الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها
المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع
البدعة نقيض السنة مشتقة من بَدَع الشيء يبدعه بَدْعًا إذا أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى الحسنى البديع فهو سبحانه بديع السموات والأرض لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق كما قال تعالى:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
(1)
والبديع أيضًا الذي ليس قبله شيء، والله سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله الشيء، والبدع: ما كان أولًا ولم يسبقه شيء كما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}
(2)
أي ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بل أرسل قبلي رسل كثيرون.
ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}
(3)
…
"
(4)
.
(1)
سورة البقرة آية (117).
(2)
سورة الأحقاف آية (9).
(3)
سورة الحديد آية (27).
(4)
انظر: الصحاح للجوهري (3/ 1183) ولسان العرب (8/ 7) والقاموس المحيط (3/ 4) والمفردات للراغب (ص 38).
فالبدعة اسم هيئة من الابتداع وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق، وهي بهذا المعنى تقال في المدح والذم لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سبق سواءًا كان خيرًا أو شرًا ولكن لفظ البدعة غلب على الحدث المكروه في الدين، قال ابن الأثير:"وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم"
(1)
.
وأما البدعة في الشرع فقد عرفها ابن رجب رحمه الله تعالى فقال: "المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة"
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"
(3)
من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"
(4)
فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة
(5)
.
فالبدعة إذًا هي كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن على عهد الصحابة دينًا يعبد الله به أو يتقرب به إليه سواء كان ذلك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأعمال.
وقد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي تدل على وجوب الاتباع والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.
(1)
النهاية لابن الأثير (1/ 107).
(2)
جامع العلوم والحكم (2/ 290).
(3)
انظر تخريجه في الورقة التي تليها (ص 419).
(4)
تقدم تخريجه (ص 382).
(5)
جامع العلوم والحكم (2/ 291).
منها قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)}
(1)
.
ومنها قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
(2)
.
ومنها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
(3)
.
(4)
.
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا:
منها حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"
(5)
.
(1)
سورة آل عمران آية (31).
(2)
سورة النور آية (63).
(3)
سورة الحشر آية (7).
(4)
سورة الأنعام آية (153).
(5)
أخرجه أحمد (4/ 126) وأبو داود: كتاب السنة، باب لزوم السنة (5/ 15) والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع (5/ 44) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (1/ 15) والحاكم (1/ 97) وقال: هذا حديث صحيح لا علة له ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة (1/ 205) وقال: هذا حديث حسن، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني (2/ 647).
ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول:"بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول:"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"
(1)
.
ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
(2)
.
ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني"
(3)
.
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الاتباع والابتعاد عن البدع ومحدثات الأمور.
كما أن السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (2/ 592).
(2)
تقدم تخريجه (ص 382).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (6/ 116) ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح (2/ 1018).
وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحذرون من البدع وينفرون منها، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا.
فمن أقوال الصحابة رضي الله عنهم: قول عمر رضي الله عنه: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله"
(1)
.
وقال حذيفة رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا أثارنا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطاتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا"
(2)
.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"
(3)
.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة"
(4)
.
وقال عثمان بن حاضر
(5)
الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت:
(1)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص 225).
(2)
أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 336).
(3)
أخرجه المروزي في السنة (ص 24) والبيهقي في المدخل (ص 180) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (1/ 92) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 339).
(4)
أخرجه وكيع في الزهد (2/ 590) وابن خيثمة في كتاب العلم (ص 122) والطبراني في الكبير (9/ 168) والدارمي في السنن (1/ 61) والبيهقي في المدخل (ص 186) وابن وضاح في البدع (ص 10) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 328).
(5)
عثمان بن حاضر الحميري ويقال الأزدي أبو حاضر القاص، روى عن ابن عباس وغيره، قال أبو زرعة: يماني، حميري، ثقة.
الجرح والتعديل (6/ 147) وتهذيب التهذيب (7/ 109).
أوصني، فقال: نعم عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع"
(1)
.
ومن الآثار الواردة عن التابعين ومن بعدهم في التحذير من البدع ولزوم السنة:
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}
(2)
فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا"
(3)
.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة"
(4)
.
وقال حسان بن عطية
(5)
رحمه الله تعالى: "ما ابتدع قوم بدعة في
(1)
أخرجه الدارمي في السنن (1/ 50) وابن وضاح في البدع (ص 25) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 319).
(2)
سورة المائدة آية (3).
(3)
الاعتصام للشاطبي (1/ 49).
(4)
أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 156) وذكرها أبو يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 241).
(5)
حسان بن عطية المحاربي أبو بكر الدمشقي، الإمام الحجة، وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهم.
قال الأوزاعي: ما أدركت أشد اجتهادًا ولا أعمل منه، قال الذهبي: بقي حسان إلى حدود سنة ثلاثين ومئة.
تهذيب الكمال للمزي (6/ 34) وسير أعلام النبلاء (5/ 446) وتهذيب التهذيب (2/ 251).
دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة"
(1)
.
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من أحد ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وأني واثق بنفسي، فمن آمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه"
(2)
.
ويقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: "عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول"
(3)
.
فهذه الآثار الواردة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كلها تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة وتحذر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها يقول الإمام أبو محمد البربهاري
(4)
رحمه الله تعالى: "واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل
(1)
أخرجه الدارمي في السنن (1/ 44) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (1/ 351) وابن وضاح في البدع (ص 37).
(2)
أخرجه ابن وضاح في البدع (ص 47).
(3)
أخرجه الآجري في الشريعة (ص 58) والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص 7) والبيهقي في المدخل (ص 199).
(4)
الإمام الحافظ أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر والسنة، لا يخاف في الله لومة لائم، توفي سنة 329 هـ رحمه الله تعالى.
طبقات الحنابلة (2/ 18) والبداية والنهاية (11/ 225) وسير أعلام النبلاء (15/ 90).
فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم.
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار".
واعلم رحمك الله -أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف، ولا شرح، ولا يقال: لم؟ ولا كيف، فالكلام والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة"
(1)
.
(1)
شرح السنة للبربهاري (ص 23 - 24).