الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الليل، فيُشبِه ذهابَ جميعه. ولأن النصف الأول وقتٌ للعشاء في حال الاختيار، فلو جاز الأذان فيه لاشتبه على السامع الأذانان.
وعلى هذا فينبغي أن يكون الليلُ الذي يعتبر نصفه: أولُه غروبُ الشمس، وآخِرُه طلوعُها؛ كما لو كان النهارُ المعتبرُ نصفُه: أولُه طلوع الشمس، وآخِرُه غروبها؛ لانقسام الزمان إلى ليل ونهار. وإن كان في غير التنصيف يكون آخرُ الليل طلوعَ الفجر، وهو أولُ [ص 6] النهار.
ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الحديثين: «ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِر» يعني: الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر. وفي الآخر: «حين يمضي نصفُ الليل» يعني: الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس. فإنه إذا انتصف الليل الشمسي، يكون قد بقي ثلثُ الليل الفجري تقريبًا. ولو قيل: تحديدُ وقت العشاء
(1)
إلى نصف الليل تارةً وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب، وأنه إذا مضى ثلثُ الليل الشمسي، فقد قارب مضيّ نصفِ الليل الفجري= لكان وجيهًا
(2)
.
مسألة
(3)
: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول»)
.
(1)
في الأصل: «تحديده إلى العشاء» ، وفيه تحريف. والمثبت من «اختيارات ابن اللحام» . و «العشاء» ساقط من المطبوع.
(2)
في المطبوع: «متوجِّهًا» دون تنبيه، والمثبت من الأصل. وانظر: رسالة المصنف في «شرح حديث النزول» .
(3)
«المستوعب» (1/ 154 - 155)، «المغني» (2/ 85 - 92، 84، 54 - 55)، «الشرح الكبير» (3/ 105 - 113، 74 - 87، 43 - 45، 60 - 61)، «الفروع» (2/ 26 - 28، 15، 20 - 25).
هذا الحديث أخرجه الجماعة عن أبي سعيد: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول المؤذِّن»
(1)
.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه
(2)
.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر؛ ثم قال: أشهد أن لا اله إلا الله، قال: أشهد أن لا اله إلا الله؛ ثم قال: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: الله أكبر الله أكبر [قال: الله أكبر الله أكبر]
(3)
، ثم قال: لا إله إلا الله، [قال: لا إله إلا الله] من قلبه= دخل الجنَّة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود
(4)
.
(1)
أحمد (11020)، والبخاري (611)، ومسلم (383)، وأبو داود (522)، والترمذي (208)، والنسائي (673)، وابن ماجه (720).
(2)
أحمد (6568)، ومسلم (384)، وأبو داود (523)، والترمذي (3614)، والنسائي (678).
(3)
ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل والمطبوع. وكذلك ما يأتي.
(4)
مسلم (385)، وأبو داود (527)، ولم أجده في «المسند» .
وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أقامها الله وأدامها» . وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان. رواه أبو داود
(1)
.
وجاء ذلك
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة
(3)
، وعمرو بن العاص
(4)
، وابنه
(5)
، وأبي رافع
(6)
، ومعاوية
(7)
، وغيرهم.
وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال حين
(1)
برقم (528) من طريق محمد بن ثابت، عن رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم به.
إسناده ضعيف، ابن ثابت هو العبدي ضعيف كما في «الميزان» (3/ 495)، وشيخه مبهم، وشهر فيه مقال، وضعفه النووي في «الخلاصة» (1/ 295)، وابن رجب في «فتح الباري» (3/ 457).
(2)
يعني: إجابة المؤذن.
(3)
أخرجه النسائي (674)، وعبد الله في زوائده على «المسند» (8624).
وصححه ابن حبان (1667)، والحاكم (1/ 204).
(4)
لم أقف عليه، وعزاه إليه ابن قدامة في «المغني» (2/ 86).
(5)
تقدم تخريجه.
(6)
أخرجه أحمد (23866)، والنسائي في «الكبرى» (6/ 15)، والطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 144)، من طرق عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن علي بن الحسين، عن أبي رافع به.
إسناده ضعيف، شريك وعاصم يضعفان، قال ابن رجب في «فتح الباري» (3/ 451):«عاصم هذا ضعفوه، وقد اختلف عليه في إسناده» ، وكذا ضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 91).
(7)
أخرجه البخاري (612).
يسمع المؤذنَ: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. [ص 7] رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّد رسولًا، وبالإسلام دينًا= غُفِر له ذنوبُه
(1)
» رواه الجماعة إلا أحمد والبخاري
(2)
.
وهذا الذكر مستحبٌّ استحبابًا مؤكَّدًا، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ به، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحبابُ، حتى إنه إذا سمعه لم يشتغل عنه بصلاة نافلة، من تحية مسجد ولا سنَّة راتبة ولا غيرها، بل إذا دخل المسجد وسمع المؤذِّن بدأ بإجابته قبل التحية. نصَّ عليه
(3)
.
ويستحَبُّ أن لا يقوم إذا أخذ المؤذِّن في الأذان، لسبب آخر وهو أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط حتَّى لا يسمع التأذين، ففي التحرُّك عند سماع النداء تشبُّهٌ بالشيطان. قال أحمد رحمه الله
(4)
في الرجل يقوم، فيتطوَّع إذا أذَّن المؤذن، فقال: لا يقوم أولَ ما يبدأ ويصبر قليلًا. وقال أيضًا: يستحَبُّ له أن يكون ركوعه بعدما يفرغ أو يقرب من الفراغ، لأنه يقال: إن الشيطان يُدبر حين يسمع النداء.
وعلى هذا فيستحبُّ لمن كان قاعدًا أن لا يقوم عند سماع الأذان، سواء
(1)
في المطبوع: «ذنبه» كما في «صحيح مسلم» وغيره. والمثبت من الأصل، ومثله في «مصنف ابن أبي شيبة» (29249).
(2)
أحمد (1565)، ومسلم (386)، وأبو داود (525)، والترمذي (210)، والنسائي (679)، وابن ماجه (721).
(3)
وانظر: «مسائل الكوسج» (2/ 802).
(4)
في رواية الأثرم. انظر: «المغني» (2/ 89)، و «المبدع» (1/ 293).
أجابه في حال قيامه ومشيه، أم لم يجبه. وإن سمعه وهو في قراءة أو دعاء قطع، لأن إجابة المؤذن تفوت.
فإن كان في صلاة لم يقله؛ لأنَّ في الصلاة لشغلًا
(1)
. ولهذا لا يستحَبُّ له أن يؤمِّن
(2)
على دعاء غيره، ولا أن يصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ذكره، وهو في الصلاة. ويقوله إذا فرغ من الصلاة، ذكره القاضي. وكلام غيره يقتضي أنه لا يُستحبُّ؛ لأنه سنَّة فات محلُّها، فأشبهَ صلاةَ الكسوف بعد التجلِّي، وتحيةَ المسجد بعد الخروج منه. ولأنه ذكر معلَّق بسبب، فلم يُشرَع بعد انقضاء السبب، كالذكر المشروع عند دخول المسجد والخروج منه، والأكل والشرب والخلاء، ودعاء الاستفتاح والاستعاذة وغير ذلك.
فإن قاله في الصلاة لم تبطُل لأنَّه ذكرٌ لله، إلا أن يقول: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، فإنها تَبطُل؛ لأنه خطاب لآدمي. ولهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما جاء مفسَّرًا في رواية عمر وغيره. نصَّ عليه. واستحَبَّ بعضُ أصحابنا أن يجمع بين ذلك وبين الحيعلة أخذًا بظاهر القول:«فقولوا مثلَ ما يقولُ» مع أمره بالحوقلة.
والصحيح: الأول، لأن الروايات المفسِّرة من أمره وقوله تبيِّن الرواية
(1)
كما في البخاري (1216) ومسلم (538) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. واختيار المصنف: أن المصلِّي يستحب له إجابة المؤذن وهو في الصلاة، سواء كانت فريضة أو نافلةً. انظر:«الفروع» (2/ 28) و «اختيارات ابن اللحام» (ص 39).
(2)
في الأصل: «لا يستحب له لا يؤمن» ، والتصحيح من حاشيته.
المطلقة؛ ولأنَّ كلماتِ الأذان كلَّها ذكرٌ لله سبحانه، فاستُحِبَّ ذكرُ الله سبحانه عند ذلك. أمَّا الحيعلة، فإنها دعاء للناس إلى الصلاة، وسامع المؤذن لا يدعو أحدًا، فلم يُستحَبَّ أن يتكلَّم بما لا فائدة فيه. لكن لمَّا كان هو من جملة [ص 8] المدعوين شُرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دُعِيَ إليه، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة
(1)
، وبها يقتدر الإنسان على كلِّ فعل؛ إذ معناها: لا تحوُّلَ من حال إلى حال، ولا قدرةَ على ذلك إلا بالله سبحانه، فإنه خالقُ الأعمال والقوة
(2)
عليها. فجمعَتْ جميعَ الحركات والقدرة التي بها تكون الحركات في السماوات والأرض
(3)
. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. والمعنى الأول أجمع وأشبه
(4)
.
قال بعض أصحابنا: ويقول إذا قال المؤذِّن: «الصلاة خير من النوم» : صدقتَ وبررتَ، أو نحو هذا.
وقد قال أحمد بن ملاعب
(5)
: سمعتُ أبا عبد الله ما لا أحصيه، وكان
(1)
كما في حديث أبي موسى في البخاري (4205) ومسلم (2704).
(2)
في الأصل والمطبوع: «القوى» . وفي حاشية الأصل: «كذا» . ولعل الصواب ما أثبت.
(3)
ونحوه في «بغية المرتاد» (ص 263) وشرح حديث النزول في «مجموع الفتاوى» (5/ 574).
(4)
وصوَّبه في شرح حديث النزول.
(5)
فيما رواه عنه الخلال. انظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 195). وهو الحافظ أحمد بن ملاعب بن حبَّان المخرِّمي (191 - 275) وثَّقه الدارقطني وغيره. ترجمته في «الطبقات» و «سير أعلام النبلاء» (13/ 42 - 43).