقريزي (3/ 125).
(4)
الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أحد خلفاء بني أمية، تولى الخلافة بعد أبيه سنة 86 هـ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم، توفي سنة 97 هـ.
سير أعلام النبلاء (4/ 347).
(5)
عبد القادر بن محمد بن عمر أبو المفاخر النعيمي، مؤرخ دمشق وأحد محدثيها، ألف كتبًا كثيرة منها: الدارس في تاريخ المدارس، توفي سنة 927 هـ.
شذرات الذهب (8/ 153).
ما يدرس، وخلفت أثرًا لا يخفى ولا يدرس
(1)
.
وكانت تدرس في هذه المدارس والمساجد مختلف أنواع المعارف في مقدمتها التفسير والفقه والحديث والنحو والصرف وغير ذلك من علوم الدين واللغة، وقد تخرج من هذه المراكز علماء وفقهاء كانت لهم مؤلفات قيمة، وذخيرة علمية عظيمة تعتبر موسوعات علمية في مختلف العلوم والفنون.
ومن أعلام ذلك العصر البارزين على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (728 هـ) ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (748 هـ) وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751 هـ) والحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (774 هـ) وغيرهم ممن عرفوا بسعة انتاجهم وأصالته وأثروا التراث الإسلامي بكثير من مؤلفاتهم وعلومهم، إلا أننا رغم هذه النهضة العلمية الواسعة يجب أن لا نغفل أنه في هذا العصر استولت فيه عدة أوهام، وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف، وذلك بسبب البطش والجبروت والقلاقل التي سبقت حياة ابن رجب، فالصوفية قد انتشرت بطرقها بل وأصبحت لها مكانة في المجتمع ودليل ذلك اعتبار الخوانق
(2)
والربط من دور التعليم، وكذلك المؤولة قد انتشروا من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ورافضة وغيرهم من الفرق المخالفة لأهل السنة.
(1)
الدارس في تاريخ المدارس (2/ 371، 413) ومنادمة الأطلال (357).
(2)
الخوانق مفردها خانقاه: وهي كلمة فارسية معناها المعبد أو البيت الذي ينقطع فيه الصوفية للذكر والعبادة وتجري عليهم الأرزاق فيها وهي حدثت في الإسلام حوالي سنة 400 هـ.
انظر: الخطط للمقريزي (3/ 399، 400) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص 410).
وقد عاش الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في غمرة هذه الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية، وكان لكل ذلك أثره المباشر في تكوين شخصيته حيث نجده بعيدًا عن التقلبات السياسية الكثيرة مؤثرًا الانصراف إلى تلقي العلوم ومجالسة العلماء ومن ثم التدريس والتأليف.
وكان للحياة الثقافية الزاهرة في دمشق ما يدعوه إلى الاهتمام بعلوم الشريعة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث نشأ وتعلم -كما سيأتي فيما بعد- على شيوخ وعلماء عصره البارزين في علوم الشريعة المختلفة، فاستطاع أن يأخذ من كل هؤلاء ويبرز علمًا من أعلام المسلمين في ذلك العصر في علوم مختلفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.