المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى - ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

[عبد الله بن سليمان الغفيلي]

فهرس الكتاب

- ‌تقريظ

- ‌تقريظ فضيلة الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول حياة ابن رجب وآثاره العلمية

- ‌الفصل الأول العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول الناحية السياسية

- ‌المبحث الثاني الحالة الاجتماعية

- ‌المبحث الثالث الحالة العلمية

- ‌الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية

- ‌المبحث الأول اسمه ونسبه

- ‌المبحث الثاني كنيته ولقبه

- ‌المبحث الثالث مولده

- ‌المبحث الرابع شهرته

- ‌المبحث الخامس أسرته

- ‌المبحث السادس أخلاقه وصفاته

- ‌المبحث السابع ابن رجب والتصوف

- ‌المبحث الثامن وفاته

- ‌الفصل الثالث حياته العلمية

- ‌المبحث الأول طلبه للعلم

- ‌المبحث الثاني رحلاته في طلب العلم

- ‌المبحث الثالث شيوخه

- ‌ ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌1 - ابن القيم:

- ‌2 - ابن الخباز:

- ‌3 - أبو سعيد العلائي:

- ‌المبحث الرابع تدريسه

- ‌المبحث الخامس تلاميذه

- ‌ تراجم لثلاثة من المشاهير منهم

- ‌1 - ابن الرسام:

- ‌2).2 -ابن اللحام:

- ‌3 - ابن سعيد الحنبلي:

- ‌المبحث السادس ثقافته ومؤلفاته

- ‌المبحث السابع عقيدته ومذهبه

- ‌1 - عقيدته:

- ‌2 - مذهبه:

- ‌المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

- ‌الباب الثاني أثر ابن رجب في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه

- ‌الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها

- ‌المبحث الأول تعريف التوحيد لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا

- ‌المبحث الثالث أنواع التوحيد

- ‌المبحث الرابع العلاقة بين أنواع التوحيد

- ‌الفصل الثاني توحيد الربوبية

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الربوبية لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف توحيد الربوبية شرعًا

- ‌المبحث الثالث دلائل توحيد الربوبية

- ‌الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الثاني مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وموقف ابن رجب منه

- ‌المبحث الثالث أدلة توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم

- ‌المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن

- ‌المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى

- ‌المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌المبحث الثامن شبهة والرد عليها

- ‌المبحث التاسع رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة

- ‌المبحث العاشر تنزيه الله سبحانه وتعالى من نسبة الولد إليه

- ‌المبحث الحادي عشر علم الكلام وكلام ابن رجب عليه

- ‌الفصل الرابع توحيد الألوهية

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية

- ‌المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها

- ‌المطلب الأول بيان معنى كلمة إله

- ‌المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله

- ‌المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله

- ‌المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله

- ‌المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)

- ‌المبحث الثالث ذكر بعض أنواع العبادة

- ‌المبحث الرابع بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين

- ‌الفصل الخامس نواقض التوحيد

- ‌المبحث الأول الشرك وكلام ابن رجب عليه

- ‌المطلب الأول تعريف الشرك لغة

- ‌المطلب الثاني الشرك في الشرع وبيان أقسامه

- ‌المبحث الثاني النفاق وكلام ابن رجب عليه

- ‌المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها

- ‌المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع

- ‌المطلب الثاني أنواع البدع

- ‌المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك

- ‌المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها

- ‌المطلب الخامس حكم البدع وأهلها

- ‌المبحث الرابع الغلو وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليه

- ‌المبحث الخامس مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل

- ‌1 - التنجيم

- ‌2 - التطيّر والتشاؤم

- ‌3 - الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" وقوله: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله: "لا يورد ممرض على مصح

- ‌4 - معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث

- ‌5 - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد

- ‌6 - النهي عن سبّ الدهر

- ‌الباب الثالث أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل

- ‌الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل

- ‌المبحث الأول تعريف الإيمان لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا

- ‌المبحث الثالث أهمية الإيمان

- ‌المبحث الرابع زيادة الإيمان ونقصانه

- ‌المبحث الخامس العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام

- ‌المبحث السادس حكم مرتكب الكبيرة

- ‌المبحث السابع مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة

- ‌الفصل الثاني الإيمان بالملائكة والكتب والرسل

- ‌المبحث الأول الإيمان بالملائكة والكتب

- ‌المطلب الأول الإيمان بالملائكة

- ‌المطلب الثاني الإيمان بالكتب

- ‌المبحث الثاني تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا

- ‌المبحث الثالث معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث الرابع الغرض من بعثة الرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث الخامس التفاضل بين الأنبياء

- ‌المبحث السادس بعض خصائص الرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث السابع الإيمان بنبوّة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثامن كلامه في دعوة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث التاسع بيانه فضل إرسال النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر النجاة والسعادة في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه

- ‌الفصل الثالث الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌المبحث الأول تعريف القضاء والقدر

- ‌المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك

- ‌المبحث الثالث مراتب الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌المبحث الرابع النهي عن الخوض في القدر

- ‌المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر

- ‌المبحث السادس حكم تمنّي الموت وعلاقته بالقضاء والقدر

- ‌المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب

- ‌المبحث الثامن الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث "فحج آدم موسى

- ‌الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر

- ‌المبحث الأول أهمية الإيمان باليوم الآخر

- ‌المبحث الثاني الإيمان بأشراط الساعة

- ‌المبحث الثالث الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته

- ‌المبحث الرابع الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر

- ‌المبحث الخامس مستقر الأرواح

- ‌المبحث السادس الصراط

- ‌المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}

- ‌المبحث الثامن الشفاعة

- ‌المبحث التاسع الجنة ونعيمها

- ‌المبحث العاشر رؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة

- ‌المبحث الحادي عشر النار وعذابها

- ‌المبحث الثاني عشر خلق الجنة والنار

- ‌المبحث الثالث عشر الجنة والنار باقيتان لا تفنيان

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى

‌المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى

صفات الله تبارك وتعالى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة، ولكن سأقتصر على ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى وتعرض لها في مؤلفاته، لأن في بيان البعض إيضاحًا للمقصود إذ هي تعتبر بمثابة الأمثلة ويقاس عليها غيرها من الصفات من حيث إثباتها على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى.

وقد نهج ابن رجب رحمه الله تعالى وسار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالى، لأن منهجهم هو المنهج القويم والصراط المستقيم والطريق السليم.

وقبل أن أبين الصفات التي تكلم عنها ابن رجب رحمه الله في مؤلفاته أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي سار عليه السلف في تقسيم صفات الله تعالى وهو أنهم يقسمون الصفات التي وردت في الكتاب والسنة إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.

فأما الصفات الذاتية: وهي الصفات المتعلقة بذاته التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه بل هي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وهي لا تتعلق بها مشيئته وقدرته.

وأما الصفات الفعلية: فهي الصفات المتعلقة بمشيئته وقدرته إن شاء

ص: 235

فعلها وإن شاء لم يفعلها عز وجل كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول والضحك، والرضى والعجب والسخط

وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية لأنه تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا.

وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام متعلق بمشيئته عز وجل يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء كما قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)}

(1)

.

يقول العلامة الأستاذ محمد خليل هراس رحمه الله تعالى بعد أن ذكر جملة من النصوص المشتملة على هذين القسمين. قال: "دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان":

أ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلًا وأبدًا ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة، والعلم والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال .... الخ.

ب - صفات فعلية تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن وتحدث بمشيئته وقدرته، آحاد تلك الصفات من الأفعال وإن كان هو لم يزل موصوفًا بها بمعنى أن نوعها قديم وأفرادها حادثة، فهو سبحانه لم يزل فعالًا لما يريد ولم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأفعاله تقع شيئًا فشيئًا تبعًا لحكمته وإرادته، فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك والرضى والغضب والكراهية

(1)

سورة يس آية (82).

ص: 236

والمحبة المتعلقة بخلقه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأنواع التدبير المختلفة

(1)

.

وفيما يلي سأذكر جملة من صفات الله عز وجل مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها:

أولًا: صفة العلم:

وهي صفة من صفات الله الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: لا ريب أن علم الله عز وجل قديم أزلي، لم يزل عالمًا بما يحدثه من مخلوقاته

(2)

.

فالعلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي لازم لنفسه المقدسة، وهو سبحانه العليم المحيط بكل شيء، يعلم الكليات والجزئيات ولا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

ومن الأدلة على اتصافه تعالى بالعلم قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(3)

.

وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}

(4)

.

(1)

شرح العقيدة الواسطية (ص 98، 99) وانظر: شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص 11).

(2)

لطائف المعارف (ص 79، 80).

(3)

سورة التغابن آية (11).

(4)

سورة الأنعام آية (59).

ص: 237

وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4)}

(1)

.

وقوله تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)}

(2)

.

وقال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}

(3)

.

وقال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)}

(4)

.

والآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله تبارك وتعالى متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بعد جهد لكثرتها.

كما دلّ على إثبات هذه الصفة لله تبارك وتعالى أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.

منهما: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين"

(5)

.

(1)

سورة التغابن آية (4).

(2)

سورة الحديد آية (4).

(3)

سورة النساء آية (166).

(4)

سورة الطلاق آية (12).

(5)

تقدم تخريجه (ص 173).

ص: 238

ومعنى الحديث كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا

(1)

.

ومنها: ما رواه البخاري ومسلم في قصة الخضر مع موسى عليه السلام التي ورد فيها قول الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه إلى أن قال: "فركبا في السفينة قال: ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره"

(2)

.

ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله"

(3)

.

إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على إثبات صفة العلم لله عز وجل، وأنه تبارك وتعالى قد علم في الأزل جميع ما هو خالق كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هم منهم من أهل النار، وعلم سبحانه وتعالى عدد أنفاسهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع،

(1)

شفاء العليل (ص 67).

(2)

أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} (5/ 230) ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر (4/ 1847).

(3)

أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله (2/ 23) ومسلم: كتاب الإيمان (1/ 40) من حديث أبي هريرة.

ص: 239

ومتى تقع وكيف تقع كل ذلك بعلمه تبارك وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فله عز وجل العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ثانيًا: صفة الغنى:

صفة الغنى من صفات الله تعالى الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني

"

(1)

يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًا، فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعة العباد، ولا يعود نفعها إليه، إنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها.

قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}

(2)

.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا}

(3)

.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا"

(4)

.

وقال الله عز وجل: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131)}

(5)

.

(1)

هذا جزء من حديث قدسي طويل تقدم تخريجه (ص 174).

(2)

سورة آل عمران آية (176).

(3)

سورة آل عمران آية (144).

(4)

هذا جزء من حديث ما يسمى بخطبة الحاجة، وقد تقدم تخريجه (ص 8).

(5)

سورة النساء آية (131).

ص: 240

وقال تعالى حاكيًا عن موسى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)}

(1)

.

وقال: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)}

(2)

.

وقال: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}

(3)

.

والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين

هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده

(4)

.

وقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا"

(5)

.

قال: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية

(1)

سورة إبراهيم آية (8).

(2)

سورة آل عمران آية (97).

(3)

سورة الحج آية (37).

(4)

جامع العلوم والحكم (2/ 189، 190).

(5)

تقدم تخريجه (ص 174).

ص: 241

العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم.

فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان

إلى أن قال: "إن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا. فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزاد ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا تؤثر فيه شيئًا"

(1)

.

فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله تبارك وتعالى صفة الغنى المطلق من جميع الوجوه، وأنه سبحانه وتعالى هو الغني الحميد الذي بيده خزائن السموات والأرض وأنه سبحانه هو الذي يغني جميع خلقه لأنهم جميعًا مفتقرون إليه في كل شيء في وجودهم وقيامهم وقعودهم وحركاتهم، وسكناتهم، وفي كل شأن من شؤون حياتهم.

كما أوضح رحمه الله تعالى أن الله تبارك وتعالى قيوم السموات والأرض بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تزيده طاعة مطيع، ولا تنقصه معصية عاص لأنه غني عن خلقه أجمعين، فهو سبحانه وتعالى له الغنى المطلق الكامل، وهو متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، لأن غناه تبارك وتعالى من لوازم ذاته فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال، بل العباد كلهم محتاجون إليه مفتقرون إليه ليس لهم غنا عنه بأية حال من الأحوال.

(1)

جامع العلوم والحكم (2/ 194، 195).

ص: 242

وهذا كله مما دلت عليه الآيات في كتاب الله تعالى ومما جاءت به الأحاديث في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه بعضًا من الآيات الدالة على ذلك.

ومن الآيات التي تدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)}

(1)

.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال عز وجل:{وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: "هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه"

(2)

.

وأما الأحاديث الدالة على هذه الصفة فكثيرة جدًا:

منها ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه السابق.

ومنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فقالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبّر صلى الله عليه وسلم وحمد الله عز وجل، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان

(3)

زمانه

(1)

سورة فاطر آية (15).

(2)

تفسير ابن كثير (3/ 577).

(3)

إبان زمانه: وقت زمانه، وإبان كل شيء بالكسر والتشديد: وقته وحينه الذي يكون فيه. لسان العرب (13/ 4).

ص: 243

عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين"

(1)

.

ثالثًا: صفة المعية:

معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف وهي معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق لقوله تعالى عن نفسه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

(2)

وهي تنقسم إلى قسمين:

1 -

معية عامة: وهي معية تقتضي علمه سبحانه وتعالى بجميع خلقه وإحاطته بهم مؤمنهم وفاجرهم، فلا تخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء، لأنه تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء علمًا.

ومن الأدلة التي تدل على هذا قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

(3)

.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار

(4)

الجميع في علمه على السواء وتحت

(1)

أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء (1/ 693) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، أهل المدينة يقرؤون (ملك يوم الدين) وإن هذا الحديث حجة لهم.

(2)

سورة الشورى آية (11).

(3)

سورة الحديد آية (4).

(4)

القفار بكسر القاف: مفردها قفر وهي الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات. الصحاح (2/ 797).

ص: 244

بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ويعلم سركم ونجواكم

(1)

. ومن نصوص الكتاب أيضًا التي تدل على هذا النوع من المعية قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}

(2)

.

ومنها: قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .... }

(3)

وقوله تعالى: { ......... وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ}

(4)

.

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قربه سبحانه وتعالى من عباده وأنه عز وجل على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط.

2 -

المعية الخاصة: وهي المعية التي تقتضي النصر والتوفيق والتأييد والحفظ من الله عز وجل لعباده المؤمنين المتقين وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.

ومن النصوص الدالة على هذا النوع قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}

(5)

.

ومنها: قوله تعالى في قصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع الصديق رضي الله عنه: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}

(6)

.

(1)

تفسير ابن كثير (4/ 304).

(2)

سورة المجادلة آية (7).

(3)

سورة يونس آية (61).

(4)

سورة النساء آية (108).

(5)

سورة النحل آية (128).

(6)

سورة التوبة آية (40).

ص: 245

ومنها: قوله تعالى لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}

(1)

إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه سبحانه وتعالى مع عباده المتقين الطائعين يحفظهم وينصرهم ويدافع عنهم.

كما دلّ على هذا النوع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:

منها: حديث أبي موسى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" وفي لفظ: "والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم"

(2)

.

وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى صفة المعية وأقسامها، وعرف كل قسم منها وذكر ما يدل عليه من نصوص الكتاب والسنة.

ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله تجده أمامك"

(3)

معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في جميع الأحوال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون

وهذه هي المعية الخاصة بالمتقين غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ......... }

(4)

.

فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة

(1)

سورة طه آية (46).

(2)

أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (4/ 2076).

(3)

سبق تخريجه (ص 161).

(4)

سورة الحديد آية (4).

ص: 246

وكان صلى الله عليه وسلم قد قال لأبي بكر وهما في تلك الحال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"

(1)

.

فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}

(2)

فإن ذلك عام: لكل جماعة.

ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي به"

(3)

.

إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه

(4)

.

وقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن المعية في مرتبة الإحسان "وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}

(5)

وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}

(6)

إلى أن قال رحمه الله تعالى: "ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتى من جهله وسوء فهمه عن الله عز وجل وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"

(7)

.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله:{ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} (5/ 204).

(2)

سورة المجادلة آية (7).

(3)

تقدم تخريجه (ص 168).

(4)

نور الاقتباس (ص 52، 53).

(5)

سورة الحديد آية (4).

(6)

سورة البقرة آية (186).

(7)

جامع العلوم والحكم (1/ 88، 89).

ص: 247

وقال رحمه الله تعالى أيضا بعد أن ذكر بعض النصوص التي تدل على المعية "فهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه قال تعالى:{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ}

(1)

.

ومعيته مع أهل طاعته خاصة فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه.

والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته فكذلك القرب، وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

(2)

.

فقد بيّن رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن نصوص المعية بنوعيها لا تفيد مخالطة ولا ممازجة ولا حلولًا ولا تشبيهًا، بل هي معية اطلاع وعلم وإحاطة في المعية العامة وتزيد المعية الخاصة بأنها معية نصر وموالاة وحفظ وتأييد وتسديد.

ومن فهم من هذه النصوص معاني أخرى لا تليق بكمال الله وجلاله فإنما ذلك بسبب جهله وسوء فهمه لأن معية الله سبحانه وتعالى وقربه ليست كقرب الأجسام بعضها ببعض، فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

(1)

سورة النساء آية (108).

(2)

فتح الباري (2/ 333 - 334).

ص: 248

وقد ردّ ابن رجب رحمه الله تعالى على الذين فسروا المعية بتفسير لا يليق بالله عز وجل وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وهم الحلولية

(1)

من الجهمية ومن نحا نحوهم.

فقال رحمه الله تعالى: ولم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله واطلاعه على عباده وإحاطته بهم وقربه من عابديه وإجابته لدعائهم فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء ويعبدونه كأنهم يرونه، ثم حدث بعدهم من قل ورعه وانتكس فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره وأراد أن يرى الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان كما يحكى ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبير.

وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة رضي الله عنهم وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم في حديث عائشة

(2)

المتفق عليه.

(1)

الحلولية: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حل في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وأول من أظهر ذلك في الإسلام الروافض، فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم والقول بالحلول هي عقيدة غلاة الصوفية والفلاسفة كابن عربي وابن سبعين والحلاج والتلمساني وغيرهم.

اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (73) ومجموع الفتاوي (2/ 112).

(2)

حديث عائشة هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عنها رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ =

ص: 249

وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}

(1)

وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}

(2)

.

فقال من قال من علماء السلف حينئذ إنما أراد أنه معهم بعلمه وقصدوا بذلك إبطال ما قال أولئك مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن

وحكى ابن عبد البر

(3)

وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (1) أن المراد علمه، وكل هذا قصدوا به رد قول من قال أنه تعالى بذاته في كل مكان.

وزعم بعض من تحذلق

(4)

أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام، فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها،

= أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} سورة آل عمران آية (7).

قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله، فاحذروهم".

البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} (5/ 166) ومسلم: كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه (4/ 2053).

(1)

سورة الحديد آية (4).

(2)

سورة المجادلة آية (7).

(3)

انظر: التمهيد (7/ 138، 139).

(4)

يقال: حذلق الرجل وتحذلق إذا أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده. لسان العرب (10/ 41).

ص: 250

ففيها معلوماته لا صفة ذاته كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}

(1)

وقوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا}

(2)

وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ

}

(3)

(4)

.

فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن معية الله تعالى لا تقتضي المخالطة والممازجة كما يزعم أهل الضلال لأن السلف رحمهم الله تعالى أجمعوا على أن المراد هو معهم بعلمه، وهذا هو المأثور عن الصحابة والتابعين وهو ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.

وبهذا يتبين أن موقف ابن رجب رحمه الله تعالى من إثبات معية الله تعالى موافق لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.

ومعية الله عز وجل لا تنافي ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه لأن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق.

صفة العلو وأدلة ثبوتها من السمع والعقل والفطرة:

فالعلو صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي لا تنفك عنه، وقد دل على ثبوتها: السمع والعقل والفطرة.

وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى عال على كل شيء.

(1)

سورة الأعراف آية (89).

(2)

سورة غافر آية (7).

(3)

سورة الحديد آية (4).

(4)

فتح الباري (2/ 331 - 332).

ص: 251

أما من الكتاب فقوله تعالى: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}

(1)

وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)}

(2)

وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}

(3)

وقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)}

(4)

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على علو الله تعالى.

وأما الأحاديث فكثيرة أيضًا وقد بلغت مبلغ التواتر

(5)

ومنها:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون"

(6)

.

ومنها حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: "إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام،

(1)

سورة غافر آية (12).

(2)

سورة الرعد آية (9).

(3)

سورة الأعلى آية (1).

(4)

سورة الملك آية (16).

(5)

انظر: حكاية التواتر في كتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص 41) والعلو للذهبي (ص 16) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (98) وقد ذكر ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرح الطحاوية (ص 322) عشرين نوعًا من الأدلة على إثبات صفة العلو لله عز وجل ثم قال: "وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله، هيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك".

(6)

أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} (8/ 177).

ص: 252

يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"

(1)

.

ومنها حديث الجارية التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله"؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: رسول الله قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة"

(2)

.

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الذهب الذي بعث به علي بن أبي طالب من اليمن إلى المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا"

(3)

.

فهذه الأحاديث وغيرها مما هو بمعناها تدل دلالة واضحة على علو الله سبحانه وتعالى.

وأما من الإجماع: فقد أجمع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه.

وقد ذكر هذا الإجماع غير واحد منهم.

من ذلك ما قاله أبو عمرو الطلمنكي

(4)

رحمه الله تعالى "وأجمع

(1)

تقدم تخريجه (ص 216).

(2)

أخرجه مسلم: كتاب المساجد (1/ 381).

(3)

أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب في بعث علي بن أبي طالب (5/ 110) ومسلم: كتاب الزكاة (2/ 742).

(4)

هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى المعافري الأندلسي الطلمنكي الحافظ عالم أهل قرطبة، وصاحب التصانيف، كان خبيرًا بعلوم القرآن، وكان على منهج أهل السنة والجماعة، يقول الذهبي: رأيت له كتابًا في السنة في مجلدين عامته جيد، توفي سنة 429 هـ.

سير أعلام النبلاء (17/ 566) وغاية النهاية في طبقات القراء (1/ 120) وشذرات الذهب (3/ 243).

ص: 253

المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}

(1)

ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه وان الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء"

(2)

.

وأما من العقل:

فإن كل عقل صحيح صريح يدل على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه، لأن العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ومنزه عن جميع صفات النقص، فدلّ العقل على اتصاف الله عز وجل بصفة العلو من وجوه:

1 -

العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.

2 -

أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل.

أما أولًا: فبالاتفاق.

وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

والثاني يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.

(1)

سورة الحديد آية (4).

(2)

مجموع الفتاوى (3/ 219) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (142).

ص: 254

3 -

أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول، فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه، والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة

(1)

.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثين دليلًا عقليًا على إثبات صفة العلو لله عز وجل

(2)

.

وأما ثبوته بالفطرة:

فإن الله تعالى فطر الخلق كلهم على الإيمان به وعلى علوه لأنه ما من داع يدعو ربه إلا ويجد في نفسه ضرورة بالإتجاه إلى العلو من غير تعليم معلم.

ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "ومن الحجة في أنه سبحانه وتعالى على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطراري لم يخالفهم فيه أحد ولا أنكره عليهم مسلم"

(3)

.

وهناك حكاية مشهورة تبين الاستدلال بالفطرة على علو الله على خلقه وهي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني

(4)

حضر مجلس أبي المعالي

(1)

شرح العقيدة الطحاوية (ص 325).

(2)

انظر: الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (4/ 1279).

(3)

التمهيد (7/ 134).

(4)

هو الشيخ الإمام الحافظ الزاهد أبو جعفر محمد بن الحسين بن محمد الهمداني، من أئمة أهل الأثر، توفي سنة 531 هـ.

سير أعلام النبلاء (20/ 101) شذرات الذهب (4/ 97).

ص: 255

الجويني

(1)

فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.

فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله تعالى أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله.

وهذا يقتضي أن في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق

(2)

.

هذه بعض الأدلة

(3)

التي تدل على إثبات هذه الصفة العظيمة لله تبارك وتعالى وهي صفة العلو ذكرتها بمناسبة الجمع بين صفة المعية

(1)

هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي، أحد الأعلام، شافعي المذهب، له مؤلفات كثيرة منها: الإرشاد في أصول الدين، والشامل في أصول الدين.

كان من أئمة الأشاعرة، ولكنه رجع إلى مذهب السلف في آخر حياته، توفي سنة 478 هـ.

تبيين كذب المفتري (ص 278) وطبقات الشافعية للسبكي (5/ 165) والعبر (2/ 339) وشذرات الذهب (3/ 358).

(2)

انظر: مجموع الفتاوى (4/ 61) والعلو للذهبي (ص 188) وشرح العقيدة الطحاوية (ص 325).

(3)

من أراد مزيدًا من الأدلة والإيضاح في هذه الصفة فليراجع:

أ - مجموع الفتاوى (5/ 136) وما بعدها.

ب - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم.

جـ - إثبات صفة العلو لابن قدامة.

د - العلو للعلي الغفار للذهبي.

ص: 256

وصفة العلو وأنه لا تناقض ولا تنافي بين علو الله تعالى واستوائه على عرشه وبين معيته سبحانه وتعالى للوجوه التالية:

1 -

أن الله تعالى قد جمع بينهما لنفسه في كتابه العظيم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)}

(1)

. فدلّ ذلك على عدم التناقض بينهما إذ لو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما لأنه منزه عن التناقض.

2 -

أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق الضعيف كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا.

ومن المعلوم أن المخلوق في الأرض والقمر في السماء ولا يعد ذلك تناقضًا، فإذا أمكن اجتماع ذلك في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء أولى.

3 -

أنه لو فرض أن اجتماع العلو والمعية ممتنع في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق العظيم لأنه عز وجل ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وبهذا يتضح أن الله تبارك وتعالى عال على خلقه مستو على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وقريب منهم سبحانه وتعالى لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه

(2)

.

(1)

سورة الحديد آية (4).

(2)

شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس (ص 123 - 125) وفتح البرية بتلخيص الحموية للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص 77، 78).

ص: 257

رابعًا: صفة المجيء والإتيان:

يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)}

(1)

ونحو ذلك مما دلّ على إتيانه ومجيئه يوم القيامة، وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره

وقد ذكر حرب الكرماني

(2)

أنه أدرك على هذا كل من أخذ عنه العلم في البلدان، وسمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي

(3)

وسعيد بن منصور

(4)

وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بالإبانة

(5)

، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه كالبيهقي

(6)

وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن

(1)

سورة الفجر آية (22).

(2)

حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، رجل جليل، نقل عن الإمام أحمد مسائل كتبها بخطه، وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره في البلد، توفي سنة 280 هـ.

الجرح والتعديل (3/ 253) وطبقات الحنابلة (1/ 145) وسير أعلام النبلاء (13/ 244).

(3)

عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، الإمام الحافظ الفقيه، المحدث، صاحب المسند، قال عنه الإمام أحمد: الحميدي عندنا إمام، توفي سنة 219 هـ.

الجرح والتعديل (5/ 56) وسير أعلام النبلاء (10/ 616) وتهذيب التهذيب (5/ 215).

(4)

سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المروزي، أبو عثمان الحافظ الإمام، شيخ الحرم صاحب السنن، كان ثقة صادقًا ومن أوعية العلم وأئمة الحديث، توفي سنة 227 هـ.

التاريخ الكبير (3/ 516) والجرح والتعديل (4/ 68) وسير أعلام النبلاء (10/ 586).

(5)

انظر: الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص 60).

(6)

أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الحافظ العلامة، كتب الحديث وحفظه من صباه، وصنف تصانيف كثيرة منها: شعب الإيمان، توفي سنة 458 هـ.

سير أعلام النبلاء (18/ 163) وشذرات الذهب (3/ 304).

ص: 258

عساكر

(1)

وغيرهم

(2)

.

وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث الرؤية الذي فيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم

" الحديث

(3)

.

يقول: وقد دلّ القرآن على ما دلّ عليه الحديث في مواضع كقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}

(4)

.

وقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}

(5)

وقال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)}

(6)

ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئًا من ذلك ولا أخرجوه من مدلوله، بل روى عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء.

وقد روي عن الإمام أنه قال في مجيئه: هو مجئ أمره، وهذا مما تفرد به حنبل

(7)

عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف والمتواتر عنه، وكان أبو بكر الخلال

(8)

(1)

أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، الإمام الحافظ المتقن، له مصنفات عظيمة منها: تاريخ دمشق الكبير، توفي سنة 571 هـ.

البداية والنهاية (12/ 312).

(2)

فتح الباري (5/ 102).

(3)

تقدم تخريجه (ص 217).

(4)

سورة البقرة آية (210).

(5)

سورة الأنعام آية (158).

(6)

سورة الفجر آية (22).

(7)

حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني، أبو علي ابن عم الإمام أحمد حافظ محدث، له مسائل عن الإمام أحمد، توفي سنة 273 هـ.

سير أعلام النبلاء (12/ 51) وشذرات الذهب (2/ 163).

(8)

هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال، من كبار الحنابلة مفسر عالم بالحديث واللغة له كتب مفيدة منها: كتاب السنة، توفي سنة 311 هـ.

طبقات الحنابلة (2/ 12) والبداية والنهاية (11/ 166).

ص: 259

وصاحبه لا يثبتان ما تفرد به عن أحمد رواية. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما، ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزامًا لمن ناظره في القرآن، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن فقال: إنما يجئ ثوابه لقوله: (وجاء ربك) أي كما تقولون أنتم في مجيء الله أنه مجئ أمره، وهذا أصح المسالك في هذا المروي، وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق: فمنهم من يثبت المجىء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه، ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره، ومنهم من يقر ذلك ويمره كما جاء ولا يفسره ويقول هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، وهذا هو الصحيح عن أحمد ومن قبله من السلف وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة، وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهمًا وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله سبحانه وتعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله، وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك مع كثرته وانتشاره من باب التوسع والتجوز وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة وهو من جنس حمل

ص: 260

الباطنية

(1)

نصوص الأخبار من الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز

(2)

دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك،

(1)

الباطنية: سموا بذلك لأنهم يقولون: أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، ولهم ألقاب كثيرة منها: القرامطة والحزمية والإسماعيلية والمزدكية والنصيرية، وهم يعتقدون أن الإله لا يوصف بوجود ولا عدم ولا هو معلوم ولا مجهول، ويقولون: إنه لابد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يرجع إليه في تأويل الظواهر، واتفقوا على إنكار القيامة، وهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم.

اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 76) والفرق بين الفرق (ص 281) والرد على الرافضة للمقدسي (ص 141).

(2)

يطلق لفظ المجاز في اصطلاح كثير من المتأخرين على ما هو قسيم الحقيقة، فإنهم قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز.

فالحقيقة عندهم هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له.

والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة. وقيل غير ذلك من التعاريف.

انظر المستصفى في علم الأصول للغزالي (ص 268) والأحكام للآمدي (1/ 26).

وهذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء بين مثبت وناف.

والحقيقة أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث قصد به التوصل إلى نفي صفات الكمال عن الله عز وجل، وإلا فالأئمة رحمهم الله تعالى وأهل القرون الثلاثة المفضلة لم يتكلموا بهذا الاصطلاح بالمعنى الذي قصده المبتدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية

والغالب أنه -أي المجاز- كان من جهة =

ص: 261

وهذا كله مروق عن دين الإسلام، ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه إلا خوفًا من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك، وتحذير الأمة منه، فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل

(1)

.

فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله الفعلية صفة المجيء والإتيان، وهي من الصفات التي ثبتت في كتاب الله العزيز وبأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ودرج علماء السلف على نقلها والإيمان بها وإقرارها وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه.

وقد ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الآيات التي دلّت على هذه الصفة.

كما بيّن رحمه الله تعالى أيضًا في كلامه السابق أن تعطيل الصفات

= المعتزلة ونحوهم من المتكلمين

وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبي إسحاق الإسفرائيني

إلى أن قال رحمه الله: "فلا مجاز في القرآن بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين، وليس النزاع فيه لفظيًا، بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا

".

الإيمان (ص 84) وما بعدها، وانظر: رسالة في الحقيقة والمجاز لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى (20/ 400 - 499) ورسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للعلامة محمد الأمين الشنقيطي.

(1)

فتح الباري (5/ 96 - 98).

ص: 262

وتشبيهًا بصفات المخلوقين من فعل أهل الضلال والزيغ الذين ضلوا عن الطريق المستقيم، نسأل الله السلامة والعافية.

خامسًا: صفة النزول إلى السماء الدنيا:

المقصود بصفة النزول هو إثبات أن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، كما ورد ذلك في الأخبار، فالواجب إثبات ذلك على حقيقته من غير تحريف ولا تكييف.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن قرب الله سبحانه وتعالى من عباده "وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه نوع من قرب الرب من داعيه وسائليه، ومستغفريه وقد سئل عنه حمّاد بن زيد

(1)

فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين وقال حنبل: سألت أبا عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا مالك ولهذا، امض الحديث على ما روى بلا كيف ولا حدّ إلا ما جاءت به الآثار وجاء به الكتاب قال الله تعالى:{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ}

(2)

ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته أحاط بكل شيء

(1)

حماد بن زيد بن درهم الأزدي الحافظ الثبت، قال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد، وقال الإمام أحمد فيه: حماد بن زيد من أئمة المسلمين، توفي سنة 179 هـ.

سير أعلام النبلاء (7/ 456) والبداية والنهاية (10/ 198).

(2)

سورة النحل آية (74).

ص: 263

علمًا، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب عز وجل.

ومراده أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله، فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه"

(1)

.

فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن صفة النزول من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وحكمته والتي يجب إثباتها لله تبارك وتعالى وأن نزوله سبحانه وتعالى نزولًا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل كما هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

وقد وردت أحاديث كثيرة في إثبات صفة النزول لله تعالى منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) " رواه البخاري ومسلم

(2)

.

ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول (ما أراد هؤلاء) " رواه مسلم

(3)

.

(1)

فتح الباري شرح البخاري ورقة (2/ 334).

(2)

تقدم تخريجه (ص 216).

(3)

أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (2/ 983).

ص: 264

قال الآجري

(1)

رحمه الله تعالى: باب الإيمان والتصديق بأن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، ثم قال: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار، هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث يحذرونه ويحذرون منه

(2)

.

وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عند ذكره لأحاديث النزول نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل، والله جلّ وعلّا لم يترك، ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جلّ وعلّا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل

(3)

.

(1)

أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، قال الذهبي: كان عالمًا عاملًا صاحب سنة واتباع، له مصنفات كثيرة منها: كتاب الشريعة وأخلاق العلماء، توفي سنة 360 هـ.

تاريخ بغداد (2/ 243) وتذكرة الحفاظ (3/ 936).

(2)

الشريعة للآجري (ص 306).

(3)

التوحيد لابن خزيمة (1/ 289، 290).

ص: 265

فالسلف يؤمنون بنزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ويثبتونه إثباتًا يليق بجلاله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ويصدقون الأحاديث التي وردت في ذلك، والتي بلغت حدّ التواتر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالًا وباطلًا، وهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بها دائمًا ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة

(1)

.

وهنا سؤال: وهو أنه إذا أثبتنا لله تعالى نزوله حقيقة فهل يخلو منه العوش أو لا يخلو؟ .

الصواب ما عليه السلف الصالح رحمهم الله في هذا من أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع نزوله إلى السماء الدنيا، لأن نزوله سبحانه وتعالى ليس كنزول المخلوقين بل هو منزه عن ذلك تبارك وتعالى.

وهذا هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا السؤال حيث ذكر الأقوال في هذه المسألة ورجح الثالث منها فقال: والقول الثالث -وهو الصواب- وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة

(2)

.

(1)

مختصر الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (2/ 221).

(2)

شرح حديث النزول (66) ومجموع الفتاوى (5/ 396، 415).

ص: 266