الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "
…
وحرم التسمي بأسمائه المختصة به كالله والرحمن والرب".
وإنما يجوز التسمية به مضافًا إلى غير من يعقل، وكذلك الجبار والمتكبر والقهار، ونحو ذلك كالخلاق والرزاق والدائم، ومنه ملك الملوك.
وقد جعل ابن عقيل التسمية بهذا مكروهة.
قال ابن عقيل: "كل ما انفرد به الله كالله والرحمن والخالق لا يجوز التسمي به، وكلما وجد معناه في الآدمي، فإن كان يوجد تكبرًا، كالملك العظيم والأعظم، وملك الملوك والجبار فمكروه".
والصواب الجزم بتحريمه، فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع والبصير والقدير والعليم والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة، وكذلك الوصفية، فقولنا: زيد سميع بصير لا يفيد إلا صفة المخلوق.
وقولنا: الله سميع بصير يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه.
ولهذا قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}
(1)
وفيه قولان:
(1)
سورة مريم آية (65).
أحدهما: نفي التسمية.
والثاني: نفي المساواة، وقد نفى سبحانه عن نفسه المثلية بقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
(1)
ونفى عنه العدل والتسوية بقوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}
(2)
(3)
ونفى عنه الند بقوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
(4)
وقوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا}
(5)
.
وفي الحديث: "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"
(6)
.
وقال للذي قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندًا"؟ وفي رواية "أجعلتني لله عدلًا؟ "
(7)
(8)
.
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه المشابهة والاتفاق في المسمى لأن لله سبحانه وتعالى أسماء تليق بجلاله وكماله، وللعبد منها ما يناسب ضعفه وعجزه وذلك
(1)
سورة الشورى آية (11).
(2)
سورة الأنعام آية (1).
(3)
سورة الشعراء آية (96 - 98).
(4)
سورة البقرة آية (22).
(5)
سورة فصلت آية (9).
(6)
تقدم تخريجه (ص 149).
(7)
أخرجه أحمد (3/ 253) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه: كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت (1/ 684) والطبراني في الكبير (12/ 244).
(8)
تفسير سورة الإخلاص (ص 102، 103).
مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع، والبصر والكلام وغيرها والإضافة توضح المقصود وتبينه.
فإذا قلنا: حياة الله، وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله يوصف به الله تبارك وتعالى كما يليق بجلاله وكماله، ولا يماثل صفات المخلوقين.
وإذا قلنا: علم العبد، وقدرة العبد، وكلام العبد، فهذا كله مخلوق يناسب ضعف العبد وعجزه.
وهذا كله قد أوضحه ابن رجب رحمه الله تعالى وبينه في كلامه السابق، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى.
يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يقول الله سبحانه وتعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي"
(1)
.
فبيّن أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جلّ ذكره، ولا يزال موصوفًا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم
(2)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا كان من
(1)
أخرجه أحمد (3/ 139) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح، وأبو داود: كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (2/ 322)، والترمذي: كتاب البر، باب في قطيعة الرحم (4/ 315) وقال: حديث صحيح.
(2)
شرح السنة (1/ 179، 180).
المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب لنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص، والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص وقد سمى الله نفسه حيًا فقال:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}
(1)
.
وسمى بعض عباده حيًا فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}
(2)
وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله:"الحي" اسم لله مختص به، وقوله:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} اسم للحي المخلوق
(1)
سورة البقرة آية (255).
(2)
سورة يونس آية (31).
مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولابدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى
(1)
.
(1)
الرسالة التدمرية (ص 8، 9).