الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
50 - ومنها: أن يحمله حب الدنيا والعيش فيها على ترك المعروف والنهي عن المنكر
.
وهذا حال العلماء الآن إلا من وفقه الله تعالى، وقليل ما هم.
روى الأصبهاني في "ترغيبه" عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَظْهَرْ فِيكُمْ سَكْرَتانِ: الْجَهْلُ، وَحُبُّ العَيْشِ، وَأَنَتُمْ تأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَسَتُحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ إِذا ظَهَرَ فِيكُمْ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا تَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلا تَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ، وَلا تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَالقائِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِالكِتابِ وَالسُّنَّةِ كَالسَّابِقينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالأَنْصار"(1).
*
تَنْبِيهٌ:
مما يجري مجرى الأمثال قول عمرو بن كلثوم التغلبي: [من الوافر]
أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنا
…
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجاهِلِينا (2)
وهذا إنما يستحسن إذا كان على وجه المشاكلة والمقابلة ممن يظلم
(1) رواه البزار في "المسند"(2631). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 271): رواه البزار، وفيه الحسن بن بشر، وثقه أبو حاتم وغيره، وفيه ضعف.
(2)
انظر: "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي (ص: 60).
فينتصر من بعد ظلمه من غير مجاوزة إلى ما يمنع شرعاً كما قال الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].
والقصاص في نفسه ليس بعدوان، وإنما أطلق عليه اسم الاعتداء على وجه المشاكلة كما قالوا في قوله تعالى:{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 54].
وفي قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116].
وإطلاق الجهل على الانتصار مجاز، وليس بجهل حقيقة.
وفي مثل ذلك ما في "المجالسة" للدينوري قال: ثنا أحمد بن علي المروزي قال: أنشدني المازني لبعضهم: [من الطويل]
لَئِنْ كُنْتُ مُحْتاجاً إِلى الْحِلْمِ إِنَّنِي
…
إِلَى الْجَهْلِ فِي بَعْضِ الأَحايِينِ أَحْوَجُ
فَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ
…
وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجُ
فَمَنْ شاءَ تَقْوِيْمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ
…
وَمَنْ شاءَ تَعْوِيْجِي فَإِنِّي مُعَوَّجُ
وَما كُنْتُ أَرْضى الْجَهْلَ خِدْناً وَلا أَخاً
…
وَلَكِنَّنِي أَرْضَى بِهِ حِينَ أُحْوَجُ
أَلا رُبَّما ضاقَ الفَضاءُ بِأَهْلِه
…
وَأَمْكَنَ مِنْ بَيْنِ الأَسِنَّةِ مَخْرَجُ
وَإِنْ قالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ سَماجَةً
…
فَقَدْ صَدَقُوا وَالذُّلُّ بِالْحُرِّ أَسْمَجُ (1)
وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: [من الطويل]
إِذا أَمِنَ الْجُهَّالُ جَهْلَكَ مَرَّةً
…
فَعِرْضُكَ لِلْجُهَّالِ غُنْمٌ مِنَ الْغُنْمِ
فَعَمِّ عَلَيْهِ الْحِلْمَ وَالْجَهْلَ وَالْقَهُ
…
بِمَنْزِلَة بَيْنَ العَداوَةِ وَالسَّلْمِ
إِذا أَنْتَ جازَيْتَ الْمُسِيْءَ كَما جَرَى
…
فَأَنْتَ سَفِيهٌ مِثْلُهُ غَيْرُ ذِي حِلْمِ
فَلا تُفْضِيَنَّ (2) عِرْضَ السَّفِيهَ وَدارَهُ
…
بِحِلْمٍ وَإِنْ أَعْيَى عَلَيْكَ فَبِالصَّرْمِ
فَيَرْجُوكَ تاراتٍ وَيخْشاكَ مَرَّةً
…
وَتَأْخُذُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ بِالْحَزْمِ
(1) انظر: "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: 138).
(2)
في مصدر التخريج: "تغضبن" بدل "تفضين".