الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صاحبه في المجلس بخبر، أو مدح رجل أو ذمه، أو نحو ذلك، فيعارضه صاحبه فيه ويأتي بضده، فيتعارضان فيه، ويتجادلان فيه، وكل واحد يستدل لصحة خبره أو قوله، وربما أدى ذلك بهما إلى الشقاق، والتشاتم، والتقاذف، وتكاشف العيوب، وتثور بينهما الحمية الجاهلية، وأكثر ما يتفق ذلك للبطَّالين والبَطِرِين.
14 - ومنها: الخروج كل ساعة في طور غير الطور المتقدم من حيث الأخلاق
، أو من حيث الحركة، أو من حيث الزي؛ فتارة يلبس لباس الأجناد، وتارة لباس الفتيان، وتارة لباس الفقهاء، وتارة يتكلم بالشيء ويناقضه في المجلس، ويقوم ويقعد في المجلس كثيراً، ويخرج منه ويعود كثيراً، إلى غير ذلك من الاختلافات والتطورات.
روى ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس رحمه الله تعالى قال: إذا عَقْلُك [عَقَلَك] عما لا ينبغي فأنت عاقل (1).
وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لا تنظر إلى عقل الرجل في كلامه، ولكن انظروا إلى عقله في مخارج أموره ومداخلها (2).
ومن هذا القبيل ما رواه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زنجويه في كتاب "سنن الخواتيم" عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: اعتبروا الرجل في طول لحيته، وكنيته، ونقش خاتمه.
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله"(ص: 49).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "العقل وفضله"(ص: 51).
فبينا هو جالس إذا أقبل رجل طويل اللحية فسلم عليه، فقال له معاوية رضي الله تعالى عنه: ما نقش خاتمك؟
فقال: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20].
فقال: وما كنيتك؟
فقال: أبو الكوكب الدري.
قال معاوية: هذا منه (1).
وأخرج فيه عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اعْتَبِروا عَقْلَ الرَّجُلِ بِثَلاثٍ؛ بِطُولِ اللِّحْيَةِ، وَكُنْيَتِهِ، وَنَقْشِ خاتَمِهِ".
قلت: أما الأولى فليس للرجل فيه فعل ولا كسب، وإنما ذلك من الأمارات الصورية التي تدل على عقل الرجل.
وقد حكي أنه مكتوب في التوراة: إن اللحية مخرجها من الدماغ، فمن أفرط عليه طولها قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله (2).
وقال عبد الملك بن مروان: من طالت لحيته تكوسج عقله (3).
وقال بعض الشعراء [من المتقارب]:
إِذا عَرَضَتْ لِلْفَتَى لِحْيَةٌ
…
وَطالَتْ وَصارَتْ إِلَى سُرَّتِهْ
(1) وانظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 32).
(2)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 29).
(3)
انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 30).
فَنُقْصانُ عَقْلِ الفَتَى عِنْدَنا
…
بِمِقْدارِ ما طالَ مِنْ لِحْيَتِهْ (1)
وقال بعض أهل الفراسة: إذا كان الرجل طويلاً طويل اللحية فاحكم عليه بالحماقة، وإذا انضاف إلى ذلك أن يكون رأسه صغيراً فلا تشك في حمقه.
زاد بعضهم: إذا كان معلماً، أو حائكاً، أو قطَّاناً فقد تمَّ حمقُه (2).
وأما الكنية؛ فإن كان المكني له غيره فليس له في ذلك كسب أيضاً، وقد يكون إنما كني بتلك الكنية لما رآه المكني له بها فيه من الحماقة ونحوها، وهذا عمدة من يكني الناس، أو يلقبهم بالألقاب المهملة.
وإما أن يكون هو المختار لتكنية نفسه، فالكنية الدالة على حمقه، وكفى بذلك دليلاً عليه.
وكذلك لو لقب نفسه بلقب هو قاصر عن الاتصاف به والقيام بأمره كالقاصر في العلم يلقب نفسه بشيخ الإسلام، أو العلَاّمة، أو النحرير، أو يفرح بتلقبه بذلك، والبخيل أو الجبان يفرح بوصفه بالكرم أو الشجاعة، أو لقب نفسه بلقب مكروه، أو مضحك.
وأما نقش الخاتم؛ فللإنسان فيه كسب، فينبغي للعاقل أن لا يتشبه فيه.
(1) انظر: "أخبار الحمقى والمغفلين" لابن الجوزي (ص: 29).
(2)
البيتان لابن الرومي، كما في "ديوانه" (ص: 908)، و"محاضرات الأدباء" للأصبهاني (2/ 342).
ولا يختص ذلك بنقش الخاتم، بل قد تظهر الحماقة والرعونة في الزي، والعمامة، وركوب الدابة التي لا تليق به، وغير ذلك من الهيئات والعادات كالخروج بين الناس راكباً على قصبة، أو على دابة منكسة، أو لابساً زي النساء، ومشاركة الصبيان والرعاع في ملاعباتهم أو محاوراتهم، ونحو ذلك؛ فافهم!
ومن ذلك محاكاة الناس وتقليدهم في أمورهم الخلقية أو العادية كتعويج الفم، وتحويل العين، وغير ذلك؛ فإن ذلك يشعر برقاعة المرء وخفة عقله.
ومن لطائف هذا الباب ما رواه الخطابي في "الغريب" عن الأصمعي قال: حدثني خلف قال: أقبل أعرابي إلى قوم من أهل البصرة على غدير البحيت يشربون شراباً لهم، ومغن لهم يتغنى، فجعل يكسر عينيه، ويمط خديه، ويثنى أصابعه، فلما سكت قال للأعرابي: كيف رأيت؟ فقال [من الطويل]:
أَراكَ صَحِيحا قَبْلَ شَدْوُكِ سالِماً
…
فَلَمَّا تَغَنَّيْتَ اسْتَفاءَ لَكَ الْخَبَلْ
فَإِنْ كانَ تَرْجِيعُ الغِناءِ مُوَرّثاً
…
جُنونًا فَأَخْزى اللهُ ذَلِكَ مِنْ عَمَلْ
قال الخطابي: قوله: استفاء - يعني: بالسين المهملة، والفاء معناه -: استجلبه عليك، واستدعاه إليك (1).
(1) انظر: "غريب الحديث" للخطابي (2/ 81).