الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الأَوَّلُ في تَشَبُّهِ العَالِمِ باِلجَاهِلِ في مُقْتَضَى الجَهْلِ
وهو أن يجري أفعاله وأقواله على خلاف ما يعلم من الحكم.
مثلًا: العلم بتحريم الغيبة يقتضي تركها، والجهل به يقتضي أن لا يتركها، فإذا اغتاب العالم الغيبة المحرمة فقد أشبه الجاهل في فعل ما علم تحريمه وجهله الجاهل، فالجاهل معذور في الجملة - وإن كان غير معذور في نفس الجهل - بخلاف العالم فإنه غير معذور مطلقًا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يُعافَى الأُمِّتُّونَ ما لا يُعافَى الْعُلَماءُ".
رواه أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه (1).
فتشبه العالم بالجاهل قبيح جداً.
قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18].
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 222) وقال: قال عبد الله ابن الإمام أحمد: قال أبي: هذا حديث منكر، وما حدثني به إلا مرة، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس"(7868).
وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35].
أي: بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر؛ فإن ذلك من دأب الجهلة.
وقال تعالى لنوح عليه السلام: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].
وقال تعالى لموسى، وهارون عليهما السلام وقد دعيا على فرعون وقومه:{قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 89]؛ أي: طريق الجهلة في الاستعجال، وعدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى.
وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67].
وقال تعالى في حق علماء أهل الكتاب: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55]؛ أي: لا نطلب صحبتهم، ولا نرغب في أمرهم.
وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104].
إنما يتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم جاهلين لا يعلمون شيئًا مما
يؤول إليه عاقبتهم مع إمكانهم أن يتوغلوا إلى العلم النافع لهم.
قال أبو طالب المكي: وكان سهل؛ يعني: التستَري رحمه الله تعالى يقول: ما عصي الله بمعصية أعظم من الجهل.
قيل: يا أبا محمد! هل تعلم شيئًا أشد من الجهل؟
قال: نعم، الجهل بالجهل.
قال: وكان سهل يقول: قسوة القلب بالجهل أشد من قسوة القلوب بالمعاصي؛ لأن الجهل ظلمة لا ينفع البصر معه شيئًا، والعلم نور يهتدي به القاصد وإن لم يمش (1).
وقيل: [من الطويل]
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأَهْلِهِ
…
فَأَجْسادُهُمْ حَتَّى القُبورِ قُبورُ
وَإِنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ
…
وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَ النُّشورِ نُشورُ
وقد جاء القرآن العظيم بأن الجهل قد يؤدي بصاحبه إلى ما هو أشد من قسوة القلب التي أشار إليها سهل رحمه الله تعالى، وهو الطبع على القلب.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ
(1) انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (2/ 258).
جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 58 - 60].
وأيضاً فإن العلم ينهض بصاحبه عن منازل الذل إلى مراقي العز والشرف كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحِكْمَةُ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفاً، وَتَرْفَعُ العَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجالِسَ الْمُلوكِ". رواه ابن عدي، وأبو نعيم من حديث أنس (1).
وروى ابن النجار عن أبي هريرة رضي الله عنه: ما استرذل الله عبدًا إلا حظر الله عليه العلم والأدب (2).
وأخرجه عبدان في "الصحابة"، وأبو موسى المديني في "الذيل" عن بشير بن النهاس العبدي رضي الله تعالى عنه، ولفظه: ما استرذل الله عبدًا إلا حرم العلم (3).
(1) رواه ابن عدي في "الكامل"(5/ 143) وأعله بعمرو بن حمزة وقال: وما يرويه غير محفوظ، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (6/ 173). قال ابن القيسراني في "معرفة التذكرة" (ص: 121): فيه صالح بن بشر المري، وهو متروك الحديث.
(2)
ورواه ابن عدي في "الكامل"(2/ 339) وقال: موضوع، والقضاعي في "مسند الشهاب"(795).
(3)
ورواه ابن الأثير في "أسد الغابة"(1/ 296). وقال ابن حجر في "الإصابة في تمييز "الصحابة" (1/ 316): إسناده ضعيف جداً.
ولبعض المتقدمين: [من الطويل]
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُخْلَقُ عالِمًا
…
وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ القَوْمِ لا عِلْمَ عِنْدَهُ
…
صَغِيرٌ إِذا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْمَحافِلُ
وقال وهب بن منبه: يتشعب من العلم الشرفُ وإن كان صاحبه دنيئًا، والعزُّ وإن كان مهينًا، والقربُ وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا، والنبلُ وإن كان حقيرًا، والمهابةُ وإن كان وضيعًا، والسلامةُ وإن كان سقيمًا.
نقله والدي في "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد"(1).
ولقد قلت في معناه: [من الرجز]
يَظْفَرُ ذُو الْعِلْمِ بِه كَرامَة
…
بِالْعِزِّ وَالشَّرَفِ وَالسَّلامَة
وَالنُّبْلِ وَالْهَيْبَةِ وَالْغِنَى مَعًا
…
وَالْقُرْبِ وَالرِّفْعَةِ وَالْمَقامَة
وإذا تشبه العالم بالجاهل في أحواله وأعماله فقد أعرض عن هذه المقاصد، وتعرض لزوال هذه الفوائد.
وفي "تهذيب الكمال" للحافظ المزي في ترجمة صالح بن مهران الشيباني أبي سفيان الأصبهاني، وكان يقال له: الحكيم، وكان إذا تكلم يكتب حديثُه فيقال: إنه كان يتكلم في التوحيد.
قال أبو نعيم الحافظ: كان من الورع بمحل، كان يقول: كل
(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(63/ 396).
صاحب صناعة لا يقدر أن يعمل في صناعته إلا بآلته، وآلة الإسلام العلم (1).
قلت: أراد بالإسلام ما يشمل الإيمان؛ فإنه لا يتصور إلا بالعلم.
ومن ثم [وضع](2) النبي صلى الله عليه وسلم[المؤمن] في مقابلة الجاهل فيما رواه الطبراني في "الكبير"، وابن عبد البر في "العلم"، [والسجزي] في "الإبانة" -وقال: غريب - عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَلِيلُ الفِقْهِ خَيْر مِنْ كَثيرِ العِبادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهاً إِذا عَبَدَ اللهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً إِذا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ، وإِنَّما النَّاسُ رَجُلانِ: مُؤْمِن وَجاهِلٌ؛ فَلا تُؤْذِ الْمُؤْمِنَ، وَلا تُجاوِرِ الْجاهِلَ"(3).
وإنما نهى عن مجاورة الجاهل لأن للمجاورة تأثيراً، فربما أدت مجاورته بالمؤمن إلى التشبه به في خصال الجهل.
وقد تقدم في أوائل الكتاب قول علي رضي الله تعالى عنه: [من الهزج]
وَلا تَصْحَبْ أَخا الْجَهْلِ
…
وَإِيَاكَ وَإِيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أَزْرَى
…
حَكِيماً حِينَ ما شاهُ
(1) انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (13/ 93 - 94).
(2)
بياض في "أ" و"ت" بمقدار كلمة أو كلمتين.
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8698). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 120): فيه إسحاق بن أسيد، قال أبو حاتم: لا يشتغل به.
وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وابنه في "زوائد" عن أبي عثمان الجعد البصري قال: قال لقمان لابنه عليه السلام: لا ترغب في وُد الجاهل؛ فيرى أنك ترضى عمله، ولا تتهاون بمَقْت الحكيم؛ فيزهد فيك (1).
وليس فيما ذكرت معارضة لما رواه الدينوري في "المجالسة" عن مصعب الزبيري قال: لقي حكيم حكيماً فقال له: من أدبك؟
قال: نظرت إلى جهل الجاهل فاجتنبته (2).
فإنه لا يلزم أن ينظر إلى جهل الجاهل إلا من جاوره، أو جالسه، أو صحبه، بل أقرب الناس إلى نظر جهله، وقبح أعماله من يأنف من صحبته، ويستنفر من مجاورته ورفقته.
وروى ابن السني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ لَبَيْتٌ خَرِبٌ؛ فتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا، وَتَفَقَّهُوا، وَلا تَمُوتُوا جُهَّالاً؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَعْذُرُ عَلى الْجَهْلِ"(3).
ولا يهتم أن العلم بكل حكم شرعي يقتضي إجراء ذلك الحكم على مقتضى الشرع إباحة، أو ندباً، أو وجوباً، أو كراهةً، أو تحريماً، والجاهل بذلك الحكم يجريه كيف اتفق، فقد يصادف الحق في
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 107).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 450).
(3)
تقدم تخريجه.
إجرائه، وقد يكون على الباطل، فلا يؤجر في الأول ويأثم في الثاني، ويعاتب على الجهل على كل حال، أو يعاقب عليه.
ومقتضى الحديث: "الْقُضاةُ ثَلاثَهٌ: اثْنانِ فِي النَّارِ وَواحِدٌ فِي الْجَنَّةِ؛ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ - وفي رواية: وَقاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ فِي النَّارِ - وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَجارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ"[رواه](1) الأربعة، والحاكم وصححه، من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه (2): أن الجاهل آثم وإن وافق الحق.
وسبق عن سهل التستري رحمه الله تعالى: أن الله عز وجل لم يعص بمعصية أعظم من الجهل (3)، ومن ثَمَّ ذم الله تعالى من يعبده على حرف؛ أي: جهل.
فإذا أجرى العالم ذلك الحكم على خلاف الشرع فقد خالف مقتضى العلم، ووافق مقتضى الجهل، فعقابه أشد من عقاب الجاهل؛ إذ يسوغ للجاهل أن يقول لمن قال له: لم أجريت ذلك على خلاف الشرع؟ أن يقول: لم أكن عالماً به، فإذا قيل له: لم لم تتعلم؟ انقطعت حجته؛ فإن الله لا يعذر على الجهل كما في الحديث، إلا أن
(1) بياض في "أ" و"ت"، ولعل الصواب ما أثبت.
(2)
رواه أبو داود (3573)، والترمذي (1322)، والنسائي في "السنن الكبرى"(5922)، وابن ماجه (2315)، والحاكم في "المستدرك"(7012).
(3)
تقدم تخريجه.
يكون قريبَ عهدٍ بالإسلام، أو قد نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام.
وأما العالم فلا يسعه أن يقول: لم أكن عالماً، بل إذا قيل له: أمَا كنت عالماً؟ لم يسعه إلا أن يقول: نعم، فيقال له: ضيعت العلم، فهو مسيء من ثلاثة أوجه:
الأول: فعله للمعصية.
الثاني: إضاعته للعلم.
الثالث: كفرانه لنعمة العلم.
والجاهل مسيء من الوجهين الأولين فقط أيضاً؛ فإن العالِمَ بأنَّ هذا معصية لا يرضى الله بها، ثم يفعلها أعظمُ جرأة على الله تعالى ممن جهل أنها معصية، فلعله لو عرف أنها معصية امتنع منها، فلذلك عَظُم إثم العالم في معصيته.
قال الله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]؛ أي: لا يستويان في الشرف، ولا في المؤاخذة.
وقال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 30].
ثم بين سبحانه وتعالى سبب تضعيف العذاب عليهن لو أتين بما يوجبه بقوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32]: 32]؛ أي: في الشرف والفضل.
والشريف في نفسه إذا تنزل إلى فعل لا يليق بشرفه من سفساف
الأمور استوجب العتاب أو العقاب.
أو: لستن كأحد من النساء في العلم لأنكن أعلم النساء بالأحكام الشرعية لأنكن أقربهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغيركن من النساء إنما يأخذن العلم عنكن، أو عن غيركن من الوسائط، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لهن من الحياء ما يمنعهن من استيفاء الأحكام منه خصوصاً ما يختص بالنساء من الأحكام، وليس من النساء أقرب إلى الرجل من أهله؛ فإنهن أعلم النساء بالأحكام خفياتها وجلياتها، وبالحلال والحرام، فلذلك تتضاعف العقوبة عليكن لو عصيتن الله تعالى.
وروى الطبراني في "الصغير"، وابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - الله عليه وسلم -: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ"(1).
وروى الطبراني، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الزَّبانِيَةَ أَسْرَعُ إِلَى فَسَقَةِ القُرَّاءِ مِنْهُمْ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثانِ، فَيَقُولُونَ: يُبْدَأُ بِنا قَبْلَ عَبَدَةِ الأَوْثانِ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لا يَعْلَمُ"(2).
وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، عن جندب بن عبد الله الأزدي رضي الله تعالى عنه - وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم -
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 286). قال ابن حبان في "المجروحين"(1/ 215): وهذا خبر باطل، ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أنس رضي الله عنه.
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَينْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّراجِ؛ يُضِيْءُ لِلنَّاسِ، وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ"(1).
وأراد بالسراج فتيلته، أو هو على حذف مضاف؛ أي: كمثل فتيلة السراج.
وقد روى البزار، والطبراني الحديث بنحوه من حديث أبي برزة رضي الله تعالى عنه، وقال فيه:"مَثَلُ الفَتِيلَةِ؛ تُضِيْءُ لِلنَّاسِ، وَتُحْرِقُ نَفْسَها"(2).
وروى عن عمار رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حي من قيس أعلمهم شرائع الإسلام، فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشية، طامحة أبصارهم، ليس لهم همٌّ إلا شاة أو بعير، فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[فقال]:"ما عملت"، فقصصت عليه قصة القوم، وأخبرته بما فيهم من السهوة، فقال:"يا عَمَّارُ! أَلا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْهُمْ؟ قَوْمٌ عَلِمُوا ما جَهِلَ أُوْلَئِكَ ثُمَّ سَهُو كَسَهْوِهِمْ"(3).
وروى ابن عساكر نحوه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتيتك من عند قوم هم وأنعامهم سواء.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 185): رواه البزار والطبراني في "الكبير" وفيه عباد بن أحمد العزرمي، قال الدارقطني: متروك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا سَعْدُ! أَفلا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَومٌ عَلِمُوا ما جَهِلَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ جَهِلُوا كَجَهْلِهِمْ"(1).
وروى الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ ما صَغَّرَ اللهُ، وَصغَّرَ ما عَظَّمَ اللهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِصاحِبِ القُرْآنِ أَنْ يَجِدَّ مَعَ مَنْ جَدَّ، وَلا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ وَفِي جَوْفِهِ كَلامُ اللهِ"(2).
والمعنى: لا ينبغي له أن يجد مع من جد؛ أي: فيما عليه الناس من العادات المخالفات للقرآن.
وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ، اقْرَأِ القُرْآنَ ما نهَاكَ، فَإِذا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَأُهُ"(3).
وقوله: "ضَرَّهُ جَهْلُهُ"؛ أي: جهله بأن العلم الذي لا ينفع صاحبه
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(65/ 201)، وكذا الدروقي في "مسند سعد" (ص: 208) (125).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الطبراني في "مسند الشاميين"(1345)، وكذا القضاعي في "مسند الشهاب" (392). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 184): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وقد وثق.
وبالٌ على صاحبه، كما روى الطبراني في "الصغير"، وابن عدي، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ"(1).
ولذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، كما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه (2).
وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن ماجه بإسناد حسن، والأصبهاني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ"(3).
يجوز أن يراد بالعلم الذي لا ينفع العلم بأمور الدنيا، والتفقه في تحصيلها وتوفيرها، وبالجهل الذي يضر الجهل بأمور الآخرة، وهو أغلب أحوال الناس كما قال تعالى:{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6 - 7].
وقد روى الحاكم في "تاريخه" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ عالِمٍ بِالدُّنْيا جاهِلٍ بِالآخِرَةِ"(4).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه مسلم (2722)، والنسائي (5538).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29122)، وابن ماجه (3843)، وكذا ابن حبان في "صحيحه"(82).
(4)
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في "الأمثال"(ص: 276)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 194).
وروى الإمام أحمد، والبزار بإسناد صحيح، من حديثه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مَثَلَ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ"(1).
وهذا فيه إشارة إلى أن العلم النافع هو العلم الذي يدعو صاحبه إلى العمل به، وإلى تعليمه غيره.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وفي هديه، وفي صدقه، وفي يده، وفي لسانه، وفي صلاته (2).
وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن هلال بن العلاء قال: طلب العلم شديد، وحفظه أشد من طلبه، والسلامة منه أشد من العمل به (3)، ثم أنشأ يقول:[من البسيط]
يَمُوتُ قَوْمٌ وَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ
…
وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْواتاً بِأَمْواتِ (4)
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 499)، وكذا الدارمي في "السنن" (556). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 184): رواه أحمد والبزار ورجاله موثقون.
(2)
ورواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 26)، والدارمي في "السنن"(385).
(3)
وذكره الذهبي في "الكبائر"(ص: 148).
(4)
ذكره الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(2/ 280) دون أن ينسبه لأحد.