الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأيضًا فإنَّ هذا مثلة، وهو ملوِّث، مؤذٍ، يتناثر رطبًا ويابسًا، فلا يحصل به مقصود الستر في الغالب. وأيضًا فإن الفرائض من الجمعة والجماعة تسقط، إذا خيف تأذِّيه بمطر أو بوحَل مع سخونة الهواء، فكيف يؤمر بأن يتطيَّن. وأيضًا فسنبيِّن إن شاء الله تعالى أنه لا يجب عليه أن يسجُدَ على الطين. فإذا سقط تكميل الركن لتلوُّث جبهته ويديه، فتلويثُ جميع عورته أولى [ص 107] أن لا يجب.
وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وإن كان كدرًا. وكذلك إن وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها؛ لأنَّ ذلك لا يحصِّل مقصودَ الستر الواجب. لكن ينبغي
(1)
أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إذا أمكن، لأنَّ ذلك أحسن من التعرِّي في الفضاء. ولذلك أُمِر المغتسل والمتخلِّي أن يستتر بما أمكنه من ذلك.
وإن وجد سترةً تضرُّه كالباريّة
(2)
لم يلزمه الاستتارُ بها.
فصل
إذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبةً منه استتر وبنى
، لأنها حينئذ وجبت عليه. وليس الاستتار بها عملًا
(3)
يُبطِل الصلاةَ، فأشبه الأمةَ إذا أُعتِقت في الصلاة، والخِمارُ بقربها.
وإن كانت السترة بعيدة منه، بحيث تكون مسافتها مما تبطل الصلاة
(1)
في الأصل حاشية: «خ يستحب له» .
(2)
الباريَّة: الحصير الخشن (المصباح المنير). وانظر في أصل الكلمة: «المعرّب» للجواليقي ط. دار القلم (ص 159).
(3)
في الأصل: «عمل» ، وتصحيحه من حاشية الناسخ.
بقطعها
(1)
، أو كان يحتاج الاستتارُ
(2)
بها إلى عمل كثير، فإنه يستتر، ويستأنف في ظاهر المذهب، كالمتيمِّم إذا وجد الماءَ، وقلنا: يخرج؛ وكالمستحاضة إذا انقطع دمها انقطاعًا يوجب الوضوء.
وفيه وجه مخرَّج على من سبقه الحدث: أنه يستتر ويبني، كالوجه المخرَّج في المتيمم والمستحاضة.
والصحيح: الفرق بين مَن حدث المُبطِل له في أثناء الصلاة، ومن كان المُبطِل موجودًا معه من أولها، لكن لم يظهر عمله
(3)
للعذر، كما تقدَّم. وإنما نظير المتوضئ هنا الأمة إذا أُعتقت في أثناء الصلاة والسترة بعيدة منها، أو كان المصلِّي مستترًا فأطارت الريح سترته، واحتاج ردُّها إلى عمل كثير، فإنَّ هذا كالمتطهِّر الذي سبقه الحدث، لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحًا من غير قيام المُبطِل، بخلاف العاري والمستحاضة والمتيمم، فإنَّ المبطل كان مقارنًا لأول الصلاة، وإنما عفي عنه للضرورة، ولا ضرورة إذا زال العذر في أثناء الصلاة. ولهذا قلنا: إن الإمام إذا علِم بحدث نفسه في أثناء الصلاة استأنف المأمومون الصلاة، ولو لم يعلم حتى قضَوا الصلاة لم يُعيدوا.
وإن وجد البعيدُ عن السترة من يناوله إياها من غير عمل بطلت في أحد الوجهين، لانكشاف العورة زمنًا طويلًا بعد وجوب الستر. ولم تبطل في الآخر إذا ناوله إياها من غير تراخٍ، وهو اختيار الآمدي، لأنه لم يوجد منه عملٌ، وقد أتى بالستر على الوجه الممكن؛ لأنَّ وجوب الستر بالقدرة على
(1)
في الأصل والمطبوع: «يبطل الصلاة يقطعها» .
(2)
في الأصل والمطبوع: «إلى الاستتار» . والظاهر أن «إلى» سهو من الناسخ.
(3)
كذا في الأصل، وفي المطبوع:«علمه» ، ولعل الصواب:«حكمه» .
الستر، لا بنفس ظهور السترة.
فصل
ولا تسقط السُّترة بجهل وجوبها ولا نسيانٍ لها، كما تسقط بالعجز. فلو نسي الاستتار وصلَّى أو جهِل وجوبه، أو أُعتقت الأمة في أثناء الصلاة [ص 108] ولم تعلَم حتى فرغت= لزمتهم الإعادة. قاله أصحابنا، لأنَّ الزينة من باب المأمور به، فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث.
وهذا لأنَّ الناسي والجاهل يجعل وجودَ ما فعله كعدمه، لأنه معفوٌّ عنه. فإذا كان قد فعل محظورًا كان كأنه لم يفعله، فلا إثم عليه، ولا تلحقه أحكام الإثم. وإذا ترك واجبًا ناسيًا أو جاهلًا، فلا إثم عليه بالترك، لكنه لم يفعله، فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله، إذا كان الفعل ممكنًا. وبهذا يظهر الفرق بين الزينة واجتناب النجاسة.
ولأنَّ التزيُّن هو الأمر المعتاد الغالب، فتركُه مع القدرة لا يكون إلا نادرًا، فلم يُفرَد بحكم.
فصل
ويُعفى عن يسير العورة قدرًا أو زمانًا. فلو انكشف منها يسير، وهو ما لا يفحُش في النظر في جميع الصلاة، أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة، أو انحلَّ مئزُره، فربطه= لم تبطل صلاته. وسواء في ذلك العورة المغلَّظة والمخففة. إلا أنَّ ما يعفى عنه من العورة المخففة أكثرُ مما يعفى عنه من المغلظة؛ لأنه يفحش من هذا في العُرف أكثر مما يفحش من هذا. وقال القاضي وغيره: هما سواء في مقدار العفو.
وعن أحمد ما يدل على أنه لا يُعفَى عن يسير العورة، كما لا يعفى عن يسير طهارة الحدث
(1)
. ولأنه يجب ستره عن العيون، فاشتُرِط سترُه في الصلاة.
وعنه: التوقُّف في ظهور جميع العورة، إذا أعاد السَّترَ بسرعة.
وحكي عنه: أنَّ اليسير إذا طال زمانه أبطل، وإن لم يُبطل الكثير إذا قصر زمانه
(2)
. وقال أبو الحسن التميمي: إن بدت عورته وقتًا، واستترت وقتًا، فلا إعادة عليه
(3)
. ولم يقيِّده بالزمن اليسير، لظاهر حديث عمرو بن سلمة.
والأول هو المشهور، لما روى عمرو بن سلَمة في قصة إسلام قومه لما ذكر أنه صلَّى بقومه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكانت عليَّ بُردةٌ إذا سجدتُ تقلَّصَتْ عَنِّي. فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تُغَطُّوا عنَّا استَ قارئكم! فقطعَوا لي قميصًا. رواه البخاري
(4)
.
ومن احتجَّ بهذا قال: هذه قضية جرت لهؤلاء الصحابة، ولا يكاد مثلُها يخفى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسائر أصحابه، ولم ينكِر، فصارت حجَّةً من جهة إقراره، ومن جهة أنَّ أحدًا من الصحابة لم ينكِر ذلك. ولا يقال: فأنتم تقولون
(5)
بهذا في إمامة الصبي في الفرض، لأنَّا سنتكلَّم عليه إن شاء الله تعالى في موضعه.
(1)
«شرح الزركشي» (1/ 612)، و «المبدع» (1/ 323).
(2)
«المبدع» (1/ 324).
(3)
نقل قول التميمي في «المغني» (2/ 288).
(4)
برقم (4302).
(5)
كذا في الأصل والمطبوع. ولعل الصواب: «لا تقولون» .
ولأنه قد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء: «لا ترفعن رؤوسكنَّ حتَّى يستوي الرجال جلوسًا، لا ترَينَ عوراتِ الرجال [ص 109] من ضِيق الأزُر»
(1)
وكانوا يعقِدون أُزُرَهم على أكتافهم
(2)
، ولولا أنَّ يسير العورة يُعفَى عنه لأمَر الرجالَ بإعادة الصلاة منه، كما أمَر النساءَ بغضِّ أبصارهن عنه، أو لأَمَر بذلك من كان يمكنه الاتزارُ بإزار واسع، ولأَمَرهم
(3)
بالائتزار على وجهٍ لا يؤدِّي إلى كشف شيء من العورة، بأن يأتزروا على العورة فقط، كما ذكره في الإزار الضيِّق، فإنَّ سترَ العورة أهمُّ من ستر المنكب، فإنَّ الناس قائلان: قائلٌ يقول: يجب عليه أن يستر العورة ويسجُدَ، وقائلٌ يقول: يستر المنكبَ ويصلِّي جالسًا مومئًا. فأمَّا أن يسترَ المنكبَ ويسجُدَ مكشوفَ السوءة، فليس بجائز وفاقًا.
وأيضًا فإنَّ ذلك يشقُّ عمومُ الاحتراز منه، فإنَّ المآزر والسراويلات تنحطُّ في العادة عن السرَّة قليلًا، والمرأة يبدو طرفُ
(4)
شعرها ورُصْغها
(5)
كثيرًا، وأكثر الفقراء لا تسلَم أثوابهم من يسير فَتْق أو خَرق.
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد: «أوَلِكلِّكم ثوبان؟»
(6)
. فلم يوجب من السترة إلا ما يجده عامَّة الناس دون ما يجد
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
نبَّه الناسخ على أن في الأصل: «ولأمرهن» . يعني أنه أصلحه.
(4)
في المطبوع: «أطراف» ، والمثبت من الأصل.
(5)
غيَّره في المطبوع إلى «رسغها» بالسين، وقد سبق نحوه.
(6)
سبق تخريجه.
ه ذوو اليسار. وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبدو بعضُ فخذه
(1)
. فعُلِم أنه ليس بمحرَّم.
ولأنه لما عفي عن الكثير في الزمن اليسير، فكذلك اليسيرُ في الزمن الكثير. ولأنه شرطٌ للصلاة ليس له بدلٌ، فعفي عن يسيره كاجتناب النجاسة. وطردُه: القبلةُ في الانحراف اليسير، والنيةُ في تقدُّمها بالزمن اليسير.
ولأنه إخلالٌ بيسير من الشرائط، يشقُّ مراعاته في الجملة، فعفي عنه، كيسير النجاسة. وطردُه: طهارةُ الحدث، عفي فيها عن باطن الشعور الكثيفة لما شقَّت مراعاتها، بخلاف البشرة الظاهرة فإنه لا يشقُّ غسلُها. ولأنَّ الصلاة تصح مع كثيرها للضرورة، فجاز أن تصح مع يسيرها مطلقًا، كالعمل الكثير.
والمناسبة في هذه الاقيسة ظاهرة.
وحدُّ اليسير: ما لا يفحُش في النظر في عرف الناس وعادتهم، إذ ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، وإن كان يفحُش من الفرجين ما لا يفحُش من غيرهما.
فصل
والعراة يصلُّون جماعةً، ويقف إمامهم وسطَهم، لأنهم من أهل الجماعة، وهي واجبة عليهم. ولأنَّ الجماعة مشروعة في الخوف، مع ما فيها من العمل الكثير وفراق الإمام وغير ذلك، فَلَأَنَ تُشرَع هنا أولى. ويؤمر كلُّ واحد منهم بغضّ بصره، كما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم النساء بغضِّ أبصارهن عن
(1)
سبق تخريجه.
الرجال
(1)
.
ويصلُّون صفًّا واحدًا إن أمكن. وإن ضاق المكان عنهم فقيل: يصلُّون جماعتين. وقيل: بل يصلُّون صفوفًا، [ص 110] وهو أصحُّ.
وإن كانوا رجالًا ونساءً، والمكان واسع، صلَّى كلُّ نوع لأنفسهم. وإن كان ضيِّقًا صلَّى الرجالُ، واستدبرهم النساء. ثم صلَّى النساء، واستدبرهنَّ الرجال.
وإن بُذِلت سترة واحدة للعراة، فقال أصحابنا: يصلُّون فيها واحدًا
(2)
بعد واحد، لأنَّ مصلحة السَّتر أهمُّ من مصلحة الجماعة، إلا أن يخافوا ضيقَ الوقت، فيستتر بها أحدُهم، ويصلِّي الباقون عُراةً.
وقيل: يصلُّون فيه واحدًا
(3)
بعد واحد، وإن فات الوقت، لأنَّ المحافظة على الشرط مع إمكانه أولى من إدراك الوقت؛ كما لو وجد ماءً لا يمكنه استعماله إلا بعد فوات الوقت، أو سترةً يخاف فواتَ الوقت إن تشاغل بالمشي إليها والاستتار بها.
والأول: المذهب، لأنَّ من خوطب بالصلاة في أول الوقت، وهو عاجزٌ عن شرط أو ركن في الحال، قادرٌ
(4)
على تحصيله بعد الوقت= لم يجُز له تأخير الصلاة عن وقتها. ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة
(1)
مرَّ آنفًا.
(2)
في المطبوع: «واحد» ، والمثبت من الأصل.
(3)
في المطبوع: «واحد» خلافًا للأصل.
(4)
في الأصل والمطبوع: «قادرًا» .