الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سددت كَلْبَ الجُوْعِ بِرَغِيْفٍ وَكُوْزٍ مِنْ مَاءِ القَرَاحِ، فَعَلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا الدَّمَارُ"(1).
29 - ومنها: شم الطعام قبل أكله، والأولى ترك ذلك
.
روى الطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَشَمُّوا الطَّعَامَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ"(2).
30 - ومنها: التشبه في كثرة الأكل
، أو في أكل الحرام، أو الأكل مع الغفلة عن الآداب الشرعية بالبهيمة.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12].
قال القشيري رحمه الله تعالى: الأنعام تأكل بلا تمييز من أي موضع وجدت، وكذلك الكافر لا تمييز له من الحلال وجد أم من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل في كل وقت تقتات وتأكل لا تعرف الشبع، وكذلك الكافر أكول.
(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(8394)، وكذا ابن السني في "القناعة"(1/ 56). وضعف العراقي إسناد الديلمي في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 757).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(23/ 285). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 20): فيه عباد بن كثير الثقفي، وكان كذاباً متعبداً.
وفي الخبر: إنه "يأكل في سبعة أمعاء"(1)، والمؤمن يجتزئ باليسير كما في الخبر (2).
ويقال: الأنعام تأكل على غفلة؛ فمن أكل ناسياً لربه فأكله كأكل الأنعام (3).
وقيل لسهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: الرجل يأكل في اليوم أكلة؟
قال: أكل الصديقين.
قيل: وأكلتين؟
قال: أكل المؤمنين.
قيل: ثلاثة؟
قال: قل لأهلك يبنوا لك مَعْلفاً" (4).
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة (5).
وأنشدوا:
(1) رواه البخاري (5078)، ومسلم (2060) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
رواه الترمذي (2380) وصححه عن المقدام بن معدي كرب.
(3)
انظر: "تفسير القشيري"(3/ 201).
(4)
رواه القشيري في "رسالته"(ص: 179).
(5)
انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (2/ 292).
شَكَوْتُ إِلَى طَبِيْبِي ضَعْفَ جِسْمِي
…
فَقالَ الضَّعْفُ مِنْ قِبَلِ الغِذاءِ
أَتَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ أَكْلَ عَيرٍ
…
وَتَرْجُو أَنْ تَعِيشَ بِغَيْرِ داءِ
وروى الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى في "الزهد" عن أبي حسان قال: استأذن سعد بن معاذ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي أصهاراً له من أهل البادية، فأذن له ما شاء الله، ثم رجع ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، فدخل وهو يقلب يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا".
قال: يا رسول الله! أتيتك من عند قوم إنما همهم فيما فيه نهم أنعامهم من لذات بطونهم وفروجهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا، أَفَلَا أُخْبِرُكَ بمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِك؟ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ الَّذِي أَنْكَرَ، ثُمَّ فَعَلَ هَوَ كَفِعْلِهِمْ"(1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقل أكياس الناس؛ لا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى ما أكبوا عليه من الدنيا فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا همَّ لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر
(1) تقدم تخريجه.
إلى نفسه قال: والله إني لأراني من شرهم بعيراً واحداً (1).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزينَتِهَا، إِنَّهُ لَا يَأْتي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ ممَّا يُنْبِتُ الرَّبِيع يَقْتُلُ حَبَطاً أَو يُلِمُّ إِلَاّ آكِلَةَ الخَضِر؛ فَإِنهَا أَكَلَت حَتَّىْ إِذَا اِمْتَلأَت خَاصِرَتُهَا اِسْتَقْبَلَت الشَّمْسَ فَثلطث وَبَالَتْ ثمَّ رتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنعم صَاحِبُ المالِ لمنْ أَعْطَاهُ المسْكِينَ وَاليَتِيْمَ وَابْنَ السَّبِيْلِ، فَمَنْ أَخذَهُ بحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فيْ حَقِّهِ فَنِعْمَ المعُوْنَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ"(2).
أشار بذلك إلى آكلة الخضر التي أشار إليها في أول الحديث؛ فإنها تأكل حتى تميل خاصرتها، ثم تثلط وتبول، ولا تعرف للشبع حداً تنتهي إليه وتقف عليه.
ففيه إشارة إلى أن آكل الحرام متشبه بالبهيمة التي تأكل ولا تشبع، وذلك لأن النفس تستحلي الحرام من حيث إنها ممنوعة منه، والنفس مائلة إلى الممنوع، وكلما حصلت منه على شيء تشوَّفت إلى شيء، وهذا حال البهيمة والسبع، وأيضاً من يأكل الحرام وهو خبيث متشبه بالكلاب، والسباع، والرخم، والحداء، ونحوها في كل الميتة وإن أنتنت.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 7)، والبخاري (2687)، ومسلم (1052)، والنسائي (2581)، وابن ماجه (3995).
وقد حكى لي رجل كان ترجماناً عند قاضي القسمة، وهو قاضي اليتامى، وكان يأخذ على قسمته من أموال اليتامى شيئاً معلوماً، قال: فنمت ليلة فرأيت كأنه وضع بين يدي طعام، فمددت يدي وتناولت منه، فإذا يد صبي صغير فألقيتها، ثم تناولت غيرها فإذا رجل صبي صغير، وهكذا كما أخذت شيئاً وجدته عضو آدمي صغير، فقلت لأهلي: ما هذا؟
فقالوا: هذا اللحم الذي جئتنا به طبخناه لك.
قال: فلما استيقظت تركت الترجمة.
ثم رأيته بعد ذلك عاد إليها، ولم يصبر عنها.
وقلت: [من المتقارب]
أَلا رُبَّ آكِلِ مالِ يَتِيمٍ
…
وَأَمْثالِهِ تابَ عَنْهُ زَمانا
وَعادَ إِلَى مِثْلِ ما تابَ مِنْهُ
…
وَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنْهُ وَمانا
فَلا تَعْجَبُوا مِنْهُ إِنَّ النُّفو
…
سَ تَطْلُبُ ما مُنْعَتْ كَيْفَ كانا
كَمَا أُوْلِعَتْ بِالوَقِيذ الأنوقُ
…
وَالْكَلْبُ لَوْ طُرِدا ما اسْتكانا
تَلَذُّ الْخَبائِثَ نَفْسُ الْخَبِيثِ
…
فَاعْتَبِرِ الْجُعَلَ الْمُسْتَهانا
وما أشبه كل مال اليتيم ونحوه بالغُول، والسعلاة، والهر، والكلب، والسبع التي تأكل من لحوم الناس.
واعلم أن آكل مال اليتيم، والعالم الذي يشري بعلمه ثمناً قليلاً، والغني الذي يسأل الناس، يشبهون النعامة أيضاً؛ فإنها تأكل الجمر.
نعم هي تأكل الجمر حالاً، وهم يأكلون ما يؤول إلى الجمر مالاً، ولكن وجه المشابهة بينها وبينهم: أن النعامة تدرك من حرارة الجمر ما يمنعها من استعماله لولا ما في طبعها من ملاءمة حرارة الجمر، وكذلك العالم الباذل علمه في مقابلة الحطام، وآكل مال اليتيم، والسائل الغني، يدركون ضرر ما يأكلون، وإلا لم يكونوا مسلمين، ثم يأكلون لما صار في جبلتهم من استحلاء تناول ما ذكر.
والأدلة على ما سبق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10].
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [البقرة: 174].
وحديث حبشي بن جنادة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ يَسْأَلُ غَيْرَ فَقِيْرِ فَكَأنَّمَا يَأْكُلُ الجَمْرَ".
رواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم (1).
وفي لفظ: "فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الجَمْرَ"(2).
ورواه البيهقي بلفظ: "مَثَلُ الَّذي يَسْأَلُ فيْ غَيرِ حَاجَةٍ كَمَثَلِ الَّذِي
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 165)، والطبراني في "المعجم الكبير"(3506).
(2)
رواه ابن خزيمة في "صحيحة"(2446).
يَلْتَقِطُ الجَمْر" (1).
وفي رواية عند الطبراني: "مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ فيْ غَيرِ مُصِيْبَةٍ جَاحَتَهُ فَإِنَّمَا يلقمُ الرَّضفة"(2).
وفي رواية عنده أيضاً: "مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ لِيثْري بِهِ مَالهُ كَانَ خُموشًا في وَجْهِهِ وَرضيفاً فِي جَهَنَّمَ يَأْكُلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ"(3).
الرَّضَف - بالضاد المعجمة -: الحجارة المحماة، واحدتها: رضفة.
وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ أَمْوَالهِمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جمْرَ جَهَنَّمَ، فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ"(4).
وقلت في معنى ما ذكرته هنا: [من الخفيف]
مَنْ يَكُنْ آكِلَ الْحُطامِ بِعِلْمٍ
…
أَو لِمالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً وَقَهْراً
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3517).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(3505).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 96): رواه الطبراني في "المعجم الكبير" وفيه جابر الجعفي، وفيه كلام وقد وثقه الثوري وشعبة.
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(3504)، وكذا الترمذي (653).
(4)
تقدم تخريجه.