المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والثاني: ما يعرضون فيه، ولا يقيمون، مثل السوق وموضع النوم - شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الصلاة في أصل اللغة:

- ‌مسألة(2): (فمَن جحَد وجوبَها لجهله عُرِّف ذلك، وإن جحَدها عنادًا كفَر)

- ‌ مسألة(5): (فإنْ ترَكها تهاونًا استُتيب ثلاثًا. فإن تاب وإلّا قُتِل)

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌مسألة(1): (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء)

- ‌الفصل الثاني: أنه لا يُشرَع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث: أنَّ النساء لا يُشرَع لهن أذان ولا إقامة

- ‌مسألة(2): (ويقول في أذان الصبح: «الصلاةُ خيرٌ من النوم» مرَّتَين بعد الحَيعلة)

- ‌مسألة(2): (ولا يؤذن قبل الوقت إلا لها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أم مكتوم»)

- ‌مسألة(3): (قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول»)

- ‌يستحَبُّ للمؤذن أن يقول سرًّا مثل ما يقول علانية

- ‌يُستحبُّ إذا سمع الإقامة أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن

- ‌فصلالسنَّة أن يقيم من أذَّن

- ‌السنَّة أن يكون الأذان والإقامة في موضع واحد

- ‌فصليستحبُّ أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين

- ‌باب شرائط(1)الصلاة

- ‌مسألة(2): (وهي ستة

- ‌ مسألة: (أحدها: الطهارة من الحدث، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاةَ مَن أحدَث حتَّى يتوضَّأ»(1). وقد مضى ذكرها

- ‌مسألة(3): (الثاني: الوقت)

- ‌مسألة(3): (ووقت الظهر(4): من زوال الشمس إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثلَه)

- ‌مسألة(3): (ووقت العصر ــ وهي الوسطى ــ من آخر وقت الظهر إلى أن تصفرَّ الشمس. ثم يذهب وقتُ الاختيار، ويبقى وقتُ الضرورة إلى غروب الشمس)

- ‌الفصل الثالث: أن وقت الضرورة يبقى إلى أن تغيب جميع الشمس

- ‌مسألة(4): (ووقت المغرب: من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر)

- ‌مسألة(2): (ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل. ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني)

- ‌مسألة(1): (ووقت الفجر: من ذلك إلى طلوع الشمس)

- ‌مسألة(1): (ومن كبَّر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها)

- ‌مسألة(1): (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلَّا عشاءَ الآخرة، وفي شدة الحرِّ الظهر)

- ‌الفصل الثاني في(2)تفصيل الصلوات

- ‌أمَّا الجمعة، فالسنَّة أن تصلَّى في أول وقتها في جميع الأزمنة

- ‌فصليجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها

- ‌مسألة(2): (الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشَرة)

- ‌مسألة(2): (وعورة الرجل والأَمة: ما بين السرَّة والركبة. والحرَّة كلُّها عورة إلا وجهها وكفَّيها. وأمُّ الولد والمعتَق بعضُها كالأمة)

- ‌الفصل الثاني في عورة المرأة الحرَّة البالغة

- ‌مسألة(1): (ومن صلَّى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصحَّ صلاتُه)

- ‌مسألة(2): (ولبسُ الحرير والذهب مباحٌ للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة

- ‌من حَرُم عليه لبسه حَرُم عليه سائر وجوه الاستمتاع به

- ‌الفصل الثاني في الذهب

- ‌القسم الثاني: التحلِّي به

- ‌مسألة(2): (ومن صلَّى من الرجال في ثوب واحد، بعضُه على عاتقه، أجزأه ذلك)

- ‌مسألة(4): (فإن لم يجد إلا ما يسترُ عورته ستَرها)

- ‌الصورة الثانية: أن يستر الثوبُ منكبيه وعجيزته، أو عورته

- ‌مسألة(1): (فإن لم يكفِ جميعَها ستَر الفرجَين. فإن لم يكفهما ستَر أحدهما)

- ‌مسألة(1): (فإن عَدِم بكلِّ حال صلَّى جالسًا يومئ بالركوع والسجود. وإن صلَّى قائمًا جاز)

- ‌مسألة(3): (ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا صلَّى فيهما، ولا إعادة عليه)

- ‌فصلإذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبةً منه استتر وبنى

- ‌متى ضاق وقتُ الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل قُدِّم الفعلُ في الوقت بدون الشرط

- ‌فصليُكرَه السَّدْلُ في الصلاة

- ‌فصليُكرَه للمصلِّي تغطيةُ الوجه، سواء كان رجلًا أو امرأةً

- ‌فصلفأمَّا الأصفر، فلا يُكرَه، سواء صُبغ بزعفران أو غيره

- ‌مسألة(1): (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسةَ المعفوَّ عنها كيسير الدم ونحوه)

- ‌مسألة(2): (فإن صلَّى وعليه نجاسة لم يكن علِمَ بها، أو علِمَها ثم نسيها، فصلاته صحيحة. وإن علِمها في الصلاة أزالها وبنَى على صلاته)

- ‌مسألة(1): (والأرضُ كلُّها مسجدٌ تصح الصلاة فيها إلا المقبرةَ والحُشَّ والحمَّامَ وأعطانَ الإبل)

- ‌الفصل الثانيفي المواضع المستثناة التي نُهِيَ عن الصلاة فيها

- ‌ المقبرة والحمَّام

- ‌ أعطان الإبل

- ‌ قارعة الطريق

- ‌الفصل الثالثفي الصلاة في المواضع المنهيِّ عن الصلاة فيها

- ‌الفصل الرابعأنَّ أكثر أصحابنا لا يصحِّحون الصلاة في شيء من هذه المواضع، ويجعلونها كلَّها من مواضع النهي

- ‌الفصل الخامسفي تحديد هذه الأماكن

- ‌ المقبرة

- ‌ الحُشُّ

- ‌الفصل السادسفي عُلو هذه الأمكنة وسطوحها

- ‌فصلقال الآمدي وغيره: تُكرَه الصلاة في الرَّحَى

- ‌فصلالسنَّة أن يكون موضع الصلاة مستقرًّا مع القدرة

- ‌السبب الثاني: الوحل

- ‌السبب الثالث: المرض

- ‌مسألة(1): (الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلَّا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلِّي حيث كان وجهُه

- ‌الفصل الثاني: أن استقبال القبلة يسقط مع العلم بجهتها في موضعين:

- ‌أحدهما: إذا عجز عن استقبالها

- ‌الموضع الثاني: في صلاة النافلة في السفر

- ‌مسألة(4): (فإن كان قريبًا منها لزمته الصلاة إلى عينها. وإن كان بعيدًا فإلى جهتها)

- ‌مسألة(3): (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدلَّ بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة. وإن خفيت في السفر اجتهد وصلَّى، ولا إعادة عليه وإن أخطأ)

- ‌ دلائل السماء

- ‌فصلومنها: النجوم

- ‌مسألة(3): (وإن اختلف مجتهدان لم يتبَع أحدُهما صاحبَه. ويتبع(4)الأعمى والعامِّيُّ أوثقهَما في نفسه)

- ‌مسألة(1): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها)

- ‌مسألة(1): (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها)

- ‌فصلإذا قطع النيةَ في الصلاة بطلت

- ‌باب أدب المشي إلى الصلاة

- ‌مسألة(1): (يستحبُّ المشيُ إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خُطاه، ولا يشبِّك أصابعه)

- ‌مسألة(1): (ثم يقول: بسم الله {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} الآيات إلى قوله: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 78 - 89]. ويقول(2): اللهم إني أسألك بحقِّ السائلين عليك، إلى آخره)

- ‌مسألة: (فإن سمع الإقامةَ لم يَسْعَ إليها)

- ‌مسألة(1): (وإذا أتى المسجدَ قدَّم رجله اليمنى في الدخول، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله

- ‌باب صفة الصلاة

- ‌مسألة(4): (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهَر بها الإمام وسائرِ التكبير، لِيُسْمِعَ مَن خلفه، ويُخفيه غيرُه)

- ‌مسألة(5): (ويرفع يديه عند ابتداء تكبيره إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه)

- ‌مسألة(6): (ويجعلهما تحت سُرَّته)

- ‌مسألة(5): (ويجعل نظره إلى موضع سجوده)

- ‌وخشوع البصر: ذُلُّه واختفاضه

- ‌يستحَبُّ في التشهد أن ينظر إلى إشارته

- ‌مسألة(2): (ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك»)

- ‌فصلإذا نسي الاستفتاح في موضعه لم يأت به في الركعة الثانية

- ‌مسألة(1): (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

- ‌أحدها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»

- ‌ثانيها: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»

- ‌مسألة(1): (ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرجيم، ولا يجهر بشيء من ذلك

- ‌السنَّة: الإسرار بها

- ‌مسألة(1): (ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاةَ لمن لم يقرأ بها، إلا المأموم فإنَّ قراءة الإمام له قراءة

- ‌الفصل الثانيأن المأموم لا تجب عليه القراءة

- ‌فيه لغتان: «أمين» على وزن فعيل، و «آمين» على وزن فاعيل

- ‌مسألة(4): (ثم يقرأ سورةً تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوساطه)

- ‌ينبغي أن يطيل الركعة الأولى على الثانية من جميع الصلوات

- ‌لا بأس أن يقرأ سورتين وأكثر في ركعة في النافلة

- ‌[باب صلاة الخوف]

- ‌[مسألة(1): (وتجوز صلاة الخوف على كلِّ صفة صلَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرُس، والأخرى تصلِّي معه ركعةً

- ‌الصفة الثانية:

- ‌ الصفة الثالثة

- ‌مسألة(3): (وإذا(4)اشتدَّ الخوف صلَّوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة أو إلى غيرها يومئون بالركوع والسجود. وكذلك كلُّ خائف على نفسه يصلّي على حسب حاله، ويفعل كلَّ ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره)

- ‌متى أمِن في صلاة خوف أتمَّها صلاة أمن

- ‌باب صلاة الجمعة

- ‌مسألة: (كلُّ من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، إذا كان مستوطنًا ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون، إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمعذور

الفصل: والثاني: ما يعرضون فيه، ولا يقيمون، مثل السوق وموضع النوم

والثاني: ما يعرضون فيه، ولا يقيمون، مثل السوق وموضع النوم عن الصلاة. فهذا تُكرَه الصلاة فيه، نصَّ عليه. ومتى أمكن طردهم بالصلاة والذكر لم تُكرَه الصلاة. ولهذا لم تكره الصلاة على البعير ولا إليه، بخلاف البقعة التي اتخذها موطنًا ومدارًا

(1)

.

‌الفصل الخامس

في تحديد هذه الأماكن

أما‌

‌ المقبرة

، فلا فرق فيها بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وما انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق بين أن يكون بينه وبين الأرض حائل أو لا يكون؛ لما تقدَّم من الأحاديث وعمومها لفظًا ومعنًى، ولأنَّا قد بيَّنًا أنه لا يجوز أن يراد بتلك الأحاديث المقبرة العتيقة المنبوشة فقط، لأنه نهى عن الصلاة في المقبرة، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن اتخاذ قبر النبي أو الرجل الصالح مسجدًا، ومعلوم أنَّ قبور الأنبياء لا تُنبش؛ ولأن عامَّة مقابر المسلمين كانت جديدة، ولا يجوز أن يطلق «المقبرة» ، ويريد بها مقابر المشركين العُتُق، مع أنَّ المفهوم عندهم مقابرهم. ولا يجوز أن يريد بها ما يتجدَّد من القبور العُتُق، دون المقابر الموجودة في زمانه وبلده، فإنَّ ما يعرفه المتكلِّم من أفراد العامِّ هو أولى بالدخول في كلامه.

ثم إنه لو أراد القبور المنبوشة وحدها لوجب أن يقرُن بذلك قرينةً تدلُّ عليه، وإلَّا فلا دليل يدلُّ على أنَّ المراد هو هذا. ومن المحال أن يُحمَل الكلامُ على خلاف الظاهر المفهوم منه من غير أن يُنصَب دليلٌ على ذلك.

(1)

في الأصل: «قدارا» ، وفي المطبوع:«دارًا» ، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 468

ثم إنه نهانا عما كان يفعله أهل الكتابين من اتخاذ القبور مساجد، وأكثر ما اتخذوه من المساجد مقبرة جديدة، بل لا يكون إلا كذلك. ثم هم يفرشون [ص 162] في تلك الأرض مفارش تحول بينهم وبين تربتها، فعُلِمَ أنه صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك.

وبالجملة، فمَن جعَل النهي عن الصلاة في المقبرة لأجل نجاسة الموتى فقط، فهو بعيد عن مقصود النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما تقدَّم.

ثم لا يخلو إمَّا أن يكون القبر قد بُني عليه مسجد، فلا يصلَّى في هذا المسجد، سواء صلَّى خلف القبر أو أمامه، بغير خلاف في المذهب؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك»

(1)

. وقال: «لعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»

(2)

وقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوا على قبره مسجدًا» الحديث

(3)

. وقال: «لعن الله زوَّاراتِ القبور والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرُجَ»

(4)

فعمَّ بالنهي أن يُتَّخذ شيءٌ من القبور مسجدًا، وخصَّ قبورَ الأنبياء والصالحين؛ لأنَّ عكوفَ الناس على قبورهم أعظم، واتخاذَها مساجد أكثر. ونصَّ على النهي عن أن يُتَّخذ قبر واحد مسجدًا، كما هو فعل أهل الكتاب. ولذلك إن

(1)

تقدَّم تخريجه.

(2)

تقدَّم تخريجه.

(3)

تقدَّم تخريجه.

(4)

تقدَّم تخريجه.

ص: 469

لم يكن عليه مسجدٌ، لكن قصَده إنسان ليصلِّي عنده، فهذا قد ارتكب حقيقةَ المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، وقد اتخذ القبورَ مساجدَ يقصدها للصلاة فيها، والصلاة عندها، كما يُقصَد المسجدُ الذي هو مسجدٌ للصلاة فيه؛ فإنَّ كلَّ مكان أُعدَّ للصلاة فيه أو قُصِد لذلك فهو مسجد. بل كلُّ ما جازت الصلاة فيه فهو مسجد، كما قال:«جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا»

(1)

وقال عليه السلام: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام»

(2)

وسواء كان في بيت أو مكان محوط، وقد بُني عليه بناءٌ لأجله أو لم يكن.

وأما إن كان في موضعٍ قبرٌ وقبران، فقال أبو محمد

(3)

: لا يُمنَع من الصلاة هناك؛ لأنه لا يتناولها اسمُ المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا. وليس في كلام أحمد وعامَّة أصحابه هذا الفرق، بل عمومُ كلامهم وتعليلُهم واستدلالُهم يوجِب منع الصلاة عند قبر من القبور. وهذا هو الصواب، فإنَّ قوله صلى الله عليه وسلم:«لا تتخذوا القبور مساجد»

(4)

أي

(5)

لا تتخذوها موضع سجود. فمن صلَّى عند شيء من القبور فقد اتخذ ذلك القبر مسجدًا؛ إذ المسجدُ في هذا الباب، المرادُ به: موضع السجود مطلقًا، لاسيَّما ومقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد، فيكون المقصود: لا يُتَّخَذ قبرٌ من القبور

(1)

تقدَّم تخريجه.

(2)

تقدَّم تخريجه.

(3)

في «المغني» (2/ 470).

(4)

تقدَّم تخريجه.

(5)

في الأصل: «ألا» ، وفي حاشيته:«لعله: أي» .

ص: 470

مسجدًا من المساجد. ولأنه لو اتُّخِذ قبرُ نبيٍّ أو قبرُ رجل صالح مسجدًا لكان حرامًا بالاتفاق، كما نهى عنه صلى الله عليه وسلم، فعُلِمَ أنَّ العدد لا أثر له. وكذلك قصدُه للصلاة فيه وإن كان أغلظ، لكن هذا الباب [ص 163] سُوِّي في النهي فيه بين القاصد وغير القاصد سدًّا لباب الفساد. ولأنه قد تقدَّم عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تصلِّ في حمام ولا عند قبر

(1)

.

قال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلَّى فيه. فعلى هذا ينبغي أن يكون المنع متناولًا

(2)

لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف اليه.

قال أصحابنا: ولا تجوز الصلاة في مسجد بُني على المقبرة، سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفًا.

فأمَّا إن لم يكن في أرض المقبرة، وكانت المقبرة خلفه أو عن يمينه أو عن شماله، جازت الصلاة فيه. يعنون: إذا لم يكن قد بُني لأجل صاحب القبر. فأما إن بُني لأجل صاحب القبر بأن يُتَّخَذ موضعًا للصلاة، لمجاورته القبرَ وكونه في فنائه، فهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما إن كانت المقبرة أمامه، فسيأتي إن شاء الله.

هذا قول القاضي وغيره. وقال ابن عقيل

(3)

: إن بني بعد أن تقلَّبت

(1)

سبق تخريجه.

(2)

في الأصل: «مساوٍ لا» ، وفي هامشه:«لعله مساويا» ، والصواب ما أثبت من المطبوع.

(3)

في «الفصول» كما في «الإنصاف» (3/ 308).

ص: 471

أرضُها بالدفن لم تجُز الصلاة فيه. وإن بُني مسجدٌ في ساحة طاهرة، وجُعلت الساحة مقبرةً، فالمسجد على أصل جواز الصلاة، لأن أكثر ما فيه أنه في جوار مقبرة، فلم يمنع من الصلاة فيه، كسائر ما جاورها من الدور والمساجد.

والصحيح أنه لا فرق في بناء المسجد في المقبرة بين أن تكون جديدة أو عتيقة، كما تقدَّم.

وقال جماعة كثيرة من أصحابنا: إن بني مسجد في المقبرة لم تصحَّ الصلاة فيه بحال؛ لأن أرضه جزء من المقبرة. وإن كان المسجد متقدِّمًا فاتُّخِذ ما حوله مقبرة جازت الصلاة فيه، إلا أن تكون المقبرة في قبلته. وفَسَّروا إطلاق القاضي وغيره بهذا.

فإن زال القبر إمَّا بنبش الميِّت وتحويل عظامه مثل أن تكون مقبرة كفار، أو ببِلاه وفنائه إذا لم يبق هناك صورة قبر؛ فلا بأس بالصلاة هناك، لأنَّ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فيه قبور المشركين، فأمَر بها، فنُبشت لمَّا أراد بناءه.

وإن لم يعلم بِلاه

(1)

، أو كان ممن يعلم أنه لم يَبْلَ

(2)

، لكن قد ذهب تمثالُ القبر واندرس أثره، بحيث لم يبق علَمٌ على الميت، ولا يظهر أنَّ هناك أحدًا مدفونًا= فهنا ينبغي أن تجوز فيه الصلاة إذا لم يقصد الصلاة عند المدفون هناك، لأن هذا ليس صلاةً عند قبر، ولا يقال لمثل هذا مقبرة.

(1)

في الأصل: «بناه» ، وفي هامشه:«لعله: بلاه» ، وكذا في المطبوع.

(2)

في الأصل: «لا يبلى» والمثبت من المطبوع.

ص: 472

ولهذا يقال: إنَّ إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حِجْر البيت

(1)

، ويقال: إنَّ جماعة من الأنبياء مدفونون بمسجد الخَيف

(2)

، وآخرين مدفونون بين زمزم والمقام

(3)

؛ مع أنَّ الصلاة هناك جائزة حسنة بالسنَّة المتواترة والإجماع، لأنه لا يُتوهَّم أن تلك الأمكنة مقابر، ولا أنَّ الصلاة عندها صلاةٌ عند قبر، ولأن الصلاة عند القبور كُرِهت خشيةَ أن تُتَّخذ [ص 164] أوثانًا تُعبَد. فإذا كان هناك تمثالٌ أو عَلَمٌ يُشعِر بالمدفون كان كصورته المصوَّرة إذا صُلِّي عنده، فيصير وثنًا. أما إذا فُقِد هذا كلُّه، فلا عين ولا أثر، وليس فيه ما يفضي إلى اتخاذ القبور وثنًا، حتَّى لو فرِضَ خشيةُ ذلك نُهِي عنه.

فصل

وأمَّا الحمَّام، فقال أصحابنا: لا فرق فيه بين المغتسَل الذي يتعرَّى الناس فيه ويغتسلون فيه من الوسطاني والجوَّاني، وبين المسلخ وهو الموضع الذي توضع فيه الثياب. بل كلُّ ما دخل في مسمَّى الحمام لا يصلَّى فيه. ويدخل في ذلك كلُّ ما أُغلِق عليه بابُه.

(1)

انظر: «الطبقات الكبير» لابن سعد (1/ 35)، وقال الألباني في «تحذير الساجد» (69):«لم يثبت في حديث مرفوع أن إسماعيل عليه السلام أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام» .

(2)

أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (4/ 237)، والطبراني في «الكبير» (12/ 414)، وضعفه الألباني في «تحذير الساجد» (68).

(3)

أخرجه عبد الرزاق (9129)، وأحمد في «المسائل برواية صالح» (42) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (3/ 441) ــ، والأزرقي في «أخبار مكة» (1/ 68)، عن عبد الله بن ضمرة السلولي موقوفًا عليه، وانظر:«السلسلة الضعيفة» (12/ 648).

ص: 473

وكذلك أتُّون الحمام، لا تجوز الصلاة فيه، لأنه مزبلة. هذا تعليل القاضي وغيره. فعلى هذا إذا عُلِمَ أنه لا يوقد فيه إلا وقود طاهر، فهو كالمزبلة التي عُلِمَ أنه لا يوضع فيها إلا شيء طاهر. وجعل ابن عقيل وغيره الأتُّون داخلًا في مسمَّى الحمام، فيكون النهي فيه لعلَّتين.

وقيل: تجوز الصلاة فيما ليس مظنّةً للنجاسة من الحمام كالمسلَخ ونحوه تعليلًا للحكم بكون البقعة مظنَّةَ النجاسة، فإذا تيقّن طهارتها زال سبب المنع.

والأول: المذهب، للنصوص المتقدِّمة. فإنَّ اسم الحمَّام يشمل الجوَّاني والبرَّاني، فلا يجوز التفريق بينهما في كلام الشارع؛ ولأن العلَّة لو كانت مجرَّد النجاسة المتيقَّنة

(1)

لم يكن فرق بين الحمام وغيره

(2)

. ولو كانت مظنة

(3)

النجاسة أو توهّمها لوجب أن تحرُم الصلاةُ في كلِّ بقعة شككنا في نجاستها إذا أمكن نجاستها.

وقد تقدَّم أن العلَّة التي أومأ الشارع إليها كونها محتضرة من الشياطين

(4)

، وهذا القدر يعمُّها كلَّها. ثم لو كانت العلَّة مجرَّد أنها مظنَّة النجاسة، فالصور النادرة قد لا يلتفت الشارع إلى استثنائها إلحاقًا للنادر بالغالب، كما هو في أكثر المواضع التي تُعلِّق الأحكام بالمظانِّ.

(1)

في المطبوع: «المتبقية» ، والمثبت من الأصل.

(2)

في المطبوع: «وغيرها» ، والمثبت من الأصل.

(3)

الكلمة غير محررة في الأصل.

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 474