الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن
(1)
قال: كنت مع أبي في المسجد ــ يعني مسجد البصرة ــ فنظر إلى رجل قائمًا يصلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى. فقال: إنّي لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيت أحدا منهم صنَع هكذا قطُّ
(2)
. رواهما الخلال.
والمراوحة بين القدمين أفضل من الصَّفْن
(3)
، وهو أن يعتمد على هذه تارة وعلى هذه تارة، أفضل من أن يعتمد عليهما جميعا. قال أحمد في رواية صالح وابن منصور
(4)
، وقد سئل: يصفِن بين قدميه أو يراوح بينهما؟ قال: يراوح بينهما. وكذلك نقل الجماعة قولًا وفعلًا، وهذا هو الذي ذكره القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا، لأن هذا أخفُّ على المصلِّي وأيسر عليه.
مسألة
(5)
: (ويرفع يديه عند ابتداء تكبيره إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه)
.
وجملة ذلك: أنَّ رفعَ
(6)
اليدين عند تكبيرة الافتتاح من السنن المتفق
(1)
في الأصل: «حوشب» ، تصحيف.
(2)
رواه الأثرم، كما في «المغني» (2/ 396) وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة (7136).
(3)
المصدر المذكور في كتب اللغة: الصُّفون.
(4)
لم أجدها في «مسائل صالح» المطبوعة، وهي في «مسائل ابن منصور» (2/ 553).
(5)
«المستوعب» (1/ 174)، «المغني» (2/ 136 - 139)، «الشرح الكبير» (3/ 417 - 421)، «الفروع» (2/ 167 - 168).
(6)
في المطبوع: «يرفع» ، خطأ.
عليها. وأما منتهى الرفع، فإن شاء إلى حذو منكبيه، وإن شاء إلى فروع أذنيه، كلاهما جائز غير مكروه من غير خلاف في المذهب. وهل أحدهما أفضل من الآخر؟ على ثلاث روايات:
إحداهن: أن الرفع إلى حذو المنكبين أفضل، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبِّر. فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال:«سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك [ص 250] الحمد» متفق عليه
(1)
.
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعلمكم بصلاته. كان إذا قام في الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. قالوا: صدقت. رواه أبو داود والترمذي وصححه
(2)
.
وفي حديث علي
(3)
وأبي هريرة
(4)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه إلى حذو
(1)
البخاري (735) ومسلم (390).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه أحمد (717)، وأبو داود (744)، والترمذي (3423)، وابن ماجه (864).
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» ، وصححه ابن خزيمة (584).
(4)
أخرجه أبو داود (738)، من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي هريرة به.
في إسناده مقال، فقد اختلف فيه على الزهري اختلافًا كثيرًا، وعامة الرواة على ذكر التكبير دون الرفع، خالفهم يحيى بن أيوب فزاد رفع اليدين، وبذلك أعل الحديث أبو حاتم والدارقطني، وصححه ابن خزيمة (694)، والنووي في «الخلاصة» (1/ 352).
وأخرجه ابن ماجه (860)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة بنحوه.
قال ابن رجب في «فتح الباري» (4/ 327): «إسماعيل بن عياش سيئ الحفظ لحديث الحجازيين، وقد خالفه ابن إسحاق، فرواه عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة موقوفًا، قاله الإمام أحمد وغيره» .
انظر: «العلل» للدارقطني (10/ 288 - 290)، «ضعيف أبي داود: الكتاب الأم» (124).
منكبيه. وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
والرواية الثانية: هو إلى فروع الأذنين أفضل. اختاره الخلال، وقال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله رحمه الله في فتياه وفعله، أنَّ أحبَّ إليه: فروع أذنيه، وإن رفع إلى منكبيه فهو جائز، لما روى مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال:«سمع الله لمن حمده» ، فعل مثل ذلك. رواه أحمد ومسلم والنسائي
(1)
. وفي رواية: يحاذي بهما فروع أذنيه. رواه مسلم وأبو داود والنسائي
(2)
.
وعن وائل بن حجر
(3)
أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبَّر حيالَ أذنيه
(4)
.
(1)
أحمد (20531)، ومسلم (391)، والنسائي (880).
(2)
مسلم (391)، وأبو داود (745)، والنسائي (881)، وأحمد (15600).
(3)
في الأصل: «واثلة بن صخر» ، تحريف. وسيأتي على الصواب.
(4)
أخرجه مسلم (401).
وروي ذلك أيضًا من حديث البراء بن عازب
(1)
وابن الزبير
(2)
. رواه أحمد.
والرواية الثالثة: هما سواء. وهي اختيار الخِرقي
(3)
وأبي حفص العكبري
(4)
وأبي علي بن أبي موسى
(5)
وغيرهم، لمجيء [الرواية]
(6)
بكل واحد منهما، فإن صحة الروايات بكل منهما دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومن رجَّح الأولى قال: إنَّ رواته
(7)
من الصحابة أكثر وأفضل والله
(8)
(1)
أخرجه أحمد (18674).
إسناده ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد ليس بشيء، «الميزان» (4/ 423)، وضعفه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 26).
(2)
أخرجه أحمد (16099)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير: قطعة من مسانيد من اسمه عبد الله» (23).
في إسناده ضعف، فيه الحجاج بن أرطاة متكلم فيه، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 101):«رواه أحمد والطبراني في «الكبير» ، وفيه حجاج بن أرطاة، واختلف في الاحتجاج به».
(3)
في «المختصر» (ص 19).
(4)
انظر «مسائل الروايتين» (1/ 114). وفيه أن اختياره أن يجعل يديه حذاء منكبيه، وإبهاميه عند شحمة أذنيه.
(5)
في «الإرشاد» (ص 55).
(6)
زيادة يقتضيها السياق.
(7)
في المخطوط والمطبوع: «راويه» ، وذكر الناسخ أن في أصله:«رواية» . وهذا تصحيف ما أثبت.
(8)
كذا في الأصل. وفي المطبوع: [لدى الله].
ومكانهم من الرسول أقرب، وهم له ألزم، فيكونون أحفظ وأضبط، ويكون ما نقلوه هو الغالب من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفادة، ثم رجعا إلى قومهما.
وأيضًا فإن الإسناد إلى الصحابة بالمنكبين أثبت، اتفق عليه صاحبا الصحيح. وإسناد الرفع إلى الأذنين إنما خرَّجه مسلم. قالوا: وتحمل روايتهم على رواية المنكبين، ويكون معنى قولهم: حتى يحاذي بهما أذنيه، يعني يقارب محاذاة الأذنين، أو يعني رؤوس الأصابع هي التي حاذت. ويؤيد ذلك أنه قد اختلف عنهم، فروى الدارقطني
(1)
[ص 251] في حديث مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه. إلا أن هذا خلاف المحفوظ في حديثه، لكن قد روي في لفظ بإسناد جيد:«حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه»
(2)
.
وأما حديث وائل بن حجر، فقد رواه أحمد
(3)
بإسناد صحيح من حديث عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فاستقبل القبلة، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه. وفيه:«فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه» . وفيه: «فلما رفع رأسه من
(1)
«السنن» (1/ 292)، وانظر:«السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 25).
(2)
أخرجه أحمد (20535)، وابن ماجه (859)، من طرق عن هشام، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث به.
إسناده صحيح، رجاله رجال مسلم.
(3)
برقم (18850).
الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه». وكذلك رواه الشافعي
(1)
وغيره عن ابن عيينه عن عاصم، إلا أن الجماهير مثل شعبة
(2)
وأبي عوانة
(3)
وزائدة بن قدامة
(4)
وبِشْر
(5)
بن المفضل
(6)
وجماعة غيرهم
(7)
، رووه عن عاصم، فقالوا في الحديث:«فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه» . وقال بعضهم: «حذاء أذنيه» . وكذلك رواه مسلم
(8)
وغيره من حديث عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل عن وائل
(9)
.
ومن رجَّح الثاني قال: صحة النقل بهما توجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعَل كلَّ واحد منهما، لكن الرفع إلى الأذن أزيد، فيكون أولى؛ لأنه زيادة عبادة. ويشبه أن يكون هو آخر الأمرين، لأنَّ الوفود إنما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، ولأن الانتقال من النقص إلى الزيادة هو اللائق، لا سيما وقد قال
(1)
«المسند» (1/ 73) ــ ومن طريقه البيهقي (2/ 24) ـ، والدارقطني (1/ 290).
(2)
أخرجه أحمد (18855)، والبخاري في «رفع اليدين» (26)، وابن خزيمة (697)، وليس فيه موضع الشاهد.
(3)
أخرجه الطبراني في «الكبير» (22/ 38).
(4)
أخرجه أحمد (18870) وأبو داود (727).
(5)
يشبه رسمه في الأصل: «برز» ، وهو تحريف. وقد سقط:«بشر بن» من المطبوع.
(6)
أخرجه أبو داود (726)، والنسائي (1265)، وابن ماجه (867).
(7)
انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 24).
(8)
برقم (401)، وأخرجه أحمد (18866)، والنسائي (879).
(9)
في الأصل: «عبد الجبار بن وائل عن وائل عن علقمة» ، وكذا في المطبوع. ولعله خطأ من النساخ. والصواب ما أثبت من مصادر التخريج.
النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ومن معه: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» . وقد رأوه يصلِّي رافعًا يديه إلى فروع أذنيه.
ومنهم من قال: لعل الرفع إلى المنكبين كان لعذر من به داء وغيره. وليس بشيء.
واعلم أن رفع اليد إلى المنكب أو إلى فروع الأذنين هو: أن يحاذي بيده ذلك العضو، واليدُ جميعًا لا تحاذيه
(1)
. فالمحاذاة: إما أن تكون بأصل اليد وهو الرُّصْغ
(2)
، أو تكون بطرف اليد وهو رؤوس أصابع اليد، أو بوسط
(3)
اليد وهو أصول الأصابع عن الكف. أما الأول فلا أعلم أحدًا قال: إن المحاذاة تكون بذلك الموضع. وأما الآخران ففيهما وجهان:
أحدهما: أن يحاذي منكبيه أو فروع أذنيه برؤوس أصابعه. وهذا قول القاضي في «المجرَّد» وطائفة من أصحابنا، منهم أبو محمد
(4)
؛ لأن المفهوم من قولنا: «رفع يده إلى كذا» : أن يحاذي برأسها ذلك المكان.
والثاني: أن يحاذي بكفه منكبيه أو فروع أذنيه. وهو الذي ذكره القاضي في «الجامع» و «الخلاف» ، وغيره من أصحابنا، [ص 252] وهو الصحيح المنصوص عن أحمد. قال في رواية: الأذنين. وقد سأله أبو الحارث: إلى
(1)
في الأصل: «لا يحاذيه» .
(2)
في المطبوع: «الرسغ» خلافًا للأصل، وهما لغتان.
(3)
في الأصل والمطبوع: «توسط» ، تصحيف.
(4)
في «المغني» (2/ 137).
أين يرفع يديه؟ قال: يرفعها إلى فروع أذنيه
(1)
. وقال: الذي أختار له أن يجاوز بهما أذنيه. قال: ورأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يجاوز بهما أذنيه. فقد نصَّ صريحًا إذا قلنا: يرفعهما إلى أذنيه، على مجاوزة الأذنين، ومعلوم أنه لا يجاوزهما بكفه، لأن ذلك لم يقله أحد، فعُلِمَ أنه جاوزهما برؤوس الأصابع، وكيف يصح أن يحمل قوله على رفع رؤوس الأصابع إلى فروع الأذنين؟ وإذا
(2)
كان في الرفع إلى الأذنين، ففي الرفع إلى المنكبين أولى. ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: أنه ليس حملُ رفع اليد على رأسها بأولى من أصلها، فيجب حمله على الوسط.
الثاني: أنَّ اليد اسم للجميع، فإذا أريد نفس محاذاتها لموضع كان اعتبار الوسط أولى، لأنه أقرب إلى التعديل.
الثالث: أن الروايات مصرِّحة بأنه حاذى بيديه
(3)
فروع أذنيه أو منكبيه. ففي لفظ: «حتى يكونا بحذو منكبيه» . وفي رواية: «رفع يديه حيال أذنيه» . فقد جعل المحاذي للمنكب والأذن إنما هو اليد، ولم يقل:«رفع يديه إلى منكبيه أو أذنيه» ، حتى يجعل ذلك عائدًا لليد، وإنما جعل اليد تحاذي ذلك الموضع، ومعلوم أن ذلك لا يصح في رؤوس الأصابع.
الرابع: أن في حديث وائل بن حجر: رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه،
(1)
انظر: «مسائل الوجهين» (1/ 114).
(2)
في المطبوع: «وإن» ، والمثبت من الأصل.
(3)
في المطبوع: «بأن حاذى بيده» ، والمثبت من الأصل.
وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبَّر. رواه أبو داود
(1)
.
وفي رواية لأحمد
(2)
: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة حتى صارت إبهامه تحاذي شحمة أذنه. وكذلك روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أذنيه. رواه أحمد
(3)
. فإذا حاذت الإبهام الأذن، ولو أنه شحمة الأذن، جاوزت الأصابع الفروع، وهذا مستند المنصوص. ولذلك تأوَّل القاضي وغيره أحاديث الأذنين على أن رؤوس الأصابع تبلغ فروع الأذنين، وأن أحاديث المنكبين على المنكب نفسه، كما جاء مفسَّرًا في حديث وائل بن حجر؛ وحمَل رواية من روى:«إبهاميه» على المقاربة، لأن في حديث مالك بن الحويرث كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه. رواه أحمد
(4)
. ولا يخرج عن هذا إلا بعض الروايات التي فيها: «جاوز أذنيه»
(5)
، وهي قليلة.
فصل
والسنَّة: أن يبسط الأصابع ويضمَّ بعضها إلى بعض. وعنه: أن يفرِّقها أفضل، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي [ص 253]صلى الله عليه وسلم إذا كبَّر
(1)
برقم (724)، من حديث الحسن النخعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه به.
في إسناده انقطاع، عبد الجبار لم يسمع من أبيه، كما في «جامع التحصيل» (219).
(2)
برقم (18849)، وإسناده كسابقه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
برقم (20535)، وقد تقدم تخريجه.
(5)
لم أقف عليها.
نشر أصابعه. رواه الترمذي
(1)
. وذكره الإمام أحمد، رواه الأثرم والخلال
(2)
، ولفظه: كان إذا كبَّر رفع يديه، وفرَّج أصابعه
(3)
.
والأول هو المذهب، وهو الذي رجع إليه أبو عبد الله آخرًا، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مَدًّا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي
(4)
، وقال: حسن صحيح، هذا أصح من حديث يحيى بن يمان ــ يعني: من حديث النشر ــ وقال: وحديثه خطأ.
وقد توقَّف أحمد في صحة هذا الحديث، وقال: الناس يروونه: «رفع يديه مدًّا»
(5)
. وقال
(6)
: كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة: «كان إذا كبَّر نشر أصابعه» ، فظننت أنه التفريق، فكنت أفرِّق أصابعي. فسألتُ أهل العربية،
(1)
برقم (239)، وكذا أخرجه ابن خزيمة (458)، والبزار (2/ 433)، من حديث يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة به.
قال الترمذي: «وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا. وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن اليمان في هذا الحديث» ، وهو مع هذا سيئ الحفظ أيضًا، انظر:«تهذيب التهذيب» (4/ 402).
(2)
نبَّه الناسخ في الحاشية أن في أصله هنا «ثلاثة أسطر بياض مكتوب فيه: صح صح» .
(3)
لم أقف عليه.
(4)
أحمد (9608)، وأبو داود (753)، والنسائي (883)، والترمذي (240)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة به.
صححه الترمذي، وابن خزيمة (460)، وابن حبان (1777).
(5)
انظر «مسائل أبي داود» (ص 384).
(6)
في رواية صالح كما في «بدائع الفوائد» (3/ 975)، ولم يرد في مسائله المطبوعة.
فقالوا: هذا هو التفريق، وليس النشر. وضمَّ أصابعه وقال: قالوا: هذا هو الضمُّ، وهذا النشر، ومدَّ أصابعه مدًّا مضمومة. وهذا التفريق، وفرَّق أصابعه. وكذلك فسَّر ابن المديني وغيره النشرَ بالمدِّ.
وأما رواية التفريج، فإنما رواها صاحبها بالمعنى الذي فهمه من النشر، وظنَّ أنه التفريج. وإنما هو البسط، لأنه يقال: نشرت الثوب، خلاف طويته، وإن لم يكن فيه تفريق. فنشرُ الأصابع: بسطها. وطيُّها
(1)
: قبضها. ولأن الرفع حال القيام كالوضع في السجود، وإنما توضع حال السجود مضمومةَ الأصابع. ولأنه إذا ضمَّها مبسوطةً فإنها تستقيم منتصبةً نحو القبلة، وذلك تكميل للمستحب، فإنَّ المستحب أن يستقبل القبلة ببطونها لا بجانبها، فيكون حين الرفع عن جانب المنكب من غير بعد، مستقيمةً أصابعها، لا محاذيةً للمنكب، لا تتقدَّم عنه ولا تتأخَّر.
ويبتدئ الرفع حين ابتداء التكبير، وينهيه مع انتهائه، فلا يسبق أحدهما صاحبه، ولا يرسلهما قبل أن يقضي
(2)
التكبير، ولا يثبتهما حتى يقضي التكبير، وإن كان ذلك جائزًا؛ لأن أكثر الأحاديث: كان يرفع يديه إذا كبَّر. وعن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة. رواه أحمد وأبو داود
(3)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة،
(1)
في الأصل: «ووطيها» ، والتصحيح من حاشية الناسخ.
(2)
في الأصل: «يقتضي» ، وصححه في المطبوع دون إشارة.
(3)
أحمد (18852)، وأبو داود (725)، بإسناد جيد.
فرفع يديه حين يكبِّر حتى يجعلهما حذو منكبيه. رواه البخاري
(1)
.
وإن رفع يديه ثم كبَّر جاز، لما تقدَّم أن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى [ص 254] يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبِّر
(2)
.
وعن وائل بن حجر رضي الله عنه: أنه أبصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبَّر
(3)
.
وكذلك إن أثبتهما مرفوعتين بعد التكبير، أو رفع عقب التكبير جاز؛ لما روى مسلم في «صحيحه»
(4)
أن مالك بن الحويرث كان إذا صلَّى كبَّر ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه. وحدَّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا. ولفظ البخاري
(5)
: كبَّر ورفع يديه.
وإنما اخترنا الأول لأن أكثر الأحاديث تدل عليه، ولأن الرفع هيئة للتكبير، فكان معه كسائر الهيئات.
ومعنى قولنا: «ينهيهما مع انتهائه» لأصحابنا فيه وجهان مومأ إليهما من أبي عبد الله رحمه الله:
أحدهما: أن ينهيه قبل حطِّ يديه، فلا يرسل يديه قبل أن يقضي التكبير،
(1)
برقم (738).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
برقم (391 - 24).
(5)
برقم (737).
وهذا ظاهر كلامه في رواية حرب
(1)
: رفع اليدين مع التكبير، فإن الرفع لا يدخل فيه الوضع والإرسال، وعلى هذا فقد يحتاج أن يثبتهما مرفوعتين إذا طوَّل التكبير، حتى يفرغ
(2)
. وإن جزم التكبير لم يحتج إلى ذلك. وهذا قول القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا، لأن قوله:«يرفع يديه مع التكبير» «ورفع يديه حين يكبر» يوجب ذلك. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفعهما مع التكبير
(3)
.
وإن رفعهما، ثم كبَّر، وهما مرفوعتان، ثم أرسلهما= جاز، كما اختاره أبو إسحاق، لما تقدَّم من حديث ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبِّر
(4)
.
وإنما
(5)
اخترنا الأول، لأن الرفع هيئة التكبير، فكان معه كسائر الهيئات. ولهذا لم يستحب أن تبقى بعده. وأما إثباتهما مرفوعتين بعد التكبير فلا يستحب، وإن فعَله جاز.
(1)
انظر: «مسائله» (ص 368).
(2)
في الأصل: «يفرقه» ، وفي المطبوع:«يفرق» ، ولعله تحريف ما أثبت.
(3)
أخرجه حرب في «المسائل» (ص 369) من طريق محمد بن الوزير، ثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الأوزاعي: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم[كان] يرفعهما مع التكبير. قال ابن رجب في «فتح الباري» (4/ 300):«علة هذا الحديث أنه روي مرسلًا، والوليد لم يسمعه من الأوزاعي، بل دلسه عنه» ، ونقل في موضع سابق (4/ 298) عن أحمد إنكاره هذا الحديث على الوليد.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
في الأصل والمطبوع: «وإن» .
وقال الآمدي: يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وابتداء الوضع مع انتهائه. فعلى هذا يكون انتهاء الرفع هو وضعه.
وإنَّ أقطع اليدين أو إحداهما يرفع
(1)
بحسب قدرته.
فصل
ومن عجز عن استكمال
(2)
الرفع رفع ما يمكن
(3)
، وإن لم يمكن الرفع إلا أن يجاوز أذنيه فعَلَه. وإن
(4)
عجز عنه بإحدى اليدين فعَله بالأخرى. وإن نسيه حتى لهيئة
(5)
سقط، لأنه هيئة [ص 255] فات محلها. وإن ذكره في أثناء التكبير بادر إليه لبقاء محله.
وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحسب الإمكان تحت الثوب، لما روى وائل بن حُجر قال: أتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة
(6)
.
(1)
في الأصل والمطبوع: «رفع» ، والمثبت من تعليق الناسخ. ويحتمل ــ إن صح ما في الأصل ــ أن يكون الصواب:«وإن [كان] أقطع اليدين» .
(2)
في الأصل والمطبوع: «استعمال» ، تصحيف.
(3)
في الأصل والمطبوع: «تمكن» . وكذا في الجملة التالية.
(4)
في الأصل: «وإن فعله وإن» ، والظاهر أن «وإن فعله» من سبق القلم.
(5)
كذا في الأصل، وفيه تحريف لم يظهر لي صوابه. ومقتضى السياق أن يقال: حتى انتهى من التكبير. انظر: «المغني» (2/ 138).
(6)
أخرجه أحمد (18847)، وأبو داود (729)، من طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه به.
شريك سيئ الحفظ، غير أنه قد توبع عليه، انظر:«صحيح أبي داود: الكتاب الأم» (3/ 318).