الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس أخلاقه وصفاته
إن علماء السلف كانوا أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة.
ولقد كان الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق الرذيلة من الحسد والإيذاء والحقد وغير ذلك.
وكان رحمه الله تعالى زاهدًا ورعًا تقيًا، متعففًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله ويسد رمقه، فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، وكان ينهى دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين والاشتغال بالعلم، وكان له رحمه الله تعالى من الصفات والسلوك ما كان له أثر كبير في ظفره بلقب الإمام والحافظ وزين الدين وغير ذلك من النعوت التي وصفه بها كل من ترجم له، فهو حافظ لكتاب الله، وعالم بما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين، وذو بصر تام بمذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو من أئمة الحديث وحفاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله، وهو ذو أفق واسع، لا يتعصب لمذهب، ولا يندد بغيره، وهو حريص على معرفة الكتاب والسنة والرجوع إلى الطريقة التي جرى عليها الصحابة والتابعون ومن جاؤوا بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف الصالح لا يشغله عن العبادة وطلب العلم
شيء من مطالب الدنيا وهو رضي الخلق، عذب الشمائل، حسن النية، وقد ظهر آثار ذلك كله فيما خلفه من تآليف متنوعة أثنى عليها العلماء، وتلقوها بالقبول.
وكان رحمه الله تعالى صاحب عبادة وتأله وتهجد وطول صلاة.
قال ابن ناصر الدين عمه: "أحد الأئمة الزهاد، والعلماء العباد"
(1)
.
وقال ابن فهد: "كان رحمه الله إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه"
(2)
.
وقال الحافظ ابن حجر: "وكان صاحب عبادة وتهجد"
(3)
.
وكان مائلًا إلى اعتزال الناس والابتعاد عن مخالطتهم لاسيما في أواخر أيام حياته قال ابن حجي: "كان لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد"
(4)
.
وقال ابن قاضي شهبة
(5)
: "وكان منجمعًا عن الناس لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن بالمدرسة العسكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئًا من أمور الدنيا، فارغًا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا اشتغال بالعلم. . . وكان فقيرًا متعففا غني
(1)
الرد الوافر (ص 106).
(2)
لحظ الألحاظ (ص 181).
(3)
إنباء الغمر (3/ 176).
(4)
إنباء الغمر (3/ 176).
(5)
أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الدمشقي الشافعي الشهير بابن قاضي شهبة، الفقيه، العالم المؤرخ، سمع من أكابر عصره ودرس وجمع وصنف مصنفات كثيرة منها: ذيل على تاريخ الإسلام للذهبي واسمه: "تاريخ ابن قاضي شهبة""شرح منهاج الطالبين للنووي"، توفي سنة 851 هـ.
الضوء اللامع (11/ 21) وشذرات الذهب (7/ 269) والبدر الطالع (1/ 164).
النفس، وبالجملة لم يخلف بعده مثله"
(1)
.
وكانت مجالس تذكيره ووعظه الناس للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة ونافعة، قال ابن العماد:"وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة ومباركة نافعة"
(2)
.
تلك الصفات التي وصف بها تدل على ما وصل إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من مكانة عالية خلقًا وزهدًا وورعًا وعلمًا فهو المحدث الذي أتقن فنون الحديث وطرقه، وصار قدوة وعلمًا تخرج على يديه كثير من أهل العلم في زمانه، وبخاصة الحنابلة، وهو المصنف الذي ترك لنا آثارًا منوعة في العقيدة والفقه والحديث والتاريخ تدل على غزارة علمه وحضور حافظته واجتماع النصوص بين يديه ويجعلها أداة طيعة فيما يريده من شرح وتبسيط للأفكار، بحيث يقترب من العامة، ولا يبعد عن الخاصة من أهل العلم. وهو الواعظ المحبب إلى القلوب تجد الإخلاص والصدق في حديثه ووعظه، وهو الزاهد فيما به الناس مشغولون، المنقطع للعبادة والتصنيف.
(1)
تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (140/ أ).
(2)
شذرات الذهب (6/ 340).