الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر
الرضا بالقضاء والقدر هو التسليم وسكون القلب وطمأنينته للقضاء الذي قضى الله سبحانه وتعالى به وهو الحكيم العليم، وهذا جزء لا يتجزأ من الإيمان وركن من أركانه لا يصح الإيمان إلّا به، ولكن يجب على المؤمن ألّا يرضى بالذنوب والعيوب ومخالفة الإسلام؛ لأن الله تعالى أمره ألّا يرضى بها وأن يحاربها ويعمل على إزالتها، ويجب عليه طاعة الله تعالى والتوبة والاستغفار من الذنوب، ولا يحتجّ بأنها مقدّرة عليه لأن هذا احتجاج مردود.
أمّا الرّضا بما قدّره الله سبحانه وتعالى وقضاه من المصائب والنوائب والصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته وعلى أنواع المكاره والطمأنينة إلى حكم الله عز وجل فهذا مأمور به، وهذا أمر يخلط فيه بعض الناس فيظنّون أن العبد مأمور بالرضا بكل ما قدّره الله وقضاه سواء كانت المصائب أو الذنوب والمعاصي، ولا شكّ أن هذا غلط مجانب للصواب، لأن الحق في هذا أن العبد لا يلزمه الرضا بكل مقضيّ فضلًا عن أن يسر به، بل المعاصي والذنوب وإن كانت بقضاء الله وقدره إلّا أن العبد يكرهها ويسخطها وتجب عليه التوبة منها والندم على اقترافها.
يقول ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟
فالجواب: أن يقال أوّلًا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة بل من المقضيّ ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذمّ.
ويقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضيّ وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، نرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلّقه بالربّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.
والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدّره الله وقضاه وكتبه وجعله أجلًا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به
(1)
.
ولذلك لا يلزم من الرّضا بقضاء الله وقدره ترك المطالبة بالحقوق والإنتصاف من الظلمة والمعتدين، ولا ينافي ذلك أيضًا نسبة الظلم والاعتداء إليهم؛ لأن حقيقة الظالم والمعتدي هو من فعل الظلم والاعتداء، وهذا وصف للعبد المكتسب بإرادته واختياره، فمعاقبته على هذا الفعل هو مقتضى العدل والحكمة.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أسبابًا للرضا بالقضاء، فقال: "وللرضا بالقضاء أسباب:
(1)
شرح العقيدة الطحاوية (ص 287).
منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلّا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح، فإنه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنه لا يريد له إلّا الأصلح. . .
ومنها: النظر إلى وعد الله من ثواب الرّضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به. . .
ومنها: وهو أعلى من ذلك كلّه الاستغراق في محبّة الله ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الذي لا نهاية له، فإن قوّة ملاحظة ذلك يوجب الإستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم. . ."
(1)
.
كما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن الرّضا بالقضاء والقدر ليس بواجب، بل هو مستحب مندوب إليه. يقول في إيضاح ذلك في شرح حديث وصيّة النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس:"والمقصود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر ابن عباس بالعمل بالرّضا إن استطاعه، ثم قال له: فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".
وهذا يدلّ على أن الرّضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب، وإنما هو فضل مندوب إليه، فمن لم يستطع الرّضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابدّ منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
(2)
.
(3)
.
(1)
نور الاقتباس (ص 86، 87).
(2)
سورة الزمر، آية (10).
(3)
سورة البقرة، آية (155 - 157).
(1)
.
وحقيقة الفرق بين الصبر والرّضا أن الصبر كفّ النفس وحبسها عن التسخّط مع وجود الألم، والرّضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرّضا يخفّف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما صحّ ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
(3)
، فالرّضا إنما يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:"وأسألك الرّضا بعد القضاء"
(4)
، لأن العبد قد يعزم على الرّضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضى بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة.
وفي الجملة فالصبر واجب لابدّ منه، وما بعده إلّا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجّل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه؛ كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كل خطب عرا
…
ولا ترى الأعداء ما يشتموا
يا قوم بالصبر تنال المنى
…
إذا لقيتم فئة فاثبتوا
(1)
سورة الحج، آية (34، 35).
(2)
نور الاقتباس، (ص 88، 89).
(3)
أخرجه البخاري (3/ 171)، ومسلم (2/ 637) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(4)
جزء من حديث أخرجه أحمد (4/ 2264)، والنسائي (3/ 54)، والحاكم (1/ 524) وصححه ووافقه الذهبي.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "من يتصبّر يصبّره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر. . ."
(1)
.
والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها، قال طائفة من السلف في قوله تعالى:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}
(2)
، قالوا:"لا شكوى معه. . ."
(3)
.
كما بيّن ابن رجب رحمه الله أن ما يصيب المسلم من المصائب والمحن والبلايا له فوائد وحكم كثيرة في الدنيا والآخرة، يقول في آخر كتاب نور الاقتباس: "ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها:
فمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصّبر عليها. . .
ومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب ورجع منها إلى الله عز وجل.
ومنها: زوال قسوة القلب وحدوث رقّتها.
ومنها: إنكسار العبد لله عز وجل وذلّه له، وذلك أحبّ إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.
ومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله، والوقوف ببابه والتضرّع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء.
وقد ذمّ الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الزكاة - باب الاستعفاف في المسألة (2/ 129)، ومسلم: كتاب الزكاة - باب فضل التعفّف والصبر (2/ 729) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
سورة يوسف، آية (83).
(3)
نور الاقتباس (ص 90، 91).
أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)}
(1)
.
(2)
.
ومنها: أن البلاء يوصل إلى قلبه لذّة الصبر والرّضا به، وذلك مقام عظيم جدًا. . .
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن من الالتفات إلى المخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده، وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد، فكيف بالمؤمن!
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات. . .
ومنها: أن العبد إذا اشتدّ عليه الكرب، فإنه محتاج حينئذ إلى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون في مجاهدة عدوّه ودفعه دفع البلاء عنه ورفعه.
ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولاسيّما بعد كثرة الدعاء وتضرّعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللّائمة، ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت
(3)
.
كما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال: "فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على
(1)
سورة المؤمنون، آية (76).
(2)
سورة الأنعام، آية (42).
(3)
نور الاقتباس (ص 108 - 111).
خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه عز وجل وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرّع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة؛ لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار. . ."
(1)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "فإذا أنت أحكمت باب اليقين، فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}
(2)
.
قال الضحاك
(3)
: "عزاهم لئلّا تأسوا على ما فاتكم: لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا فإنّا لم نقدّره لكم، ولا تفرحوا بما آتاكم: لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه فإنه لم يكن يزوى عنكم"
(3)
.
وقال سعيد بن جبير
(4)
في هذه الآية: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم
(1)
نور الاقتباس (ص 79).
(2)
سورة الحديد، آية (23).
(3)
الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد صاحب التفسير، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وله باع كبير في التفسير والقصص، توفي سنة 102 هـ.
سير أعلام النبلاء (4/ 598)، وتهذيب التهذيب (4/ 453).
(4)
الإمام الحافظ المجود المقرئ المفسّر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، من كبار التابعين، كان ذا عبادة، وزهد ودين، قتله الحجاج سنة 95 هـ. طبقات ابن سعد (6/ 256)، ذكر أخبار أصبهان (1/ 324)، وسير أعلام النبلاء (4/ 321).
من العافية والخصب إذا علمتم أنه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم".
ومن هذا المعنى قول بعض السلف: "الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وقد أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"
(1)
، فأشار في هذا الحديث إلى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وسواس الشيطان الموجبة للهمّ والحزن والندم على تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها"
(2)
.
(1)
تقدم تخريجه (ص 361).
(2)
نور الاقتباس (ص 82، 83).