الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها
هناك كثير من البدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركوا فيه تعاليم الإسلام وهجروا سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وسأذكر بعضًا منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وخصوصًا البدع التي تعرّض لها ابن رجب رحمه الله في كتبه وبيّنها وأوضحها وهي:
1 -
بدعة تخصيص رجب بعبادات معينة:
خص أهل البدع والأهواء والجهلة من الناس شهر رجب بعبادات لم يشرعها الله تبارك وتعالى، ولم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه من بعده، ولكن هؤلاء خصوا هذا الشهر بصلوات وصيام وغيرهما من العبادات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولا زالت هذه البدع تفعل إلى يومنا هذا.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه البدع، وبيّن أن شهر رجب لم يخص بأي نوع من أنواع العبادات لا صدقة ولا زكاة ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من أنواع العبادة، وقد تكلم رحمه الله تعالى عن كل عبادة بعينها وسأورد كلامه رحمه الله تعالى على كل عبادة خصّ بها شهر رجب دون غيره:
أ - الصلاة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "فأما الصلاة فلم
يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب
(1)
في أول ليلة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني
(2)
وأبو الفضل بن ناصر
(3)
وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها
(4)
.
ب - الزكاة والصدقة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم، فمن
(1)
الرغائب: جمع رغيبة وهي العطاء الكثير. الصحاح للجوهري (1/ 138) والمراد بصلاة الرغائب: هي صلاة بين صلاة المغرب والعشاء في ليلة أول جمعة من شهر رجب ويسبقها صيام الخميس، وعددها على حد زعمهم اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة.
انظر: الباعث على إنكار البدع لأبي شامة (ص 41) وتنبيه الغافلين لابن النحاس (ص 304) والأمر بالاتباع للسيوطي (ص 77).
(2)
محمد بن منصور بن محمد السمعاني أبو بكر، حافظ، محدث، فقيه، أديب، توفي بمرو سنة 510 هـ.
وفيات الأعيان (3/ 210) واللباب لابن الأثير (2/ 139) والعبر (2/ 396).
(3)
أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي البغدادي، قال الذهبي فيه: الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، توفي سنة 550 هـ.
المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (38 - 40) وسير أعلام النبلاء (20/ 265) وشذرات الذهب (4/ 155).
(4)
لطائف المعارف (ص 123).
كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي" خرجه مالك في الموطأ
(1)
. وقد قيل أن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي، ولم يعرف، وقيل بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تمّ الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به"
(2)
.
جـ - الصيام: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة
(3)
أنه قال: "في الجنة قصر لصوام رجب" قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاع، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة
(4)
(1)
الموطأ: كتاب الزكاة، باب الزكاة في الدين (2/ 253).
(2)
لطائف المعارف (ص 125).
(3)
أبو قلابة: عبد الله بن زيد بن عمرو البصري أبو قلابة الحرمي، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفي سنة 104 هـ.
طبقات ابن سعد (7/ 183) تذكرة الحفاظ (1/ 88) تهذيب التهذيب (5/ 224).
(4)
مجيبة: بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ثم موحدة، اختلف فيه فقيل رجل من باهلة وقيل امرأة من الصحابة بحديث الصوم.
تهذيب التهذيب (10/ 49) تقريب التهذيب (329).
الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صم من الحرم واترك قالها ثلاثًا" وخرجه أبو داود
(1)
وغيره، وخرجه ابن ماجه
(1)
وعنده: "صم أشهر الحرم". وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها. . . وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعًا
(2)
.
د - اتخاذه عيدًا: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا"
(3)
.
(1)
سنن أبي داود: كتاب الصيام، باب في صوم أشهر الحرم (2/ 810) وابن ماجه: كتاب الصيام، باب صيام أشهر الحرم (1/ 554). وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (5/ 28) والنسائي في السنن الكبرى (2/ 139) والبيهقي في شعب الإيمان (3/ 350) وقد وقع اختلاف في هذا الحديث ففي رواية أبي داود وأحمد والبيهقي عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. وفي رواية النسائي وابن ماجه عن مجيبة الباهلي عن عمه. قال المنذري رحمه الله تعالى:"ذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة -يعني الباهلية- قالت: حدثني أبي أو عمي. وسمي أباها: عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا. وقال في موضع آخر: أبو مجيبة الباهلية، أو عمها: سكن البصرة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه وذكر هذا الحديث. وذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة عن أبيها أو عمها، وسماه أيضًا: عبد الله بن الحرث. ا. هـ. وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك. وهو متوجه". مختصر سنن أبي داود (3/ 306).
وقد ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث للاختلاف الذي وقع والجهالة. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص 413).
(2)
لطائف المعارف (ص 123).
(3)
أخرج عبد الرزاق في مصنفه (4/ 292) عن عطاء قال: "كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب لئلا يتخذ عيدًا" قال ابن حجر في تبيين العجب (48): إسناده صحيح.
وروى عبد الرزاق
(1)
عن ابن جريج
(2)
عن عطاء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا
(3)
وعن معمر
(4)
، عن ابن طاووس
(5)
عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا"
(6)
وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة
(7)
.
(1)
عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، عالم اليمن، كان من حفاظ الحديث الثقات، كان يحفظ نحوًا من سبعة عشر ألف حديث، ومن كتبه:"المصنف"، وتفسير القرآن، توفي سنة 211 هـ.
سير أعلام النبلاء (9/ 563) وتهذيب التهذيب (6/ 310).
(2)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي صاحب التصانيف وشيخ الحرم، وهو أول من دون العلم بمكة، وكان ذا عبادة وزهد، توفي سنة 150 هـ. الجرح والتعديل (5/ 356) ووفيات الأعيان (3/ 163) وسير أعلام النبلاء (6/ 325).
(3)
لم أجده في مصنف عبد الرزاق، ولم أجد من أخرجه غيره.
(4)
معمر بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، الإمام الحافظ، كان من أوعية العلم مع الصدق، والتحري، والورع وحسن التصنيف، توفي سنة 153 هـ.
الجرح والتعديل (8/ 255) وسير أعلام النبلاء (7/ 6) وتهذيب التهذيب (10/ 243).
(5)
عبد الله بن طاووس أبو محمد اليماني الإمام المحدث، وثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهم، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقًا، ما رأينا ابن فقيه مثله، توفي سنة 123 هـ.
الجرح والتعديل (5/ 88) وسير أعلام النبلاء (6/ 103) وتهذيب التهذيب (5/ 267).
(6)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4/ 291)، وهو ضعيف بهذا الإسناد لأن فيه انقطاع.
(7)
لطائف المعارف (ص 123).
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة.
فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع
…
وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
أما العيدان اللذان يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم
…
شرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفى الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة والعيد الثاني عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه
(1)
.
هـ - أمور أخرى تعتقد في رجب: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين. ولا يصح شيء من ذلك
…
(1)
لطائف المعارف (ص 286، 287).
وروى زائدة بن أبي الرقاد
(1)
عن زياد التميمي
(2)
عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان"
(3)
.
وروي عن إسماعيل الأنصاري
(4)
أنه قال: لا يصح في فضل رجب غير هذا الحديث، وفي قوله نظر، فإن هذا الإسناد فيه ضعف
(5)
.
2 -
بدعة اتخاذ عاشوراء مأتمًا أو عيدًا:
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم وهو من الأيام الفاضلة التي حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "
…
وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله
…
"
(6)
.
(1)
زائدة بن أبي الرقاد أبو معاذ، قال البخاري: منكر الحديث، منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير لا يحتج بخبره ولا يكتب إلا للاعتبار.
المجروحين لابن حبان (1/ 308) ميزان الاعتدال (2/ 65) وتهذيب التهذيب (3/ 305).
(2)
زياد بن عبد الله النميري البصري، يروي عن أنس قال أبو حاتم: لا يحتج به.
الجرح والتعديل (3/ 536) وميزان الاعتدال (2/ 90).
(3)
أخرجه البزار كما في كشف الأستار (1/ 457) قال الهيثمي في المجمع (2/ 165) رواه البزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد.
قال البخاري: منكر الحديث وجهله جماعة.
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/ 613) عن زائدة: يحدث عن زياد النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة.
(4)
إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير أبو إسحاق الأنصاري مولاهم المدني الإمام الحافظ، قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، قليل الخطأ، توفي سنة 180 هـ. الجرح والتعديل (2/ 162) وتاريخ بغداد (6/ 218).
(5)
لطائف المعارف (126).
(6)
أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء (2/ 818).
ولكن الرافضة ابتدعوا فيه بدعًا منكرة فهم يتخذون يوم عاشوراء من كل عام مأتمًا ونياحة وحزنًا منهم على قتل الحسين بن علي رضي الله عنه قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: "وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه، فهو عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن هو دونهم
(1)
.
ولا زال الرافضة إلى يومنا هذا يتخذون يوم عاشوراء مأتمًا يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين رضي الله عنه فيلطمون الخدود ويضربون الصدور والظهور حتى تسيل الدماء، ورتبوا على هذه المنكرات الأجر والثواب وتكفير السيئات، وهذه البدعة قد نصّ على جوازها والترغيب فيها علماؤهم قديمًا وحديثًا
(2)
.
وفي مقابل هؤلاء الرافضة واتخاذهم يوم عاشوراء مأتمًا وحزنًا من يتخذ يوم عاشوراء عيدًا ويوم فرح وسرور وهم النواصب
(3)
والجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر فوضعوا الآثار التي ترغب في الفرح والسرور وما يتبعها من مظاهر في يوم عاشوراء، فصاروا يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وقد سئل
(1)
لطائف المعارف (ص 53) وانظر الكلام على هذه البدعة في مجموع الفتاوى (25/ 307) ومنهاج السنة (4/ 554) وكتاب تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين لأحمد آل طامي (ص 280).
(2)
انظر: العقائد الشيعية لناصر الدين شاه (ص 135) ومقتل الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر لمرتضى عياد (ص 12 - 40).
(3)
النواصب: هم الذين يبغضون عليًا رضي الله عنه وأصحابه.
لسان العرب (1/ 762) ومجموع الفتاوى (25/ 301).
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع، هل ورد فيه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولا في كتب الصحيح ولا السنن ولا في المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة
…
إلى أن قال: وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة وإما جهال وأصحاب هوى.
وطائفة ناصبة تبغض عليًا وأصحابه لما جرى في القتال في الفتنة ما جرى
…
فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية
…
وعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب
…
ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأفراح وكلًا
الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة، وإن كان أولئك -يعني الرافضة- أسوأ قصدًا وأعظم جهلًا"
(1)
.
والسنة في هذا اليوم أن يصام فحسب كما صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثّ على صيامه وهذا هو الحق في تعظيم هذا اليوم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة ولا يكون بالفرح والسرور ولا اتخاذه مأتمًا ويوم حزن وإنما تمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وامتثال لأمره ورجاء لثواب الله تعالى.
ومسألة صيام يوم عاشوراء من المسائل التي تكلم فيها العلماء رحمهم الله وبينوا أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:
1 -
أن يصام معه التاسع والحادي عشر لحديث "صوموا قبله يومًا وبعده يومًا"
(2)
.
2 -
أن يصام معه التاسع فقط لحديث "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع"
(3)
.
3 -
إفراد يوم عاشوراء بالصوم وحده للأحاديث الدالة على تأكيد صومه منها حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر"
(4)
.
(1)
مجموعة الفتاوى (25/ 299) وما بعدها، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 622).
(2)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام (4/ 287).
(3)
أخرجه مسلم: كتاب الصيام (2/ 797).
(4)
أخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب إذا جاء في عاشوراء (2/ 128) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وفي المسألة تفاصيل أخرى ليس هذا محلها
(1)
والمراد بيان أن السنة صيام هذا اليوم.
3 -
التبرك بالآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا:
التبرك: طلب البركة، وهي النماء والزيادة.
قال الجوهري: "البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة
…
وتبارك الله أي بارك مثل قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى وتبركت به أي تيمنت به"
(2)
.
والتبرك بآثار الصالحين هو التيمن وطلب خيرهم من آثارهم وطلب الخير وزيادته وثبوته في شيء إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو الله سبحانه وتعالى، وإذا تدبرنا كتاب الله سبحانه وتعالى وجدنا الآيات الكثيرة تدل على أن البركة من الله، فهي تطلب منه سبحانه وتعالى وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه وفي ما شاء من بريته قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
(3)
وقال تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}
(4)
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا}
(5)
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)}
(6)
.
(1)
انظر الكلام على هذه المسألة في زاد المعاد لابن القيم (2/ 76) ولطائف المعارف لابن رجب (ص 45 - 54) وفتح الباري لابن حجر (4/ 246) وغيرها.
(2)
الصحاح للجوهري (4/ 1575).
(3)
سورة الأعراف آية (54).
(4)
سورة الرحمن آية (78).
(5)
سورة الفرقان آية (61).
(6)
سورة الفرقان آية (1).
فلفظ تبارك لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا، فالبركة لله وحده والله سبحانه وتعالى يضعها فيمن شاء، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك
(1)
.
وأما التبرك بذوات الأشخاص أو بآثارهم المنفصلة عنهم كشعرهم وفضل وضوئهم ونحو ذلك فهذا يجوز في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد في عدة أحاديث ما يدل على جواز ذلك:
منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها"
(2)
.
ومنها حديث خروج النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية وفيه: "وما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده"
(3)
.
وفي رواية "وإذا توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كادوا يقتتلون على وضوئه"
(4)
.
وقد سأل أحد الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بردة أهديها فأعطاها إياه فلامه الصحابة على سؤاله البردة فقال: "رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها"
(5)
.
فهذه الأدلة ونحوها تدل على شرعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم كشعره وملابسه وفضل وضوءه ونحو ذلك، وهذا خاص به صلى الله عليه وسلم في حياته.
(1)
انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (2/ 185 - 187).
(2)
أخرجه مسلم: كتاب الفضائل (4/ 1812).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (1/ 66).
(4)
أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (1/ 55).
(5)
أخرجه البخاري: كتاب الأدب (7/ 82).
وأما في غير حق النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يجوز لأنه إما شرك وذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص أو المكان يمنح البركة، وإما وسيلة إلى الشرك إذا اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله، والدليل على عدم جواز ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يتبركون بحجرته أو قبوه بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه أو يدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولم يكن أحد من السلف يذهب إلى المكان الذي يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستلمه ويقبله، ولا المواضع التي كان يطؤها بقدميه الكريمتين، فإذا كان ذلك لم يشرع في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بما يقال أن غير النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه أو نام عليه، فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: "التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه"
(2)
.
وأما ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتحرى الأماكن
(1)
انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 795).
(2)
الحكم الجديرة بالإذاعة (ص 58، 59).
التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيها كما روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن موسى بن عقبة
(1)
قال: "رأيت سالم بن عبد الله
(2)
يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأمكنة"
(3)
.
فإن ذلك لم يفعله غيره من الصحابة رضي الله عنهم، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل من أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم.
فتحري الصلاة في هذه المواضع ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة.
وأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب ممن نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله.
(1)
موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي، الإمام الثقة الكبير، كان بصير بالمغازي النبوية، وهو أول من صنف فيها، توفي سنة 141 هـ.
الجرح والتعديل (8/ 154) وسير أعلام النبلاء (6/ 114) وتهذيب التهذيب (10/ 360).
(2)
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، الإمام الزاهد الحافظ الثقة، مفتي المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه وكان كثير الحديث، وكان أبوه يحبه ويجله كثيرًا، توفي سنة 106 هـ.
التاريخ الكبير (4/ 115) ووفيات الأعيان (2/ 252) وسير أعلام النبلاء (4/ 457).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب الصلاة (1/ 124).
وقد كان عمر رضي الله عنه ينهى
(1)
عن تتبع الآثار المكانية. ولا شك أن الصواب والحق مع عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع
(2)
.
وبهذا يتبين أن الدعوة إلى الاعتناء بتلك الآثار وتعظيمها خشية أن تندثر ويجهلها الناس ولاسيما في مكة والمدينة مثل غار حراء وغار ثور ودار مولده صلى الله عليه وسلم وغيرها دعوة باطلة ومخالفة صريحة لسلف هذه الأمة إضافة إلى ما فيها من مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد ومزارات.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره وبارك له فيه "إن تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة وأخلاقهم الحميدة وجهادهم الصالح قولًا وعملًا ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية والزخارف والكتابة ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم وهو من أعظم وسائل الشرك، وعبادة الأنبياء والأولياء كما يشهد به الواقع، وتدل عليه الأحاديث والآثار المعلومة في كتب السنة فتنبه واحذر
(3)
.
4 -
بدعة التصوف:
إن التصوف بدعة من شر البدع وأكثرها إضلالًا وأكبرها ضلالة إذ
(1)
انظر: البدع لابن وضاح (ص 41 - 42) فقد ذكر آثارًا تدل على نهي عمر رضي الله عنه عن ذلك وقد صحح هذه الآثار ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (1/ 281) وابن حجر في الفتح (1/ 569)، (7/ 448).
(2)
انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (2/ 746) وما بعدها.
(3)
مجموع فتاوى ومقالات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله (1/ 395، 396).
لم يعرف التصوف من نزول الوحي ولا بعده إلى أن انقرض عهد القرون المفضلة.
فلم يرد لفظ التصوف على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤثر عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه عرف التصوف أو نطق به وكذا التابعون من أبناء الصحابة وأبناء أبنائهم وهم أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية والفضل ثم ظهر بعد ذلك طبقة يغلب عليهم جانب العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الإسلام ولكن قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، ثم جاء من بعدهم فعملوا أمورًا ودعوا إليها ولم تكن عند الزهاد السابقين ومنها ترك الزواج وإدامة الجوع ومواصلة الصوم وهكذا تدرج هؤلاء ومن بعدهم إلى أن شرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله.
يقول ابن الجوزي: "في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلمة مؤمن ومسلم ثم نشأت كلمة زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا فيها هكذا كان أوائل القوم ولبّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن"
(1)
.
وهكذا بدأ التصوف ينشأ ويقوى إلى أن أصبح فكرًا مستقلًا أخذ صبغة خالصة، وقد استغلت الباطنية هذا التصوف لنشر أفكارهم الإلحادية وأدخلوا في التصوف السماع والرقص بحجة أنه موصل إلى الله، وبلغوا فيه إلى حد الوقاحة حيث نشأ فيهم حب المرادن والغلمان.
وأنا أعني بهذا المتأخرين منهم، أما المتقدمون منهم فكانوا على جانب من الورع والعبادة والاعتدال.
(1)
تلبيس إبليس (ص 161).
وقد تسرب الفكر الصوفي إلى صفوف المسلمين منذ زمن قديم ولا زال يؤدي دوره في إفساد الأمة الإسلامية في كثير من البلدان، ولا يزال بعض الناس من المنتسبين للعلم وغيرهم مغترين بهذا الفكر، ومتحمسين في الدفاع عنه وعن أهله.
أضف إلى ذلك أن المغرضين من أعداء الإسلام وجدوا لهم طريقًا لإفساد المسلمين عن طريق التصوف باسم الزهد ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات وغير ذلك من الأمور التي استطاعوا عن طريقها نشر الزندقة والإلحاد بين المسلمين.
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينًا أن التصوف أصبح منهجًا من المناهج الفاسدة التي تقوم على الزندقة والإلحاد: "ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف وفيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره
…
وقد اتسع الخرق في هذا الباب ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإلى دعوى الحلول والإتحاد أو القول بوحدة الوجود وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان كدعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع، وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة، ليست من الدين في شيء فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، والعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في
ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل
(1)
.
ولا أريد هنا أن أتكلم عن التصوف والمتصوفة
(2)
وما يتعلق بهم من بدع وانحرافات لأني لست في مقام الكلام على ذلك، وإنما أريد هنا أن أقتصر على ذكر بعض البدع التي وقعوا فيها وخصوصًا التي تكلم عليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته ومنها:
أ - بدعة تقسيم الدين إلى حقيقة وشرعية:
إن من أصول المتصوفة، وقواعد طرقهم البدعية تقسيم العلم إلى ظاهر وباطن، والدين الإسلامي إلى شريعة وحقيقة، والشرعية هي الظاهر من الدين وهي الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار في حد زعمهم، وهؤلاء هم الذين أسقطوا عنهم التكاليف الشرعية لأنهم وصلوا، وهذا كله من تلاعب الشيطان بهم، وتزيينه ذلك لهم، نعوذ بالله من الضلال والخذلان، وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "كثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله، ويقول هم محجوبون
(1)
فضل علم السلف على علم الخلف (ص 149، 150).
(2)
هناك الكثير من الكتب القديمة والحديثة التي تكلمت عن التصوف والمتصوفة ومنها: كتاب الاستقامة واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، تنبيه الغبي لتكفير ابن عربي للبقاعي، هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير وغيرها.
وأصحاب القشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والإعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره: وصلوا ولكن إلى سقر. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام العيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الأراء والخواطر، فضلوا وأضلوا"
(1)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومما حدث بعد الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي والأقيسة العقلية".
ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين عن الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي"
(3)
.
(1)
شرح حديث أبي الدرداء (ص 55، 56).
(2)
جامع العلوم والحكم (2/ 297).
(3)
المصدر السابق (2/ 261).
ب - بدعة التقرب إلى الله عز وجل بالرقص وهز الرؤوس وسماع الأغاني:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن الغناء وأقسامه: القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، وتحريك القلوب إلى محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدعيه كثير من اهل السلوك، ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم، وإنما يتستر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه، من نيل لذته، فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس، وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد.
وأما الصادقون في دعواهم في ذلك وقليل ما هم، فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله عز وجل بما لم يشرعه الله تعالى، واتخذوا دينًا لم يأذن الله فيه، فلهم نصيب ممن قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}
(1)
والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، كذلك قاله غير واحد من السلف.
وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
(2)
، فإنه إنما يتقرب إلى الله عز وجل بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فأما ما نهى عنه، فالتقرب به إليه مضادة لله عز وجل في أمره، قال القاضي أبو الطيب الطبري
(3)
رحمه الله في كتابه السماع
(1)
سورة الأنفال آية (35).
(2)
سورة الشورى آية (21).
(3)
أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، قال الخطيب: كان ثقة صادقًا دينًا ورعًا عارفًا بأصول الفقه وفروعه، صحيح المذهب، توفي سنة 450 هـ.
تاريخ بغداد (9/ 358) وطبقات الشافعية لابن هداية (150).
(اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينًا وطاعة ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما اجتمعت عليه العلماء ونعوذ بالله من سوء الفتن) انتهى ما ذكره.
ولا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن لاسيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر به، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكوا به النفوس وتطهر به من أدناسها، وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة، بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوي به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها، بأقوات القلوب الطاهرة، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى واشتبه الأمر في ذلك أيضًا على طوائف المسلمين ممن ينتسب إلى السلوك ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض القرون الفاضلة
(1)
.
وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن السماع المشروع هو سماع ما يفيد وينفع من سماع القرآن والذكر والمواعظ النافعة وغيرها.
فقال: "إن الله تعالى أمر عباده في كتابه وعلى لسان رسوله بجميع ما يصلح قلوب عباده ويقربها منه ونهاهم عما ينافي ذلك ويضاده، ولما كانت الروح تقوى بما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة وتحيى بذلك شرع الله
(1)
نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص 68 - 70).
لعباده سماع ما تقوى به قلوبهم وتتغذى وتزداد إيمانًا، فتارة يكون ذلك فرضًا عليهم كسماع القرآن والذكر والموعظة يوم الجمعة في الخطبة والصلاة. وكسماع القرآن في الصلوات الجهرية من المكتوبات وتارة يكون ذلك مندوبًا إليه غير مفترض كمجالس الذكر المندوب إليها، فهذا السماع حاد يحد وقلب المؤمن إلى الوصول إلى ربه يسوقه ويشوقه إلى قربه، وقد مدح الله المؤمنين بوجود مزيد أحوالهم بهذا السماع، وذم من لا يجد منه ما يجدونه فقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}
(1)
(2)
(3)
…
فهذه الآية تتضمن توبيخًا وعتابًا لمن سمع هذا السماع، ولم يحدث له في قلبه صلاحًا ورقة وخشوعًا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب وغاية ما تصلح به القلوب وتنجذب به الأرواح
…
فيحيي بذلك القلب بعد مماته ويجتمع بعد شتاته وتزول قسوته بتدبر خطابه وسماع آياته، فإن القلوب إذا أيقنت بعظمة ما سمعت واستشعرت شرف نسبة هذا القول إلى قائله أذعنت وخضعت، فإذا تدبرت ما احتوى عليه من المراد ووعت اندكت من مهابة الله وجلاله وخشعت، فإذا هطل عليها وابل الإيمان من سحب القرآن أخذت ما وسعت فإذا بذر فيها القرآن من حقائق العرفان وسقاه ماء الإيمان أنبتت ما
(1)
سورة الأنفال آية (2).
(2)
سورة الزمر آية (22، 23).
(3)
سورة الحديد آية (16).
زرعت، ومتى فقدت القلوب غذاءها وكانت جاهلة به طلبت العوض من غيره فتغذت به فازداد سقمها بفقدها ما ينفعها، والتعوض بما يضرها، فإذا سقمت مالت إلى ما فيه ضررها ولم تجد طعم غذائها الذي فيه نفعها فتعوضت عن سماع الآيات بسماع الأبيات، وعن تدبر معاني التنزيل بسماع الأصوات
(1)
.
4 -
بدعة قراءة القرآن بالألحان:
إن قراءة القرآن بشكل مبتدع لم يكن معروفًا في عهد النبوة وما بعدها من القرون المفضلة كالتلحين والتشدق والقيام بحركات أثناء القراءة كالتمايل يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا لأن هذا كله إهانة لكتاب الله تعالى وابتذال له ومخالف لما حثّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من قراءة القرآن بتدبر وتمعن وفهم لمعانيه.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: "قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد به الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب، للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق، وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا. ولم يثبت فيه نزاعًا منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.
وفي الحقيقة: "هذه الألحان المبتدعة المطربة، تهيج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الإلتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد"
(2)
.
هذه أمثلة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا
(1)
نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص 80 - 83).
(2)
المصدر السابق (ص 70، 71).
زالت هذه البدع كلها موجودة إلى يومنا هذا بل أكثر منها، فكل البدع التي فعلت في الماضي في أزمان مختلفة فعلت في زماننا هذا نسأل الله السلامة والعافية. وتفشي البدع وانتشارها وخصوصًا في زماننا هذا له أسباب كثيرة منها:
1 -
الجهل بأحكام الدين: كلما امتدّ الزمن وبعد الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم قلّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"
(1)
.
فالجهل هو أخطر سبب يؤدي إلى انتشار البدع، ولا يقاوم ذلك إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر.
2 -
اتباع الهوى وذلك أن من أعرض عن الكتاب والسنة فإن الشيطان يزين له البدع ويحسنها، وقد ذم الله تبارك وتعالى من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به الشرع فقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}
(2)
(3)
إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ذم الهوى وأصحابه، والبدع إنما هي
(1)
أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (1/ 174) ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه (4/ 2058).
(2)
سورة القصص آية (50).
(3)
سورة الجاثية آية (23).
نسيج الهوى المتبع يقول الشاطبي
(1)
رحمه الله تعالى: "سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها أو التعويل عليها حتى يصدوا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها وراء ذلك"
(2)
.
3 -
التشبه بالكفار وتقليدهم من أشد ما يوقع في البدع كما في حديث ابن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط
(3)
فمررنا بسدرة فقلنا: "يا رسول الله جعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، إنها السَّنَن
(4)
قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}
(5)
لتركبن سنن من كان قبلكم"
(6)
.
(1)
إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي، أبو إسحاق محدث، فقيه، أصولي، له مؤلفات كثيرة منها: الاعتصام و"الموافقات" توفي سنة 790 هـ.
شجرة النور الزكية (1/ 231) ودرة الحجال (1/ 182) والأعلام (1/ 75).
(2)
الاعتصام للشاطبي (2/ 176).
(3)
ذات أنواط: هي شجرة عظيمة قريبة من مكة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون لها ويعكفون عندها يومًا، وكانوا يعلقون أرديتهم عليها ويدخلون الحرم بغير أردية تعظيمًا لها، ولذلك سميت ذات أنواط يقال: ناط الشيء ينوطه نوطًا إذا علقه.
النهاية لابن الأثير (5/ 128) ومعجم البلدان (1/ 273) ولسان العرب (7/ 420).
(4)
السنن بفتح السين والنون وهو الطريق ويجوز في السين الضم والكسر.
المصباح المنير (1/ 292).
(5)
سورة الأعراف آية (138).
(6)
أخرجه أحمد (5/ 218) والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم (4/ 475) وقال: حديث حسن صحيح.
والطبراني في الكبير (3/ 243) وابن أبي عاصم في السنة (1/ 37) وقال الألباني: إسناده حسن.
ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين دخلوا حديثًا في الإسلام أن يطلبوا هذا الطلب القبيح وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله.
وقد صدق صلى الله عليه وسلم حيث وقع ما أخبر به فإن غالب الناس ولاسيما في هذا العصر الذي أصبح التقليد والمشابهة للكفار سمة لأهله فنحن نرى الكثير من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المأتم وغير ذلك من الأمور التي لم ينج منها إلا من رحم الله وهم القليل.
4 -
التعصب للآراء والتقليد الأعمى للشيوخ يحول بين المرء واتباع الحق ومعرفة الدليل، وهذا شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم وأقوال مشائخهم وآبائهم وأجدادهم وأخذوها على أنها أقوال مسلمة لا يقبل غيرها.
وقد ذم الله سبحانه وتعالى التقليد باتباع الآباء والأجداد حيث قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)}
(1)
(2)
.
هذا كله من أسباب انتشار البدع بالإضافة إلى سكوت كثير من
(1)
سورة البقرة آية (170).
(2)
سورة الأحزاب آية (66، 67).
العلماء وتركهم الدعوة إلى الله تعالى وتبصير الناس بدينهم وبهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم الأمر الذي جعل عامة الناس يعتقدون في البدع أنها سنن، وإذا أردت أن تبين لهم الحق في ذلك، ردوا عليك بقولهم من أنت؟ ومن تكون؟ فلو كان الأمر بدعة كما تدعي لبينها الشيخ فلان وفلان، فإنك لست بأعلم منهم بل لا تدانيهم في منزلتهم العلمية.
وطريق الخلاص من هذه البدع كلها يكون بالتمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وإلى كتب السلف الصالح لفهم العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها أو ينقصها من الشرك والبدع والخرافات ونبذ الكتب المخالفة للكتاب والسنة من كتب الصوفية والقبورية والمخرفين.
وأسأل الله تعالى أن يجنبنا مضلات الفتن وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعدائه إنه على كل شيء قدير.