الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع الجنة ونعيمها
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين الأبرار المشتملة على أصناف النعيم والبهجة والسرور، والحور، والقصور، وكل ما لذ وطاب.
(1)
.
(2)
(3)
.
ولقد رغب الله سبحانه وتعالى في الجنة وحث المؤمنين على العمل
(1)
سورة الدخان الآيات (51 - 57).
(2)
سورة محمد آية (15).
(3)
سورة الحجر آية (45 - 48).
(1)
.
(2)
.
وأما الأحاديث الدالة على نعيم الجنة وما فيها من الفضل العظيم فكثيرة جدًا منها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)
(3)
قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)}
(4)
.
ومنها حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس"
(5)
.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الجنة وما أعد الله فيها
(1)
سورة الحديد آية (21).
(2)
سورة آل عمران آية (133).
(3)
أخرجه البخاري: كتاب التفسير (6/ 21) ومسلم: كتاب التفسير، باب في قوله تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (4/ 2174).
(4)
سورة السجدة آية (17).
(5)
أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب في صفات أهل الجنة (4/ 2180).
لأوليائه وذكر كثيرًا من الأحاديث الدالة على أوصاف نعيمها ومنها قوله: "وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه سأل موسى ربه قال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة فيقول: يا رب كيف، وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت يا رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترَ عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر"
(1)
…
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها، عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولا يهرم شبابها ولا يتغير حسنها وأحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)
(3)
…
"
(4)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: "قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
(5)
، الجنة ضيافة الله أعدها
(1)
صحيح مسلم: كتاب الإيمان (1/ 176).
(2)
لطائف المعارف (ص 22، 23).
(3)
سورة يونس آية (10).
(4)
سورة يونس آية (25).
(5)
لطائف المعارف (ص 28).
للمؤمنين نزلًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنة، وأكل من تلك الضيافة ومن لم يجب حرم"
(1)
.
نسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقد حث ابن رجب رحمه تعالى على سلوك الصراط المستقيم والاجتهاد في الأعمال والأسباب الموصلة إلى الجنة ونعيمها وإلى مرضاة الله ومغفرته ورحمته سبحانه وتعالى فقال: "يتعين على العبد المؤمن الطالب للنجاة من النار ولدخول الجنة، وللقرب من مولاه والنظر إليه في دار كرامته أن يطلب ذلك بالأسباب الموصلة إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته، فبها ينال ما عند الله من الكرامة، إذ الله سبحانه وتعالى قد جعل للوصول إلى ذلك أسبابًا من الأعمال التي جعلها موصلة إليه، وليس ذلك موجودًا إلا فيما شرعه الله لعباده على لسان رسوله، وأخبر عنه رسوله أنه يقرب إلى الله، ويوجب رضوانه ومغفرته، وأنه مما يحبه الله، أو أنه من أحب الأعمال إلى الله عز وجل فقد قال تعالى:{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}
(2)
، وقال تعالى:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}
(3)
، فالواجب على العبد البحث عن خصال التقوى وخصال الإحسان التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والتقرب بذلك إلى الله عز وجل، فإنه لا طريق للعبد يوصله إلى رضى مولاه وقربه ورحمته وعفوه ومغفرته سوى ذلك
(4)
.
(1)
لطائف المعارف (ص 306).
(2)
سورة الأعراف آية (56).
(3)
سورة الأعراف آية (156).
(4)
المحجة في سير الدلجة (ص 44 - 45).
كما بيّن رحمه الله تعالى بعض أوصاف أهل الجنة فقال رحمه الله تعالى: "وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال
…
"
(1)
ففي هذا الحديث جعل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجنة ثلاثة أصناف:
أحدهم: ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل.
والثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عمومًا، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.
والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لاسيما مع الحاجة.
وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى ولو كان الأذى بحق فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}
(2)
.
فهذا حال معاملتهم للخلق، ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}
(3)
.
(1)
صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/ 2198).
(2)
سورة آل عمران آية (133، 134).
(3)
سورة آل عمران آية (135 - 136).
فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح.
(1)
.
والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار، فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق إما بعتق الرقبة وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولابد مع الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والأمر لغيره بالعدل والإحسان وهو التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة"
(2)
.
(1)
سورة البلد آية (11 - 18).
(2)
التخويف من النار (ص 277، 278).