الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة
هناك مسألة تعرّض لها ابن رجب رحمه الله تعالى وهي مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة كالوضوء والصلاة وغيرها.
فقد ذكر رحمه الله تعالى في هذه المسألة قولين لأهل العلم، القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تكفّر إلَّا الصغائر. أمّا الكبائر فلابدّ للعبد من التوبة منها. يقول ابن رجب في بيان هذا القول: "
…
فمنهم من قال لا تكفّر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفّر الصغائر
…
أمّا الكبائر فلابدّ لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا.
واتّفقت الأمَّة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدّى إلَّا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفّرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع، وأيضًا لو كفّرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى الفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل.
هذا ما ذكره ابن عبد البرّ في كتابه التمهيد
(1)
، وحكي إجماع المسلمين على ذلك، واستدلّ عليه بأحاديث:
(1)
التمهيد (4/ 44).
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنب الكبائر"، وهو مخرّج في الصحيحين
(1)
من حديث أبي هريرة.
وهذا يدلّ على أن الكبائر لا تكفّرها هذه الفرائض
…
وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه"
(2)
…
(3)
.
والقول الثاني: أن الأعمال الصالحة تكفّر الكبائر، وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذا القول وردّ عليه بقوله: "وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفّر الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري
(4)
وإياه عنى ابن عبد البرّ في كتاب التمهيد
(5)
بالردّ عليه، وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغترّ به جاهل فينهمك في الموبقات اتّكالًا على أنها تكفّرها الصلوات دون الندم والإستغفار والتوبة.
(1)
تقدم تخريجه (ص 537).
(2)
أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه (1/ 206).
(3)
جامع العلوم والحكم (2/ 38 - 40).
(4)
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الإمام المحدّث الفقيه، كان شافعيًا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلّفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والنحل، توفي سنة 456 هـ.
وفيات الأعيان (3/ 325)، وسير أعلام النبلاء (18/ 184)، وشذرات الذهب (3/ 299).
(5)
التمهيد (4/ 49).
قلت
(1)
: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه
…
فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض الإسلام وهو مصرّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه، وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم:"من أساء في الإسلام أخذ بالأوّل والآخر"
(2)
، يعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
وإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه كفّرت ذنوبه كلّها بذلك، واستدلّ بظاهر قوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)}
(3)
، وقال: السيّئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيّة فكذلك الكبائر، وقد يستدلّ لذلك بأن الله وعد المؤمنين والمتّقين بالمغفرة وتكفير السيئات وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتّقين فإنه فعل الفرائض واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نيّة وقصد، فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة"
(4)
.
وقد رجّح ابن رجب رحمه الله تعالى القول الأوَّل، وبين أن الكبائر لا تكفّر بالأعمال الصالحة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للتوبة معنى، ولكان المصرّ على الكبائر مع محافظته على الصلاة مثلًا مكفّرة لكبائره، وليس عليه تبعة ولا يلزمه توبة لأنه بصلاته وأعماله الصالحة تمحى
(1)
القائل ابن رجب رحمه الله تعالى.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب استتابة المرتدين (8/ 49).
(3)
سورة النساء، آية (31).
(4)
جامع العلوم والحكم (2/ 41 - 43).
ذنوبه، يقول ابن رجب رحمه الله في ذلك: "والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد قال الله عز وجل:{وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(1)
…
وأما النصوص الكثيرة المتضمّنة مغفرة الذنوب وتكفير السيّئات للمتّقين؛ كقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}
(2)
.
(3)
…
فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك التوبة النصوح، فمن لم يتب فهو ظالم غير متقٍّ.
وقد بيَّن في سورة آل عمران
(4)
خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنَّة، فذكر منها الإستغفار وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفير السيّئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كانت هذه الصفة له.
وممّا يستدلّ به على أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة منها أو العقوبة عليها حديث عبادة بن الصامت، قال: كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بايعوني على ألَّا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا (وقرأ عليهم الآية)
(5)
، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا
(1)
سورة الحجرات، آية (11).
(2)
سورة الأنفال، آية (29).
(3)
سورة التغابن، آية (9).
(4)
وهي من قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}
…
، إلى قوله تعالى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} سورة آل عمران، آية (133 - 135).
(5)
وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ .... } ، إلى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} سورة الممتحنة، آية (12).
فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له"، خرّجاه في الصحيحين
(1)
…
إلى أن قال رحمه الله تعالى: "والأظهر -والله أعلم- في هذه المسألة، أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال:
إن أريد أن الكبائر تمحى بمجرّد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفّرة بذلك كما تكفّر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل.
وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال، فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع
…
روي من حديث ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته يوم القيامة، فيقص أو يقضى بها بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنّة"
(2)
…
وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيّئات، وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصّة
(3)
.
هذه بالنسبة للكبائر، أمّا الصغائر فقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أنها تكفّر بالأعمال الصالحة كما سبق بيان ذلك في القول الأوّل من المسألة السابقة، وكما في قوله رحمه الله تعالى: "
…
أمّا الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "ألا
(1)
تقدم تخريجه (ص 320).
(2)
أخرجه الحاكم (4/ 252) وهو حديث قدسي، ولفظه:"قال الرب عز وجل: يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته فيقضي بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسّع الله له في الجنة ...... " الحديث، قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(3)
جامع العلوم والحكم (2/ 43 - 45).
أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة"
(1)
، فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له مائة مرة كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر"
(2)
.
فهذا يدلّ على أن الذكر يمحو السيّئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفًا
…
وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيّئات ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر"
(3)
، فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفّها عما تميل إليه ما يوجب تكفير الصغائر.
وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفّر الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيّن بها أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيّئات من وجهين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب"
(4)
.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (1/ 219).
(2)
تقدم تخريجه (ص 314).
(3)
تقدم تخريجه (ص 537).
(4)
جامع العلوم والحكم (2/ 55، 60).
وهل يقطع بتكفير الأعمال الصالحة للصغائر إذا اجتنبت الكبائر؟
فيه قولان ذكرهما ابن عطية
(1)
في تفسيره، ورجح القول بعدم الجزم بشيء، وإنّما يحمل ذلك على غلبة الظن، وقوّة الرجاء، والمشيئة الثابتة، وعلّل ابن عطية ذلك بأنّه "لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعًا، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة
(2)
"، وقد أورد ابن رجب رحمه الله تعالى كلام ابن عطيّة السابق، وعقّب عليه بقوله: "قد يقال لا يقطع بتكفيرها بها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيّدة بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ يتحقّق حسن العمل الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر"
(3)
…
والله أعلم بالصّواب.
(1)
أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي المالكي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والعربية، ذكيًا فطنًا، من أوعية العلم، من مؤلّفاته: المحرر والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة 541 هـ.
سير أعلام النبلاء (19/ 596)، وطبقات المفسّرين للسيوطي (ص 50)، وطبقات المفسّرين للداوودي (1/ 265).
(2)
المحرر الوجيز لابن عطية (4/ 96).
(3)
جامع العلوم والحكم (2/ 63، 64).