الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَاتِمَةٌ لِهَذَا القِسْمِ
لا يدخل في جميع ما ذكرناه من أول هذا القسم؛ أي: من التشبه المذموم إلى ما هنا، شبه الصالح بالطالح في خلقته، أو صورته، أو حِليته، أو في اسمه، ونحو ذلك، فلا يضر المؤمن إذا كان أعور شبه الشيطان أو الدجال في كونه أعور العور الصوري، وإنما يضره العَوَر القلبي كالعمى القلبي كما قيل فيمن أثبت الشريعة وأنكر الحقيقة، أو عكس أنه أعور بإحدى عينيه، فمتى كان الاعتقاد صحيحاً والعمل صالحاً فلا يضر صاحبهما كونه يشبه كافراً في الصورة، أو في اللون، أو عجمة اللسان، أو فصاحته، أو القصر أو الطول، أو في الشحم أو الهزال، أو في الاسم أو في الكنية.
وقد وقعت الإشارة إلى ذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: "يا أَكْثَمُ! عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لحي بْنِ قمعةَ بْنِ حنيفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَما رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ وَلا مِنْهُ بِكَ".
فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا؛ إِنَّكَ مُؤْمِن وَهُوَ كافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْراهِيمَ عليه السلام، وَبَحَرَ البَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَحَمَى الحامِي"(1).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه: "فَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، وَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لحيٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَأَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَكْثَمٍ الْخُزاعِيُّ".
فقال معبد: يا رسول الله! أتخشى عليَّ من شبهه؟
فقال: "لا؛ أَنْتَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأَصْنامِ"(2).
واعلم أن من تمام النعمة وكمال المئة حسن الصورة واعتدال الخِلقة؛ فإن الله تعالى امتن علينا بذلك فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)} [التين: 4].
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35740)، والحاكم في "المستدرك"(8789)، وكذا البزار في "المسند"(8991)، وابن حبان في "صحيحه"(7490).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 137)، والحاكم في "المستدرك" (8788). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 88): فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه ضعف، وقد وثق.
وقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3].
وروى مسلم، والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمالَ"(1).
وروى الإمام أحمد عن أبي ريحانة، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة، وفي "الأوسط" عن جابر، وهو والحاكم وصححه، عن ابن عمر، وابن عساكر عنهما، وأبو يعلى عن أبي سعيد.
وأخرج البيهقي حديثه وزاد فيه: "وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّباؤُسَ"(2).
وروى ابن لال عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ فِي الرَّبْعَةِ"(3).
ووجهه: أن الربعة معتدل بين القصير والطويل، واعتدال الْخَلْق يتبعه اعتدال الْخُلُق غالباً، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم رَبْعة من الرجال.
ولو قلنا: إنه هو المراد بالربعة في الحديث لم يبعد، وقد تقدم هذا المعنى في التشبه بالصالحين.
وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ آتاهُ اللهُ وَجْهاً حَسَناً، وَاسْماً حَسَناً، وَجَعَلَهُ
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه كله، إلا حديث أبي ريحانة رضي الله عنه رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 133).
(3)
كذا عزاه السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ص: 580) إلى ابن لال.
اللهُ فِي مَوْضعٍ غَيْرِ شائِنٍ لَهُ، فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ".
قال ابن عباس: قال الشاعر: [من الخفيف]
أَنْتَ شَرْطُ النَّبِيِّ إِذْ قالَ يَوْماً
…
اطْلُبُوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الْوجُوهِ (1)
وهذه النعمة تقتضي شكراً، فإذا كَفَرها العبد فقد كان عَدَمُها خير له لو عدمها، فهي إذاً ليست بنعمة عليه، ولا يكون حينئذ من صفوة الله المشار إليهم في حديث ابن عباس؛ فإنه ليس في موضع غير شائن له، وهو موضع المعصية وكفران النعمة.
قد وقع بيان ذلك فيما رواه أبو نعيم عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: من كان ذا سورة حسنة في موضع لا يشينه، ووسَّع عليه رزقه، ثم تواضع لله، كان من خالصة الله.
وفي رواية: من حسن الله صورته، وأحسن رزقه، وجعله في منصب صالح، ثم تواضع لله، فهو من خالص الله (2).
وروى ابن أبي شيبة عن رجل من جهينة رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خَيْرُ ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَشَر ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوءٍ فِي صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ"(3).
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3543) وقال: في هذا الأسناد ضعف، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط"(4506).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 250).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(25331)، وكذا أبو نعيم في "معرفة الصحابة"(6/ 3104).
وفيه إشارة إلى أن من انطوى قلبه على السوء وصورته حسنة أقبحُ حالةً، وشرٌّ مكاناً ممن قلبه كذلك وصورته قبيحة؛ لأن صاحب الصورة الحسنة كفر نعمة لم يعطها صاحب الصورة القبيحة؛ فافهم! وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق"، وأبو العباس الدغولي في "الآداب" عن جرير رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إِنَّك امْرُؤٌ قَدْ أَحْسَنَ اللهُ خَلْقَكَ فَأْحِسْن خُلُقَكَ"(1)؛ أي: تحمل نفسك على حسن الخلق؛ فإن التخلُّق قد يأتي بالخُلق، وإلا فإن حسن الخلق لا يكون إلا من الله تعالى ومعونته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِيَ فَحَسِّنْ خُلُقِي". رواه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها، وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مسعود (2).
ومعنى قوله: "فَحَسِّنْ خُلُقِي"؛ أي: زده حُسْناً.
أو: زدني من الأخلاق الحسنة.
أو: احفظ عليَّ حُسن خلقي؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كما قال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: كان أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً. رواه الخرائطي، والبيهقي بإسناد حسن (3).
وفي "صحيح مسلم"، و"شمائل الترمذي" عن أبي الطفيل رضي
(1) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 27).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 68) عن عائشة رضي الله عنها.
وحسن العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 603).
وابن حبان في "صحيحه"(959) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(3)
رواه البيهقي في "دلائل النبوة"(1/ 250)، وكذا البخاري (3356).
الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مليحاً، مقصداً (1).
أي: معتدلاً، لا طويلاً ولا قصيراً، ولا جسيماً ولا هزيلاً.
فإن قلت: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَباهُ"؟
أخرجه الحاكم في "مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه" عن أنس رضي الله تعالى عنه (2).
قلت: هو على وجهين:
الأول: معناه أن يشبه في الصورة والخلقة لئلا يُطْعن في نسبه، ولئلا تُرمى أمه.
والثاني: أن يشبه أباه فيما به السعادة من الإيمان، والأخلاق الحسنة، والمكارم كما قال الشاعر:[من الرجز]
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ
…
وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَما ظَلَمْ (3)
(1) رواه مسلم (2340)، والترمذي في "الشمائل المحمدية" (ص: 41).
(2)
وراواه القضاعي في "مسند الشهاب"(299)، والديلمي في "مسند الفردوس"(6012).
(3)
جاء في نهاية الجزء السادس من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ": "تم الجزء، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
في نهار الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة 1041.