الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويندم آخراً، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغضب، وكون النهي عنه حسماً لهذه المواد كما رواه أبو داود، وغيره (1).
وهذه فوائد وتتمات لهذا الباب:
الأُولَى: ينبغي التحرز عن مجالسة المجانين والحمقى، ومسايرتهم لما قررناه من أن الطباع تسرق، وللمجالسة تأثير.
روى أبو نعيم عن عبد الله بن طاوس رحمهما الله تعالى: قال لي أبي: يا بني! صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله (2).
وقال شعبة: عقولنا قليلة، فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلاً منا ذهب ذلك القليل، واني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلاً منه فأمقته. نقله ابن الجوزي، وغيره (3).
وفي حديث أبي المجبر رضي الله عنه: "أَرْبَعُ خِصالٍ مُفْسِدَة لِلْقَلْبِ؛ مُجاراةُ
(1) روى أبو داود (4784) عن عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 13).
(3)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 37)، ورواه ابن حبان في "روضة العقلاء" (ص: 24).
الأَحْمَقِ، وإنْ جاريتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ" الحديث؛ وسبق (1).
وقال مسكين الدارمي في أبياته السابقة [من الرمل]:
اتَّقِ الأَحْمَقَ لا تَصْحَبَه
…
إِنَّما الأَحْمَقُ كَالثَّوْبِ الْخَلَقْ
وإِذا جالَسْتَهُ فِي مَجْلِسٍ
…
أَفْسَدَ الْمَجْلِسَ مِنْهُ بِالْخَرَقْ
الثَّانِيَةُ: كما لا ينبغي أن تجالس الأحمق لا ينبغي أن تتخذ منه صديقًا؛ وأولى.
روى ابن الجوزي عن عبد الله بن داود الحربي قال: كل صديق ليس له عقل فهو أشد عليك من عدوك (2).
قال: وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تؤاخ الأحمق؛ فإنه يشير عليك ويجهد نفسه فيخطئ، وربما يريد أن ينفعك فيضرك، وسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته (3).
ولصالح بن عبد القدوس [من الكامل]:
الْمَرْءُ يَجْمَعُ وَالزَّمانُ يُفرِّقُ
…
وَيَظَلُّ يَرْتعُ (4) وَالْخُطوبُ تُمَزِّقُ
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 37)، ورواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: 239).
(3)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 36)، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(9470).
(4)
في مصدر التخريج: "يرقع " بدل "برتع".
وَلأَنْ يُعادِي عاقِلاً خَيْرٌ لَهُ
…
مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقٌ أَحْمَقُ (1)
الثَّالِثة: لا ينبغي معاداة الأحمق أيضًا؛ فإنه كما لا ينفع صديقاً فهو أضر ما يكون عدواً، وإذا عاديته حمله الخَرَق على ما لا تطيق مقابلته بمثله، وسبق أن مجاراة الأحمق مفسدة للقلب.
روى ابن الجوزي عن سلمان بن موسى، وعن الأحنف بن قيس قالا: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وشريف من دنيء، وبر من فاجر (2).
ومن هنا لا يحسن من العاقل إلا الإعراض عن الأحمق لأن مجاراته تزري بمن يجاريه، وتفسد قلبه، ومعاتبته لا تفيد كما قال الأعمش فيما رواه ابن الجوزي عنه: معاتبة الأحمق نفخُ تليسه؛ أي: في عرامه، أو غفلته؛ من الليس - بالتحريك - وهو الشجاعة، أو الغفلة (3).
لبعض العرب [من مجزوء الرمل]:
إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبُغـ
…
ـضِ عَلى الْعَيْنِ عَلامَة
وَجَوابُ الأَحْمَقِ الصَّمـ
…
ـتُ وَفِي الصَّمْتِ السَّلامَة (4)
(1) انظر: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (9/ 303).
(2)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 36)، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(8460) عن الأحنف، و (8461) عن سليمان ابن موسى.
(3)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 37).
(4)
انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (1/ 549).
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سبق أن داء الحماقة لا دواء له.
وذكر ابن السبكي في "طبقاته" عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة: الحماقة، والطاعون، والهرم (1).
وهل يعارض هذا ما سبق عن الشافعي أنه قال: أربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم؛ فإن زيادة العقل نقصان في ضده من الحماقة، أم لا؟
قلت: لا معارضة؛ فإن العقل إنما يزيد حيث كان، ومن كان فيه قدر من الحمق فلا ينقصه ما زاد من العقل.
أو نقول: إن ما يزيد من العقل ينقص بقدره من الرُّعونة؛ فإنها تحدث من مخالطة ضعفاء العقول على ما تقدم عن بعضهم، فتزول بالأسباب التي تزيد في العقل كالأمور المذكورة في كلام الشافعي، لا من الحماقة التي هي غريزة.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن يحيي بن خالد قال: شيئان يُورثان العقل؛ التين اليابس إذا أكل، ودخان اللبان إذا بخر به (2).
والذي جرى عليه صاحب "الموجز"، وغيره من الأطباء: أن الرعونة والحمق نقصان في الفكر، أو بطلان ناشئ عن برد ساذج
(1) انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (2/ 71).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم "(ص: 402).
أو مادي، أو يبس، أو عنهما معاً، وأنه ينفع العلاج منهما والمداواة.
ويؤيده ما صح في الأحاديث: "إِنَّ لِكُلِّ داءٍ دَواءً إِلَاّ السَّام"(1).
وعليه: فمن قال: إنه لا دواء للحكماء، فإنما أراد بذلك التعبير عن عسر زوالها على وجه المبالغة حتى جعل متعذراً، أو غير ممكن.
وروى الدينوري عن ابن قتيبة أن الحكماء قالوا: سبعة أشياء تفسد العقل: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار، وكثرة النظر في المرآة، والاستفراغ في الضحك، ودوام النظر في البحر (2).
ولأبي العتاهية [من الرجز]:
إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغ وَالْجِدَة
…
مَفْسَدَةٌ لِلْعَقْلِ أَيَّ مَفْسَدَة (3)
وروى ابن أبي شيبة - بإسناد صحيح - عن خَوَّات بن جُبير - وكان بدرياً - رضي الله تعالى عنه أنه قال: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق (4).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو بمعناه، إلا أنه
(1) رواه أبو داود (3855)، والترمذي (2038) وصححه، وابن ماجه (3436)، وابن حبان في "الصحيح"(6064)، عن أسامة بن شريك صلى الله عليه وسلم.
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 403).
(3)
انظر: "الأغاني" للأصبهاني (4/ 40).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(26677)، وكذا البخاري في "الأدب المفرد"(1242).
فسر نوم الحمق بالنوم عند حضور الصلاة (1).
وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رضي الله تعالى عنه: أنه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: يُخاف على صاحبه من الوسواس (2).
وقال الشاعر [من الطويل]:
أَلا إِنَّ نوماتِ الضُّحَى تُوْرِثُ الفَتَى
…
خَبالاً وَنَوْماتِ العُصَيْرِ جُنونُ (3)
الفائِدَةُ الْخامِسَةٌ: روى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى قال: ما عُبِدَ الله بشيء أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال:
- حتى يكون الكبر منه مأموناً.
- والرشد فيه مأمولاً.
- يرضى من الدنيا بالقوت.
- وما كان من فضل فمبذول.
- والتواضع فيها أحب إليه من الشرف.
- والذل فيها أحب إليه من العز.
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان "(4738).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(26678).
(3)
انظر: "ربيع الأبرار" للزمخشري (1/ 476).
- لا يسأم من طلب العلم دهرَه.
- ولا يتبرم من طالب الخير.
- يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه.
- والعاشرة، وهي ملاك أمره، بها ينال مجده، وربما يعلوه ذكره، وبها علا في الدرجات في الدراين كليهما.
قيل: وما هي؟
قال: أن يرى جميع الناس خيراً منه وأفضل، وآخر شراً منه وأرذل، فإذا رأى الذي هو خير منه وأفضل كره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإذا رأى الذي هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك، ولعل لهذا باطناً لم يظهر لي، وذلك خير له، وترى ظاهراً، ولعل ذلك شر لي.
فهنالك كمل عقله، وساد أهل زمانه، وكان من السباق إلى رحمة الله وجنته إن شاء الله تعالى (1).
الفائِدَةُ السَّادِسَةُ: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أخيه يزيد قال: لقيت وهب بن منبه في الموسم فقال لي: ألك عهد بالحسن بن أبي الحسن؟ يعني: البصري؟
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 40).
فقلت: نعم.
قال: هل أنكرتم من عقله شيئًا؟
فقلت: لا.
فقال وهب: إنا لنتحدث، أو قال: لنجد في الكتب أنه ما أوتي عبد علما، فسلكه في سبيل هدى، فيسلبه الله عز وجل عقله (1).
قلت: قد يستأنس لذلك بقوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6]؛ فقد جاء في تفسير: {أَسْفَلَ سَافِلِين} أنه الْخَرَف.
ولا شك أن العلماء العاملين هم خيار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلا يخرفون، ولا تختلط عقولهم وإن طَعَنوا في السن.
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي عبد الله الشامي قال: استأذنت على طاوس لأسأله عن مسألة، فخرج عَلَيَّ شيخٌ كبير، وظننت أنه طاوس، فقلت له: أنت طاوس؟
قال: لا، أنا ابنه.
فقلت: إن كنت ابنه فقد خَرِف أبوك.
قال: تقول ذاك؟ إن العالم لا يخرف، وذكر الحديث (2).
(1) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"(ص: 268).
(2)
انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (13/ 361)، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35695).
الفائِدَةُ السَّابِعَةُ: روى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كم لبث نوح عليه السلام في قومه؟
قلت: ألف سنة إلا خمسين عاماً.
قال: كان من كان قبلكم كانوا أطول أعماراً، ثم لم يزل الناس ينقصون في الأخلاق والآجال، والأحلام، والأجسام إلى يومهم هذا (1).
قلت: وكلام ابن عمر يفهم أن الناس كلما تأخرت أزمنتهم نقصوا فيما ذكر، وهو كذلك كما هو محسوس مشاهدة فإنا شاهدنا أناساً كانوا أحسن خلقاً، وأطول عمراً، وأتم عقلاً وحلماً، وكلما تأخر الزمان غلب على أهله سوء الأخلاق، وسخافة العقول، وسفاهة الأحلام، وبشاعة الصور، وقلة البهاء، وصغر الجثث، وانمحقت أعمارهم، وذهبت البركة من أوقاتهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون! وروى ابن أبي الدنيا في "العقل " عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يأتي على الناس زمان تنزع فيه عقول الناس حتى لا تَكاد ترى عاقلاً (2).
(1) ورواه نعيم بن حماد في "الفتن"(2/ 753)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 456).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله"(ص: 56)، وعنده:"اعقلوا".
قلت: وفي هذا الزمان تكون الدولة للحمقى كما سبق في الأثر.
وروى ابن أبي الدنيا أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: اعقل؛ فلا إِخال العقل إلا قد رفع (1).
هذا قول أبي أمامة عن زمانه، فكيف بزماننا؟
وروى السلمي في "طبقاته" عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، ويأتي عليهم زمان تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس (2).
وروى أبو نعيم عن زبيد اليامي - ويقال: الأيامي - رحمه الله تعالى قال: سئل عيسى بن مريم عليهما السلام عن أشراط الساعة.
قال: من أشراطها: إذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخف الناس أحلاماً، وأقربهم من الله.
قالوا: يا نبي الله! وما خفة أحلامهم، وقربهم من الله؟
قال: أما خفة أحلامهم فإن أحدهم يلعن البهيمة، وأما قربهم من الله فإن خوان أحدهم يوضع فما يرفع حتى يغفر له لقوله: بسم الله والحمد لله (3).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المعتمر بن سليمان، عن
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله"(ص: 56).
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 46).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 32).
أبيه رحمهما الله تعالى قال: يأتي على الناس زمان لا يفهمون فيه الكلام (1).
وروى أبو نعيم عن أبي الجلد قال: والذي نفسي بيده ليكونن في آخر الزمان مُخْصِبة ألسنتهم، مُجْدِبة قلوبهم، قصيرة أحلامهم، رقيقة أخلاقهم، يتكافى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، [يتعلمون قول الزور لوناً غير لون](2)، فإذا فعلوا فانتظروا النكال من السماء (3).
وذلك لا يقال رأياً.
الفائِدَةُ الثَّامِنَةُ: مما يتعلق بكون الدولة في آخر الزمان للحمقى ولايةُ الوليد بن عقبة للكوفة، وكان مدمناً فصلى بهم الصبح أربعاً (4).
وحديثه مشهور، وهو الذي نزلت فيه هذه الآية:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] كما اتفق عليه المفسرون (5).
فذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": أن عثمان رضي الله تعالى عنه ولاه الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه - وهو من الأمور التي انتقدها أعداء عئمان رضي الله تعالى عنه عليه -
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 84).
(2)
بياض في "أ" و"ت".
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 58).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 144) عن الحارث بن وعلة.
(5)
انظر: "تفسير الطبري"(26/ 123)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(10/ 3353).
فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد رضي الله تعالى عنه: والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟
فقال: لا تجزعن أبا إسحاق؛ فإنما هو الْمُلك يتغدَّاه قوم ويتعشَّاه آخرون.
فقال سعد رضي الله تعالى عنه: أراكم والله ستجعلونها ملكاً.
قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لما قدم الوليد بن عقبة أميراً على الكوفة أتاه ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما جاء بك؟
قال: جئت أميراً.
فقال: ابن مسعود رضي الله عنه: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟ (1).
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ذكر حجة الإسلام في "الإحياء": أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يتمثل ويقول: [من البسيط]
يا أَهْلَ لَذَّاتِ دُنْيا لا بَقاءَ لَها
…
إِنَّ اغْتِراراً بِظِلًّ زائِلٍ حُمْقُ (2)
ولمَّا ذُكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله تعالى أنشد: [من الكامل]
أَحْلامُ نَوْم أَوْ كَظِلِّ زائِلٍ
…
إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ (3)
(1) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1554).
(2)
انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (3/ 214)، ورواه ابن أبي الدنيا في "الزهد"(1/ 25).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "الزهد"(1/ 24).
وقريب منه قول المتنبي: [من الكامل]
فَالْمَوْتُ آتٍ وَالنفُوسُ نَفائِسٌ
…
وَالْمُسْتَغِرُّ بِما لَدَيْهِ الأَحْمَقُ
وقلت في المعنى [من الرجز]:
إِنَّ الَّذِي أَصْبَحَ مِنْ دنْيـ
…
ـاه مَعْ غُرورِها عَلى ثِقَة
مَعْ كَوْنِهِ أَخْرَقَ مِنْ حَما
…
مَةٍ أَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقَة
فإن العرب يضربون المثل بالحمامة في الخرق والحمق: أخرق من حمامة وأحمق لأنها لا تحكم عُشَّها، فإذا هبت الريح كان ما يكسر منه أكثر مما يسلم (1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى: أن المسيح عليه السلام كان يقول لأصحابه: إن استطعتم أن تكونوا بلهاء في مثل الحمام فافعلوا.
قال: وكان يقال: ليس شيء أبله من الحمام؛ إنك تأخذ فرخيه من تحته فتذبحهما، ثم يعود إلى مكانه فيفرخ فيه (2).
وأما هبنقة: فهو ذو الودعات يزيد بن ثروان، ويقال: ابن مروان [أحد بني قيس بن](3) ثعبلة، فإنما ضرب به المثل في الحمق، فقيل: أحمق من هبنقة ومن ذي الودعات؛ لأنه جعل في عنقه قلادة من ودع
(1) انظر: "مجمع الأمثال" للميداني (1/ 255).
(2)
ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 239).
(3)
بياض في "أ" و"ت".
وعظام، وخرق مع طول لحيته، فسئل، فقال: لئلا أضل.
فسرقها أخوه في ليلة وتقلَّدها، فأصبح هبنقة، ورآها في عنق أخيه، فقال: أخي أنت أنا، فمن أنا؟
وأضل بعيراً، فقال: من وجده فهو له.
فقيل له: فلم تنشده؟
قال: فأين حلاوة الوجدان (1)؟
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: روى الدينوري في "المجالسة" قال: حدثنا أحمد بن خالد الآجري قال: سمعت ابن عائشة يقول: قيل لبعض الحكماء: ما كمال الحمق؟
قال: طلب منازل الأخيار بأعمال الأشرار، وبغض أهل الحق، وصحبة أهل الباطل.
قيل: فما علامة الجهل؟
قال: حب الغنى، وطول الأمل، وشدة الحرص.
قيل: فما علامة العمى؟
قال: الركون إلى من لا تأمن غشه، والمن مع الصدقة، والعبادة مع البخل (2).
قال: وقال ابن قتيبة: قرأت في كتب الهند: من الحمق التماس
(1) انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (1/ 385).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 283).
الرجل الإخوان بغير وفاء، وطلب الآخرة بالرياء والسمعة، ومودة النساء بالغِلْظة، وينفع نفسه بضر غيره، وطلب العلم والفضل بالدَّعَة (1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال لأصحابه: يا ابن آدم! إلى متى؟
يا أهلاه! غَدُّوني، يا أهلاه! عَشّوني، يوشك والله يغدى بك، يوشك والله يراح بك؛ إما هولاً أكلاً بلعاً بلعاً، وسرطاً سرطا أحمق، إنما تجمع مالك لامرأة تذهب إلى زوجها، أو لرجل يذهب بمالك إلى زوجته؛ فإن استطعت أن لا تكون آخر الثلاثة فافعل (2).
وقوله: أحمق: منادى حذف منه حرف النداء؛ أي: يا أحمق.
والمراد: أن من جمع المال ولم ينفقه في سبيل الله، أو فيما ينتفع به في الدارين خلَّفه لمن يتمتع به، ولا يشكر له يداً فيه، وتبقى عهدته عليه، عليه تبعته، ولغيره متعته.
ولنا في المعنى: [من البسيط]
حَمَق تُجَمِّعُ مالاً ثُمَّ تَتْرُكُه
…
لِزَوْجَةٍ أَمْتَعَتْهُ بَعْدَكَ الرَّجُلا
الفائِدَةُ الْحادِيَةَ عَشْرَةَ: روى الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 198).
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 274).
لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يرى الناس كأنهم حمقى في دينهم (1).
وبيانه: أن الناس الذين تراهم إما طائع وإما عاص، فالعاصي أحمق لأنه عبد ترك طاعة مولاه ولا غنى له عنه، ولا بد له منه، ولا قوام له إلا به.
والطائع إما مُراءٍ، وإما مخلص.
فالمرائي أحمق لأنه أراد بطاعته غير من هي له، فوضع الشيء في غير محله، وأعطى الحق لغير مستحقه.
والمخلص لا يخلو من تقصير وإن أفرغ جهده، والتقصير في حق من رزقه دائم عليه حمق؛ إذ كان ينبغي أن تكون طاعته له دائمة كما أن رزقه عليه دائم.
نعم، هذا الحمق أسهل هذه الأنواع كلها، وشره يذهب بالاعتراف والاستغفار كما قالت الملائكة عليهم السلام: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك (2).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ! لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَما أثنَيْتَ عَلى نفسِكَ"(3).
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَةُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ فِي اليَوْمِ
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 100).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
هذا الحديث مجموع حديثين؛ رواهما مسلم (484)، و (486) عن عائشة رضي الله عنها.
أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً" (1).
ومن لزم الطاعة، وداوم معها على الاستغفار سلم من هذه الحماقة لأنه اقتدى بأعقل الخلق صلى الله عليه وسلم.
وهل ما ذكرناه هنا هو معنى قول مطرف رضي الله عنه: ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه، غير أن بعض الحمق أهون من بعض؟ رواه ابن المبارك، وأحمد أيضاً (2).
ورواه أبو نعيم، ولفظه: لو حلفت لرجوت أني أَبَرُّ: أنه ليس أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين الله عز وجل (3).
وروى النقاش عن سعيد بن المسيب قال: تلا عمر رضي الله تعالى عنه هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)} [الانفطار: 6]؛ قال: الحمق يارب (4).
ونقل ابن الجوزي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: كلنا
(1) هذا الحديث مجموع حديثين: فقوله: "إنه ليغان على قلبي" رواه مسلم (2702) عن الأغر المزني رضي الله عنه، وتتمته "وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة".
أما تتمة حديث الأصل: "فأستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة" فرواه البخاري (5948) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 527)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 239).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 201).
(4)
وانظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 25).
أحمق في ذات الله عز وجل (1).
وقلت مقتبساً لكلام أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: [من الرمل]
كُلُّنا أَحْمَقُ فِي ذاتِ الإِلَهِ
…
لَوْ عَقِلْنا لَمْ نَحُمْ حَوْلَ الْمَناهِي
لَوْ عَقِلْنَا لأَطَعْنا ما نَرى ما
…
قَد أَطَعْنَا لا نُرائِي لا نبُاهِي
رُبَّما أَحْمَقُ كُلُّ النَّاسِ إِذْ هُمْ
…
بَيْنَ مَهْمُوم بِدُنْياهُ وَلاهِي
رُبَّ مَنْ جَمَّعَ دنْياهُ وَأَوْعى
…
ثُمَّ لَمْ يَبْقَ لَها كَلَاّ وَلا هِي
خُذْ مِنَ الدُّنْيَا كَفافًا ثُمَّ أَقْصِرْ
…
لا تَكُنْ بِاللهِ مِنْ أَهْلِ الْمَلاهِي
الفائِدةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذكر ابن الجوزي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش (2).
وعن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: خلق الله تعالى آدم عليه السلام أحمق، ولولا ذلك ما هنَّأه العيش (3).
وهو بمعنى قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب 72].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني: غِرًّا بأمر الله
(1) انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 25).
(2)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 25).
(3)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 25)، ورواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله" (ص: 73) عن سفيان الثوري قال: بلغني، وذكره.
تعالى. رواه المفسرون، وابن الأنباري في كتاب "الأضداد"(1).
وقال ابن جريح: ظلم نفسه في خطيئته، جهولاً بعاقبة ما تحمل.
رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري (2).
وقال مجاهد: ما كان بين أن تحمل الأمانة إلى أن خرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. رواه ابن أبي حاتم (3).
فمعنى الحمق والجهل الموصوف به الإنسان في الآية والأثر: هو اغتراره بما تتعلق به آماله من الخير، فعجل في ذلك الأمر، ولا يمعن لنفسه النظر في عاقبته، وذلك في طباع كل إنسان.
ومن هنا قيل: لا بد لكل عاقل من زلة.
بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حَكِيمَ إِلَاّ ذُو تَجْرِبَةٍ، وَلا حَلِيمَ إِلَاّ ذُو عَثْرَةٍ". رواه الحاكم من حديث دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (4).
(1) رواه الطبري في "التفسير"(22/ 57)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3159).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3159)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 669).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3160).
(4)
رواه الحاكم في "المستدرك"(7799)، وكذا الترمذي (2033) وقال: حسن غريب.
الفائدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي الدنيا في "العقل" عن أيوب ابن القرية أنه قال: الرجال ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، وفاجر، فالعاقل إن كلم أجاب، وإن سمع وعى، وإن عمل خشع.
والأحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذَهَلَ، وإن حمل على القبيح فعل.
والفاجر إن ائتمنته خانك، وإن حادثته شانك (1).
قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": وقد وصف بعض الأدباء العاقل بما فيه من الفضائل، والأحمق بما فيه من الرذائل، فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن الظلم قدره، فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله، إن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بالشكر، وإن أساء إليه مسيءٌ سبب له أسباب العذر، أو منحه الصفح والعفو.
والأحمق ضالٌّ مُضِلٌّ، إن أونس تكبر، وإن أوحش تكدر، وإن استنطق تخلف، وإن ترك تكلف، مجالسته مهنة، ومعاتبته محنة، ومجاورته تغر، وموالاته تضر، ومقارنته عمى، ومقاربته شقاء.
قال الماوردي: وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل.
قال: والأحمق يسيء إلى غيره ويظن أنه قد أحسن إليه، فيطالبه
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله"(ص: 47).
بالشكر، ويحسن إليه ويظن أنه قد أساء إليه، فيطالبه بالوتر، فمساوئ الأحمق لا تنقضي، وعيوبه لا تتناهى، ولا يقف النظر منها إلى غاية إلا لوحت بما وراءها مما هو أدنى منها، وأردى مما مر وأدهى، وفي أكثر العبر لمن نظر، وأنفعها لمن اعتبر.
قال: وقال الأحنف بن قيس: من كلٍّ يُحفَظ الأحمق إلا من نفسه، انتهى (1).
وروى ابن الجوزي عن ابن عائشة قال: قال جعفر بن محمد رحمهما الله تعالى: الأدب عند الأحمق كالماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد رِيًّا زاد مرارة (2).
وقلت: [من مجزوء الكامل]
فِعْلُ الْحَماقَةِ فِي الأَدَبْ
…
فِعْلُ الْمَرارَةِ فِي الضَّربْ
وَالْعَقْلُ يُصْلِحُ مِنْ ذَويـ
…
ـهِ فَسادَهَمُ وَيَقِي العَطَبْ
الفائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال داود عليه السلام: خطيئة الأحمق في نادي القوم كمثل الذي يتغنى عند رأس الميت (3).
(1) انظر: "أدب الدنيا والدين" للماوردي (ص: 16 - 17).
(2)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 23).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34261).
والمعنى أن الأحمق إذا وقعت منه الخطيئة تجاهر به حتى يضرب المثل به وبخطيئته، ويتضاحك القوم منه، ولا يبالي بهم، ولا باطلاعهم على عيبه، ولا يستحيي منهم كأنهم أموات عنده، وكأنه ميت عندهم لا يبالون بخطيئته أن يتذاكروها، ويضحكوا منه في حضرته لأنه لا يتأثر منها، بل ربما ضحك معهم.
الفائِدَةُ الْخامِسَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" عن سعيد بن عمارة قال: مكتوب في التوراة: من صنع معروفًا إلى أحمق فقد تكتب عليه خطيئة (1).
ووجه ذلك أن فعل المعروف إلى الأحمق قد يقوى به على معصية، وقد يدعوه إلى التِّيه والكِبر، وربما حسب أن فعل المعروف إليه أداء من الفاعل لحق له وجب عليه بمعروف آخر، ثم يحمله الحمق إلى أن الفاعل قصر في حقه، فقد يطالبه بغيره فيترقى عن كفران النعمة إلى نسبة ذلك المحسن إلى الظلم والإساءة، فيظهر خطأ المحسن إذن، وربما دعاه هذا الكفران والطغيان إلى الامتنان والندم على ما كان.
والعاقل يرى هذا المعروف لو فعل إليه إحساناً من الله تعالى، ثم يحمله العقل على شكر هذا المحسن لأنه -وإن كان واسطة في إيصال إحسان الله إليه- فقد أمرنا بشكر الواسط.
(1) تقدم تخريجه.
وقال المبلِّغ عن الله تعالى صلى الله عليه وسلم: "لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ"(1).
ثم لا يرى العاقل أن هذا الإحسان سيق إليه لحق له عند المحسن، ولا لفضيلة استوجب بها ذلك، بل هو مجرد فضل من الله تعالى، فإذا ابتلي لم يلم من سيق البلاء إليه على يديه، بل شهد البلاء من الله تعالى لحكمة فيه كما يشهد الإحسان منه، كما روى ابن جهضم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان - يعني: الداراني - رحمه الله تعالى يقول: تدري لِمَ أزال العاقل الملامة عن من أساء إليه؟
قلت: لا أدري.
قال: لأنه علم أن الله تعالى ابتلاه بذلك.
الفائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: من قبح الحماقة أن العلم - مع أنه أشرف الصفات وأكملها - لا يصلح من فسادها شيئاً.
ومن هنا ينبغي أن يختار العالم للتعليم من يعجبه عقله، ويدل على تمام عقل الطالب حسن نيته في الطلب، وقد سبق ما في فعل المعروف إلى الأحمق، وتعليم العلم أفضل المعروف.
قال أرسطاطاليس: زيادة العلم في الرجل الأحمق كزيادة الماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد علمًا ازداد حماقة (2).
(1) رواه الترمذي (1955) وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
تقدم تخريجه.
وتقدم نظيره عن جعفر الصادق في "الأدب".
ووجه ذلك أن الأحمق طائش العقل متكبر، والعلم أعظم ما يتكبر به؛ فإذا تعلم على حماقته ازداد طيشاً، فلا ينتفع بالعلم.
ومن [هنا] استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع (1)؛ فإنه لا ينفع إلا مع العقل.
وقيل: [من الكامل]
العِلْمُ لِلرَّجُلِ اللَّبِيبِ زِيادَةٌ
…
وَنَقِيضُهُ لِلأَحْمَقِ الطَّيَّاشِ
مِثْلُ النَّهارِيَزِيدُ إِبْصارَ الوَرَى
…
نُورًا وَيُعْشِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ
الفائدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: روى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقَى"(2).
والحكمة في ذلك أن العادة جارية أن من ارتضع من لبن امرأة غلب عليه أخلاقها.
وأفصح عن ذلك ما رواه أبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والقضاعي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرَّضاعُ يغَيرُ الطَّباعَ"(3).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
ورواه ابن الأعرابي في "معجمه"(2/ 104) عن ابن عمر رضي الله عنهما. =
الفائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: روى الدينوري عن ابن عائشة قال: ذكر أعرابيٌّ رجلاً فقال: كأنه أحلم من فرخ طائر، ثم أنشد لبعض الشعراء:[من البسيط]
إِنِّي لأُعْرِضُ عَنْ أَشْياءَ أَسْمَعُها
…
حَتَّى يَظُنَّ رِجالٌ أَنَّ بِي حَمَقا
أَخْشَى جَوابَ سَفِيهٍ لا حَياءَ لَهُ
…
فَسَلْ يَظُنَّ أُناسٌ أَنَّهُ صَدَقا (1)
ونقل ابن عبد ربه في "العقد" عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: كان سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ طائر.
قلت: وما حلم فرخ الطائر؟
قال: إنه يخرج من بيضة في رأسه نبق، فلا يتحرك حتى ينبت ريشه ويقوى على الطيران (2).
وأنشد ابن عبد ربه لبعضهم: [من الطويل]
وَفِي الْحِلْمِ رَدْع لِلسَّفِيهِ عَنِ الرَّدَى
…
وَفِي الْخَرْقِ إِغْراءٌ فَلا تَكُ أَخْرَقا
=والقضاعي في "مسند الشهاب"(35)، وابن الأعرابي في "معجمه" (1/ 217) عن ابن عباس رضي الله عنه. قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 407): خبر منكر جداً، وفيه انقطاع، وعبد الملك بن مسلمة مدني ضعيف.
(1)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 560).
(2)
انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 128).
فَتَنْدَمَ إِذْ لا تَنْفَعَنْكَ نَدامَةٌ
…
كَما نَدِمَ الْمَغْبُونُ لَمَّا تَفَرَّقا (1)
الفائِدةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قال ابن عبد ربه: قيل لعدي بن حاتم رضي الله عنه: ما السؤدد؟
قال: السيد الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، المطرح لحقده (2).
قال: وقيل لعرابة الأوس: لِمَ سوَّدك قومك؟
قال: بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذل لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم (3).
فالمرء إذا انخدع في ماله فأنفقه في وجوه الخير ووقاية العرض - وإن بالغ في ذلك حتى يعده كثير من الناس في ذلك أحمق - كان ذلك تماماً لسيادته، واستوجب الحمد به، وانقلب حمقه عقلاً.
ولعل تسمية ذلك حمقا على وجه المشاكلة دالًّا فقد قالوا: إنما يسود الرجل بأربعة أشياء: بالعقل، والأدب، والعلم، والمال (4).
(1) انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 129).
(2)
انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 134).
(3)
انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 135).
(4)
انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 135).
الفائِدَةُ الْمُتَمِّمَةُ عِشرِينَ فائِدَةً: روي عن وهب رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إني أرزق الأحمق ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال (1).
وقال: أنشدني أحمد بن عباد التميمي قال: أنشدني أبي:
وَالغَيْثُ يُحْرَمُهُ أُناسٌ سُغَّبٌ
…
وَيَبِيتُ يَهْمِلُ فِي بِلادِ جِلّقِ
وَالرِّزْقُ يُخْطِئُ بابَ عاقِلِ قَوْمِهِ
…
وَيَبِيتُ بَوَّاباً لِبابِ الأَحْمَقِ (2)
ومن محاسن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ما رواه أبو نعيم في "الحلية"، ومن طريقه ابن السبكي في "الطبقات" عن أبي حيان النيسابوري قال: بلغني أن عباساً الأزرق دخل على الشافعي يوماً فقال: يا أبا عبد الله! قد قلت أبياتاً إن أنت أجزت لي بمثلها لأتوبن أني لا أقول شعراً أبداً.
فقال له الشافعي: إيهِ، فأنشأ يقول:[من الكامل]
ما هِمَّتِي إِلَاّ مُقارَعَةُ العِدا
…
خَلَقَ الزَّمانُ وَهِمَّتِي لَمْ تَخْلَقِ
وَالنَّاسُ أَعْيُنُهُمْ إِلَى سَلَبِ الْفَتَى
…
لا يَسْألونَ عَنِ الْحِمَى وَالأَولق
لَوْ كانَ بِالْحِيَلِ الغِنَى لَوَجَدْتَنِي
…
بِنُجُومِ أَقْطارِ السَّماءِ تَعَلُّقِي
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 286).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 139).
فقال له الشافعي رضي الله تعالى عنه: هلا قلت كما أقول استرسالاً: [من الكامل]
إِنَّ الَّذِي رُزِقَ اليَسارَ فَلَمْ يُصِبْ
…
حَمْداً وَلا أَجْراً لَغَيْرُ مُوَفَّقِ
فَالْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ أَمْرٍ شاسِعٍ
…
وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بابٍ مُغْلَقِ
وإِذا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَجْدُوداً حَوى
…
عُودًا فَأَثْمَرَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقِ
وإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَحْرُومًا أتى
…
ماءً لِيَشْرَبَهُ فَغاضَ فَصَدِّقِ
وَأَهَمُّ خَلْقِ اللهِ بِالْهَم امْرُؤٌ
…
ذُو نِعْمَةٍ يَبْلَى بِعَيْشٍ ضَيِّقِ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وَكَوْبهِ
…
بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيْبُ عَيْشِ الأَحْمَقِ (1)
وأكثر الناس لم تكشف لهم حقيقة الأمر كما كشفت للشافعي وأمثاله من أن إفاضة الرزق وكثرة العرَض لكثيرٌ من أهل الحماقة والجهالة؛ إنما هي ليعلم العاقل أن الأرزاق مقسومة بأقضية محتومة وأقدار معلومة، لا بحيلة عاقل محتال، ولا بجهد فعال عامل، فمنهم من نسب ذلك إلى جور الزمان، ومنهم من حمل ذلك على التنزل من العقل إلى حال أهل الجهل، حتى قيل كما أنشده ابن عبد ربه عن الجاحظ عمرو بن بحر:[من الطويل]
تَحامَقْ مَعَ الْحَمْقَى إِذا ما لَقِيتَهُمْ
…
وَلاقِهِمُ بِالْجَهْلِ فِعْلَ أَخِي الْجَهْلِ
(1) رواه السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"(1/ 304).
وَخَلِّطْ إِذا ما كُنْتَ (1) يَوْماً مُخَلِّطاً
…
تُخَلِّطُ (2) فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ وَفِي هَزْلِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَرْءَ يَشْقَى بِعَقْلِهِ
…
كَما كانَ قَبْلَ اليَوْمِ يَسْعَدُ بِالعَقْلِ (3)
وروى ابن السمعاني بإسناده عن أبي الحسين محمد بن محمد بن جعفر بن الحكم: [من الوافر]
زَمان قَدْ تَفَرَّغَ لِلفُضولِ
…
يُسَوِّدُ كُلَّ ذِي جَهْلٍ جَهُولِ
إِذا أَحْبَبْتُمْ فِيهِ ارْتفاعاً
…
فَكُونُوا جاهِلِينَ بِلا عُقُولِ (4)
وقلت: [من مجزوء الرمل]
إِنَّما الإِمْلاقُ أَوْلَى
…
إِنْ يَفُزْ بِالْمالِ أَحْمَقْ
إِنَّما الْحِلْمُ بِأَنْ
…
يَبْلُغَهُ الإِنْسانُ أليَق
لا أَرَى الْحُمْقَ وإنْ كَا
…
نَ بِهَذا الوَقْتِ ألبَقْ
فَارْضَ بِالْمَيْسُورِ وَالْعَقْلِ
…
وَبِالصَّبْرِ تَمَنْطَقْ
إِنَّما تُحْمَدُ عُقْبَى الصَّ
…
ـبْرِ يَوماً فِيْهِ يُفْرَقْ
فَفَرِيقٌ فِي نَعِيمٍ
…
وَفَرِيق يَتَحَرَّقْ
(1) في مصدر التخريج: "لاقيت" ما بدل "كنت".
(2)
في مصدر التخريج: "يخلط" بدل "تخلط".
(3)
انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (2/ 178).
(4)
انظر: "يتيمة الدهر" للثعالبي (2/ 410)، و"معجم الأدباء" لياقوت الحموي (5/ 416).
إِنَّ عَقْلَ الْمَرْءِ مَحْمُو
…
دٌ وإِنْ أَكْدَى وَأَمْلَقْ
تتَلاشَى لَذَّةُ الْعَيْـ
…
ـشِ إِذا ما قِيلَ أَخْرَقْ
لَمْ تَضُرَّ فِي ظُلْمَةِ الوَقْـ
…
ـتِ وَنُورُ الْعَقْلِ أَشْرَقْ
***