الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
33 - ومن الخصال المذكورة: التشبه بالبهائم في الغفلة عن الموت
.
روى أبو نعيم في "الطب" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ تَعْلَمُ البَهَائِمُ مِنَ الموْتِ مَا تَعْلَمُوْنَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِيْناً"(1).
وروى هو والبيهقي في "الشعب" عن أم حبيب الجهنية رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَوْ تَعْلَمُ البَهَائِمُ مِنَ الموْتِ مَا يَعْلَمُ بَنُوْ آدَمَ مَا أَكَلُوْا مِنْهَا لَحْمًا سَمِيْناً"(2).
وروى الديلمي عن أبي سعيد نحوه (3).
وروى أبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: ابنَ آدم! السكين تحد، والكبش يعتلف، والتنور يسجر (4).
وعن مسعر رحمه الله تعالى: أنه كان يتمثل بهذه الأبيات في كل جنازة: [من الطويل]
وَنُحَدَّثُ رَوْعاتٍ لَدى كُلِّ فَزْعَةٍ
…
وَنُسْرِعُ نِسْياناً وَلَمْ يَأْتِنا الأَمْنُ
(1) ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(5088) بمعناه.
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(10557)، وكذا القضاعي في "مسند الشهاب"(1434).
(3)
كذا عزاه السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ص: 545) إلى الديلمي.
(4)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 152).
فَإِنَّا وَلا كُفْرانَ لِلَّهِ رَبِّنا
…
لَكَالْبُدْنِ لا تَدْرِي مَتَى يَوْمُها البدْنُ (1)
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" عن مسعر رحمه الله تعالى قال: لم يقل لبيد رضي الله تعالى عنه في الإسلام إلا هذين البيتين: [من الطويل]
نُجَدِّدُ أَحْزاناً لَدى كُلِّ هالِكٍ
…
وَنُسْرِعُ نِسْياناً وَلَمْ يَأْتِنا الأَمْنُ
فَإِنَّا وَلا كُفْرانَ لِلَّهِ رَبِّنا
…
لَكَالْبُدْنِ لا تَدْرِي مَتَى يَوْمُها البدْنُ
وقال الدينوري: أنشدنا ابن قتيبة لعروة بن أذينة: [من الوافر]
نُراعُ إِذا الْجَنائِزُ قابَلَتْنا
…
وَيُحْزِنُنا بُكاءُ الباكِياتِ
كَرَوْعَةِ ثلَّةٍ لِمُغارِ لَيْثٍ
…
فَلَمَّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ (2)
ونقل الإمام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة" عن أبي عمر بن العلاء قال: جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 221).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(1/ 158).
شعراً، فاطلعت جنازة، فأمسك وقال: شيبتني هذه الجنائز، وأنشأ يقول:[من الوافر]
تُرَوِّعُنا الْجَنائِزُ مُقْبلاتٍ
…
وَنَلْهُو حِينَ تَذْهَبُ مُدْبِراتِ
كَرَوْعَةِ ثلَّةٍ لِمُغارِ ذِئْبٍ
…
فَلَمَّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ (1)
وأنشد عبد الحق أيضا قول الآخر: [من السريع]
يا راكِبَ الرَّوْعِ لِلَذَّاتِهِ
…
كَأَنَّهُ فِي أتْنِ عَيْرْ
وَآكِلاً كُلَّ الَّذِي يَشْتَهِي
…
كَأَنَّهُ فِي كَلاءِ ثَوْرْ
وَناهِضاً إنْ يَدْعُ داعِيَ الْـ
…
ـهوى كَأَنَّهُ مِنْ خِفَّةٍ طَيْرْ
وَكُلَّما يَسْمَعُ أَوْ ما يَرى
…
كَأَنَّما يُعْنَى بِه الْغَيْرْ
إِنَّ كُؤُوسَ الْمَوْتِ بَيْنَ الوَرى
…
دَائِرَةٌ قَدْ حَثَّها السَّيْرْ
وَقَدْ تَيَقَّنْتَ وَإِنْ أَبْطَأَتْ
…
أَنْ سَوْفَ يَأْتِيكَ بِها الدَّوْرْ
وَمَنْ يَكُنْ فِي سَيْرِها حائِراً
…
تَاللهِ ما فِي سَيْرِها حَوْر (2)
وأنشد إسحاق الختلي في "الديباج" لمعبد النجدي: [من
الكامل]
الدَّهْرُ أَفْنانِي وَما أَفْنَيْتُهُ
…
وَالدَّهْرُ غَيَّرَنِي وَما يَتَغَيَّرُ
(1) انظر: "العاقبة في ذكر الموت" لعبد الحق الإشبيلي (ص: 152).
(2)
انظر: "العاقبة في ذكر الموت" لعبد الحق الإشبيلي (ص: 27).
إِنَّ امْرَأً أَمْسى أَبُوهُ وَأُمُّهُ
…
تَحْتَ التُّرابِ لِهَوْلِهِ يَتَفَكَّرُ
مِثْلَ الْبَهائِمِ لا تَرى آجالَها
…
حَتَّى تُقادَ إِلَى الْمَنِيَّةِ تُجْزَرُ (1)
فإن قلت: فما تصنع بما رواه ابن أبي حاتم عن ابن سابط قال: ما أبهمت البهائم فلم تبهم عن أربع: تعلم أن الله ربها، ويأتي الذكر الأنثى، وتهتدي لمعاشها، وتخاف من الموت (2).
قلت: لا يلزم من خوفها من الموت أن تعلم ما نعلم منه، وإنما هو معنى يحصل للدابة إذا أحست بما هو من أسباب الموت، فتراع عند مشاهدته فتذعر كما يحصل للشاة عند مشاهدة الذئب دون غيره، وللفأرة عند مشاهدة الهر، وللفرس وغيرها عند مشاهدة الأسد، ولأكثر الحيوانات عند مشاهدة الآدمي، فأما أن تعلم حقيقة الموت وما بعد الموت من عذاب أو نعيم فهذا مما خص الله تعالى به العقلاء، فمن لم يؤمن بعذاب القبر وفتنته، والبعث والحساب، أو آمن بذلك ثم اغتر بالدنيا، فهو ملحق بالبهائم، أو أسوء حالاً منها.
وما أحسن ما قيل: [من مجزوء الرمل]
أَيَّها الْمُغْتَرُّ بِالدُّ
…
نْيا إِلَى كَمْ ذا الغُرُورُ
كَيْفَ يَغْتَرُّ بِدُنْيا
…
مَنْ إِلَى الْمَوْتِ يَصِيْرُ
(1) انظر: "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري (ص: 73)، و"الزهد الكبير" للبيهقي (ص: 234)، وعندهما:"معبد العنبري".
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 582).