الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى الاعتدال، وإيذانا بأنه يفعل ما يريد، وهو الولي الحميد، والغني المجيد.
2 - ومنها: أن يكون الإنسان من حملة العلم الشريف
، ولا ينتفع بعلمه أو يجتهد في تحصيل الكتب العلمية، ويغالي في أثمانها، ويرفع في سومها، ويزاحم العلماء في اقتنائها، وهو جاهل بما فيها.
قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].
قال القرطبي: في هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه، ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء، انتهى (1).
قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: إن الحمار لا يدري سفر على ظهره، أو زبل (2).
وقال الشاعر: [من البسيط]
إِنَّ الرُّواةَ عَلى جَهْلِ بِما حَمَلُوا
…
مِثْلُ الْحَمِيرِ عَلَيْها يُحْمَلُ الوَدعُ
(1) انظر: "تفسير القرطبي"(18/ 94).
(2)
انظر: "تفسير القرطبي"(18/ 94).
لا الوَدع يَنْفَعُهُ حَمْلُ الْحِمارِ لَهُ
…
وَلا الْحِمارُ بِحَمْلِ الوَدع يَنْتَفِعُ (1)
وقال آخر: [من الطويل]
زَوامِلُ للأَسْفارِ لا عِلْمَ عِنْدَهُمُ
…
يَفِيدُونَهُ إِلَاّ كَعِلْمِ الأَباعِرِ
لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي البَعِيرُ إِذا غَدا
…
بِأَوْساقِهِ أَوْ راحَ ما فِي الغَرائِر
وروى عبد الكريم بن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" عن مطر الوراق رحمه الله تعالى قال: إذا سألت العالم عن مسألة فحك رأسه، فاعلم أن الحمار قد بلغ القنطرة (2).
ومعناه: أن السؤال يميز بين العالمين والجهال، كما أن الخيل والبغال والحمير تتساوى في المسير ما دامت السهول، فإذا بلغت القناطر والمصاعد ظهرت نهضة الفرس والبغل، وعَيُّ الحمار.
وقلت في المعنى: [من الرجز]
إِذا سَأَلْتَ مُتَعَمِّماً فَحَكّْ
…
بِرَأْسِهِ أَوْ خَلْفَ أُذْنِهِ دَلَك
(1) البيتان لعمر الكلبي، كما في "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (2/ 131).
(2)
ورواه ابن الجوزي في "أخبار الظراف والمتماجنين"(ص: 80).
كانَ كَأنَّهُ حِمارٌ بَلَغَ الـ
…
ـمَصْعَدَ فَانْحَطَّ وَقَدْ كانَ سَلَكْ
يا خَجْلَةَ الْجاهِلِ حِينَ يُبْتَلَى
…
بِسائِلٍ يَكْسِفُ مِنْهُ ما مَلَكْ
وروى أبو نعيم عن أحمد بن حميد المروزي قال: قيل لعبد الله ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنَّ إسماعيل بن عُلية قد ولي الصدقات، فكتب إليه: يا جاعِلَ العِلْمِ لَهُ بازِياً
…
الأبيات الآتية.
وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن عبد الله بن محمد الضبي قال: كنا عند عبد الله بن المبارك، وأخبر أن ابن علية ولي على الصدقات، فكتب إليه:[من السريع]
يا جاعِلَ العِلْمِ لَهُ بازِياً
…
يَصْطادُ أَمْوالَ الْمَساكِينِ
احْتَلْتَ لِلدُّنْيا وَلَذَّاتِها
…
بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ
فَصِرْتَ مَجْنُوناً بِها بَعْدَما
…
كُنْتَ دَواءً لِلْمَجانِينِ
أَيْنَ رِواياتُكَ فِي سَرْدِها
…
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرينِ
أَيْنَ رِواياتُكَ فِيما مَضى
…
لِتَرْكِ أَمْوالِ السَّلاطِينِ
إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَماذا كَذا
…
زَلَّ حِمارُ العِلْمِ فِي الطِّينِ
قال: فلما رآها ابن علية بكى، واستعفى؛ يعني: من الولاية (1).
وتقدمت هذه القصة من طريق آخر على وجه آخر في التشبه بأهل الكتاب.
وحُدِّثت عن شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى: أنه كان يحكي أن بعض الطلبة بمصر كان يقال له: حمار الروضة؛ لأنه كان يحفظ كتاب الروضة عن ظهر قلب، ولا يكاد يفهم مسائلها، فإذا احتاجت الطلبة محلًّا منها وهو حاضر قيل له: اقرأ من موضع كذا، ومن باب كذا، فيقرأ حتى يقال له: قف، فيقطع القراءة.
وفي تسميته حمار الروضة تورية لطيفة بروضة المقياس؛ لأنها تخصب في وقت الخصب، فتكون أوفق لدواب الأرض مرعىً، وأخصبً لها خلًّا.
ومن لطائف ابن الدهان النحوي: [من المجتث]
(1) رواه ابن حبان في "روضة العقلاء"(ص: 37).