الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
السنَّة أن يكون موضع الصلاة مستقرًّا مع القدرة
. فإن لم يصلِّ على مكان مستقِرٍّ مثل أن يقوم على الأرجوحة التي تُرجحه، وهو يصلِّي وهو معلَّق بالهواء؛ أو يسجد على متن الماء أو الطين، أو على متن الهواء بأن يقف على سطح ويسجد على الهواء المسامِت له، أو يسجد على ثلج أو قطن أو حشيش ونحو ذلك من الأجسام المنتفشة ولا يجِد حجمَه= لم تصحَّ صلاته، لأنَّ القيام والقعود والركوع والسجود واجب، وإنما تتمُّ هذه الأركان على المكان المستقرِّ. ولهذا لا يجوز أن يسجد بالإيماء، وإن بلغ إلى حدٍّ يجزئه، لو كان هناك ما يسجد عليه. فعُلِم أنَّ المقصود لا يتِمُّ إلا بالاستقرار.
فإن وضع يديه أو رجليه على غير مستقِرٍّ، فإن قلنا: السجود على الأعضاء السبعة واجب، وهو المشهور، فهو كالجبهة. وأما إن كانت أعضاؤه على مكان مستقِرٍّ، وتحته هواء، لم يضُرَّ ذلك.
فإن صلَّى في سفينة، وأتى بجميع أركان الصلاة من القيام [ص 189] والاستقبال وغيرهما؛ أو على راحلة بأن تكون معقولةً وفوقها مقعد واسع، أو يكون في مِحَفَّةٍ كبيرة أو محمِل واسع؛ فهل تصح صلاة الفرض لغير عذر؟ على روايتين، أشهرهما عند أصحابنا: أنها تصح. قالوا: وسواء كانت الدابَّة والسفينة سائرتين أو واقفتين.
وفي الأخرى: لا تصح، لأن مكانه ليس بمستقِرٍّ، لأنها إن كانت سائرة فهو تابع لها في الحركة، وإن لم يكن في نفسه متحرِّكًا، فهو كالمصلِّي في الأرجوحة. وإن كانت واقفة فهي في مظنة الحركة.
ومن أصحابنا من حكى الروايتين في السفينة، وقال في الراحلة: لا تجوز الصلاة عليها رواية واحدة إلا لعذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ووجه الأول: ما روى عبد الله بن عتبة قال: سافرتُ مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فصلَّوا في السفينة قيامًا، وأمَّهم بعضُهم بمقدَّمهم. قال: ولو شئنا أن نخرج إلى الجُدِّ
(1)
الآخر خرجنا. والجُدُّ هو الشاطئ. رواه سعيد
(2)
. ولأنه مكان معتاد للتمكُّن عليه أتى فيه بجميع الشرائط والأركان، فصحَّت صلاته عليه كالسرير.
وأما كونُ المصلِّي متحرِّكًا، فليس بصحيح، لأنه في نفسه ساكن مستقِرٌّ، وإنَّما يوصف بالحركة على سبيل التبع، لأنَّ مستقَرَّه متحرِّك، لكن تلك الحركة لا أثر لها في صلاته، فإنه لا فرق بين الجلوس في السفينة والجلوس على الأرض.
وأما الصلاة على العجلة، فقال ابن عقيل: لا تصح الصلاة على العجلة. قال: وهي خشبة على بَكَر، تسير على تلك البَكَر، لأنَّ ذلك ليس بمكان مستقِرّ عليه، فأشبه الأرجوحة. وعدَّ غيرُه من أصحابنا الصلاة فيها كالصلاة في السفينة، تصِحُّ في ظاهر المذهب. وهذا أجود.
(1)
في الأصل والمطبوع بالحاء المهملة هنا وفيما بعد، والظاهر أنه بالجيم كما أثبت. في «غريب الحديث» لابن الجوزي (1/ 142) أن ابن سيرين كان يختار الصلاة على الجُدِّ، وهو شاطئ النهر، وبه سمِّيت جُدَّة. وانظر:«النهاية» (1/ 245).
(2)
وأخرجه ابن أبي شيبة (6626).
فصل
فأما المعذور، فمن لم يمكنه الخروج من السفينة، إمَّا لبعده عن الساحل، أو لخوفه من عدوٍّ أو نحو ذلك، فإنه يصلِّي فيها على حسب حاله. فإن أمكنه القيام والاستقبال لزمه ذلك، سواء كانت سائرة أو واقفة؛ لما روى ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصلِّي في السفينة؟ قال: «صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخافَ الغرقَ» رواه الدارقطني والحاكم في «صحيحه»
(1)
.
ولأنَّ أركان الصلاة يجب فعلُها مع القدرة عليها، لما نذكره ــ إن شاء الله ــ من أدلَّة وجوبها.
وإذا دارت السفينة، فقال ابن أبي موسى
(2)
وغيره: يستقبل القبلة في الفرض، ويدور إليها كلَّما دارت السفينة. [ص 190] ويُعذَر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة. وهذا يشبه الراكبَ في العَمّارية
(3)
والمَحْمِل ونحوهما.
وفي وجوب الاستدارة عليه في النفل إذا أمكنه وجهان.
(1)
الدارقطني (1/ 395)، والحاكم (1/ 409)، من طريق جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر به.
قال الحاكم: «حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهو شاذ بمرة» ، وحسنه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 155).
(2)
في «الإرشاد» (ص 88).
(3)
فسَّرها في «المصباح المنير» بالكَجَاوة، وهي كلمة فارسية بمعنى الهودج والمحمِل. وانظر:«تكملة دوزي» (7/ 308).
وإن لم يمكنه القيام في السفينة بأن يخاف الغرق، أو يهيج به المِرَّة
(1)
فيمرض ونحو ذلك، لصغرها وسيرها، أو تكون مسقوفة ولا يمكنه الصعود إلى الطبقة العليا، أو يخاف أن يراه عدوٌّ يؤذيه ونحو ذلك= صلَّى جالسًا، وسجد على ما فيها من الأحمال والثياب والأمتعة وغيرها إن أمكنه. ولا بدَّ من استعلاء عجيزته على رأسه مع القدرة، فإن عجز أومأ إيماء.
فإن أمكنهم أن يصلُّوا قيامًا فرادى واحدًا
(2)
بعد واحد، ولم يمكنهم أن يصلُّوا جميعًا إلا بجلوس بعضهم؛ فقال جماعة من أصحابنا: يصلُّون وُحْدانًا مع اتساع الوقت ولا يسقط القيام هنا للجماعة
(3)
، بخلاف المريض الذي لا يمكنه القيام في الجماعة ويمكنه في الانفراد، فإنه يصلِّي في الجماعة إن شاء؛ لأنَّ حكم العجز لا يثبت لغير معيَّن. ولهذا قلنا في العُراة: إنهم يصلُّون في الثوب واحدًا
(4)
بعد واحد. وعلى هذا فإذا خافوا خروج الوقت بالصلاة قيامًا صلَّى بعضهم قاعدًا كما في العراة. وقال ابن أبي موسى
(5)
: لم يختلف قوله: إنه إن قدر جميعُهم على القيام جاز أن يصلُّوا جماعة في السفينة. فإن عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً أم لا؟ على روايتين. أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، واختياري أن ذلك جائز.
(1)
المِرَّة: خلط من أخلاط البدن. وقد غيَّره في المطبوع إلى «الموج» دون تنبيه.
(2)
في الأصل والمطبوع: «واحد» . وقد أثبت كما جاء بعد قليل.
(3)
في الأصل: «لجماعة» ، والمثبت من المطبوع.
(4)
في المطبوع: «واحد» خلافًا للأصل.
(5)
في «الإرشاد» (ص 88).
وقال غيره: إن أمكن أن يقوم بعضهم دون بعض صلَّى من أمكنه القيام ثم قعدوا
(1)
، وصلَّى الآخرون. وإن ضاق بهم الوقت صلَّى كلُّ واحد بحسب إمكانه
(2)
.
وان عجزوا عن القيام، فهل يصلُّون جماعةً؟ على روايتين. وظاهر ما اختاره ابن أبي موسى من الروايتين هو قياس المذهب، وهو أن يصلُّوا جماعةً مع قعودهم أو قعود بعضهم. ثم إن كان موضع القيام واحدًا قام فيه الإمام، وإن كان أكثر من واحد صلَّوا على المقاعد التي كانوا عليها قبل الصلاة؛ لأن من أصلنا جواز القعود خلف الإمام إذا صلَّى قاعدًا، لأن فضل الجماعة أسقط القيام. وكذلك المريض له أن يصلِّي جماعةً مع قعوده وإن أمكنه الصلاة وحده قائمًا. ولأنَّ الجماعة مع الخوف فيها مما يُفسِد الصلاة في الجملة أعظم من ترك القيام، ثم احتُمِل ذلك لأجل الجماعة. ومن تأمَّل [ص 191] الشريعة علِم أنَّ الشارع يحافظ على الصلاة جماعةً
(3)
كيفما أمكن، ولا يبالي ما فات في ضمن الجماعة.
ولأنَّ من أصلنا أنَّ الجماعة واجبة، والقيام واجب أيضًا، لكن القيام ركن خفيف يسقط في النوافل مطلقًا، ويسقط في الفرائض في مواضع. وأمَّا الجماعة فلم نجد الشارع أسقطَها إذا أمكنت من غير ضرر قطُّ.
(1)
في الأصل: «قعدا» وصوابه من حاشية الأصل.
(2)
انظر: «المستوعب» (1/ 162).
(3)
في المطبوع: «صلاة الجماعة» خلافًا للأصل.
فصل
وأما العذر في الراحلة، فثلاثة أسباب: الخوف والوحل والمرض.
فأما الخوف، فمثل الذي يخاف في نزوله من عدوّ، أو من انقطاعه عن الرفقة الذين لا يحتبسون له، أو لا يمكنه النزول لكونه على مركوب لا يُنزله عنه إلا إنسان، وليس هناك من يُنزله عنه؛ أو يمكنه النزول ولا يمكنه الصعود ولا يقدر على المشي، أو يخاف انفلات الدابَّة بنزوله، ونحو ذلك ممَّا يخاف في نزوله ضررًا في نفسه أو ماله= فإنه يصلِّي على حسب حاله، كما يصلِّي الخائفُ من العدوّ، على ما سنذكره ــ إن شاء الله تعالى ــ، لعموم قوله سبحانه:{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]. وفي حديث ابن عمر: «فإن كان خوفٌ أشدُّ من ذلك صلَّوا ركبانًا ورجالًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها»
(1)
. لاسيما إذا قلنا: إن طالب العدوِّ يصلِّي على الدابة إذا خاف من فوته، فإنَّ ما يخافه في هذه المواضع قد يكون أشدَّ ضررًا مما يخافه من فوت العدو. ولأنَّه يخاف في النزول ضررًا، فجاز أن يصلِّي على الدابة كالخائف من العدو. ولأنَّ القيام والاستقبال من أخفِّ فروض الصلاة يسقطان في التطوع، فإذا كانت الطهارة والسترة تسقط بمثل هذا الخوف، فسقوطُ القيام والتوجه أولى. هكذا ذكر طائفة من أصحابنا.
وقال ابن أبي موسى
(2)
: لم يختلف قوله: إنّ التوجه إلى القبلة في المكتوبة في سائر الأحوال من شرط صحة الصلاة إلا في حال المسايفة خاصَّة.
(1)
أخرجه البخاري (4535) ومسلم (839).
(2)
في «الإرشاد» (ص 87).