الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ومنها: النجوم
. قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97]، وقال تعالى:{وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلَّموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق
(1)
. وفي رواية عنه: تعلَّموا من النجوم ما تهتدون في برِّكم وبحركم، ثم أمسِكوا. رواه حرب
(2)
.
وعن علي رضي الله عنه قال: أيها الناس إيَّاكم وتعلُّمَ النجوم إلّا ما تهتدون بها في ظلمات البرِّ والبحر. رواه أبو حفص
(3)
.
ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر، وأن يتعلَّم بها: كم مضى من الليل؟ وكم بقي؟ وذكر أنه تعلَّمها من أهل مكة.
والنجوم أقسام:
إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون، فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء، لأنها تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب. وهي: السَّرَطان، والبُطَين، والثريَّا، والدَّبَران، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع، والنَّثْرة، والطَّرْف، والجبهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبانَى،
(1)
أخرجه المعافى في «الزهد» (90).
(2)
وأخرجه ابن أبي شيبة (26162)، وهناد في «الزهد» (2/ 487).
(3)
وأخرجه الحارث في «مسنده» ، كما في «بغية الباحث» (2/ 601).
والإكليل، والقَلْب، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدة، وسعد الذابح، وسعد بُلَع، وسعد الأخبية، وسعد السعود، والفرغ
(1)
المقدَّم، والفرغ المؤخَّر، وبطن الحوت.
فمن عرف كلَّ منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها. فإنَّ الأربعة عشر الأُوَل هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال، والأربعة عشر الأواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب. ومن عرف المتوسِّطَ منها وقت طلوع الفجر ورآه متوسِّطًا استدلَّ به كما يستدِلُّ بتوسط الشمس والقمر.
وأثبَتُ الأدلَّة على نفس الكعبة: القطبان الشمالي والجنوبي. والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض، مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب. وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33]، قالوا: فلكه مثل فَلْكة المِغزل
(2)
.
ويقرب من القطب الشمالي نجم [ص 211] صغير يسمِّيه الفقهاء «القطب» . وهو كوكب خفي يمتحن الناس به أبصارهم، يُرى إذا لم يكن في السماء قمر. وحوله أنجم دائرة كفَراشة الرَّحى، في أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجَدْي. وهو كوكب نيِّر معروف، إذا جعله المصلِّي خلفه كان مستقبلَ
(3)
القبلة في الشام والجزيرة والعراق وخراسان.
(1)
هذا وأخوه في الأصل والمطبوع بالعين المهملة، وهو تصحيف.
(2)
في حاشية الأصل: «مروي عن ابن عباس» . وهو كما قال. انظر: «تفسير الطبري» (19/ 440 - هجر).
(3)
في المطبوع: «مستقبلًا» ، والمثبت من الأصل.
قال أبو عبد الله في غير موضع: الجَدْي يكون على قفاه، ويطلع من قبل المشرق
(1)
.
وقال أيضًا: قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلِّهم وأهل خراسان: الباب
(2)
.
وقد قال مرّة أخرى، وقيل له: أين تحب أن يكون الجَدْي من الإنسان إذا قام إلى القبلة؟ فقال: أمَّا الجَدْي، فلم يرِد في الجَدْي شيء. إنما يروى: إذا جعلتَ المشرقَ عن يسارك والمغربَ عن يمينك، فما بينهما قبلة.
وقيل له أيضًا: قبلة أهل بغداد على الجَدْي. فجعل ينكر الجَدْيَ، وقال: ليس الجَدْي، ولكن على حديث ابن عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة
(3)
.
ومعنى كلامه هذا أنه لا يجب على المصلِّي أن يتحرَّى الجَدْيَ، ولا القبلةُ معلَّقةٌ باستدباره كما يقول من يعتبر استقبال العين. وإنما الواجب استقبال الجهة، ويكفي في ذلك ما بين المشرق والمغرب، لأنَّ السائل كان غرضه أن ذلك كان واجبًا، فأنكر أحمد رضي الله عنه ذلك. فأمَّا المستحَبُّ فهو تحرِّي الجَدْي، كما نصَّ عليه في موضع آخر لأنه أقوم استقبالًا، وبه يخرج من الشبهة والخلاف. ثم إنَّ أهل الشام ينحرفون إلى الشرق قليلًا، فيكون القطب بين الأذن اليسرى وصفحة العنق؛ وكلَّما أمعن في المغرب كان الانحراف أكثر.
(1)
انظر: «فتح الباري» لابن رجب (3/ 66).
(2)
«التمهيد» لابن عبد البر (17/ 61).
(3)
نقله الأثرم كما في «فتح الباري» لابن رجب (3/ 65). وانظر: «التمهيد» (17/ 60) و «مجموع الفتاوى» (22/ 213).
وأهل العراق ينحرفون إلى المغرب أكثرَ من ذلك، فيكون القطب محاذيًا لظهر الأذن اليمنى؛ وكلّما أمعن في المشرق كان الانحراف أكثر.
ومن كان بحرَّان وسُمَيساط وما كان على سَمْتها بين المشرق والمغرب محاذيًا لمكة شرَّفها الله، فإنه يجعل القطبَ خلف نُقْرة القفا. ولهذا يقولون: أعدل القِبَل قبلة حرَّان
(1)
، لكون القطب الذي هو أثبت الدلائل وأبيَنها يُجعَل خلفَ القفا بلا انحراف، فيتيقَّن إصابة العين؛ لكون البلدة محاذيةً للركن الشامي، بعدُها عن المشرق والمغرب كبعد مكة. ولهذا يُجعَل الشام من المغرب، حتى فسَّروا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يزالُ أهلُ الغرب ظاهرين»
(2)
بأنهم أهل الشام
(3)
. ويُجعَل العراق
(4)
من المشرق، لأن الأرض إذا قُسمت قسمَين: قسمًا شرقيَّ مكة وقسمًا غربي مكة، كانت الشامُ في الجانب الغربي، [ص 212] والعراقُ في الجانب الشرقي، وحرَّانُ وما كان على سَمْتها على مسامته مكة بين الجانب الشرقي والجانب الغربي.
فالمستقبِل لعين الكعبة في البلاد الشرقية والغربية لا بدَّ له من انحراف. وقد لا ينضبط ذلك غاية الضبط، [لما]
(5)
في رعايته من الكلفة، ولأن قدر الانحراف قد لا يتحقَّق، وإلّا فلا بدَّ لكلِّ بلاد من قبلة معتدلة وإن شقَّ ضبطُها. وهذا القدر
(1)
انظر: «منهاج السنة» (7/ 58).
(2)
أخرجه مسلم (1925) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(3)
انظر: «فتح الباري» (13/ 295) و «جامع المسائل» (2/ 101) و «مجموع الفتاوى» (4/ 446).
(4)
في المطبوع: «العراقي» خطأ.
(5)
زيادة من تعليق ناسخ الأصل.
من الانحراف معفوٌّ عنه بالإجماع، وإن قلنا: يجب استقبال العين.
ومتى كان الجَدْيُ عاليًا والفرقدان تحته أو بالعكس، فالقطب بينهما، فاستدبارُهما كاستدباره. وإن كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فالقطب بينهما، وهو إلى الجَدْي أقرب. وبكلِّ حال فإذا استدبر الجَدْيَ أو الفرقدين أو بنات نعش، فهو مستقبل للجهة بكلِّ حال، وهو كافيه. فإذا أراد مراعاة التحديد انحرف إلى ناحية القطب قليلًا.
فصل
وأمَّا الدلائل الهوائية، فهي الرياح. ومهابُّها أربع، تخرج من زوايا الأرض الأربعة. ويقال: إنَّ الكعبة مبنية على مهابِّها، فجُدُر الكعبة الأربعة مستقبلة لمهابِّ الريح، وأركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الأربعة.
إحداهن: الصَّبا، سُمِّيت بذلك لأنها تصبو إلى الكعبة. وهي تهبُّ إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدَّبور تجاهها، تهُبُّ إلى دبر الكعبة، ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهُبُّ إلى جانب الكعبة اليماني، ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها، ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا.
فهذه الرياح مَن عرف خواصَّها وصفاتِها أمكنه أن يستدلَّ بها إذا كان في فضاء من الأرض، حيث تجري الريح على سَنَنها
(1)
. ثم نسبةُ المصلي إليها
(1)
الكلمة في الأصل غير محررة. وفي المطبوع: «سنها» .
تختلف باختلاف مكانه، ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجَدْي إلى المصلِّي، لأنَّ كلَّ قوم وصفوا دلائل قبلة أرضهم خاصَّة، على سبيل التحديد.
فصل
وأما دلائل الأرض، فقد قال بعض أصحابنا: إنَّ ذلك لا ينضبط انضباطًا عامًّا، لكن من كان في موضع قد علِمَ جهاتِ ما فيه من الجبال والأنهار والأبنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال. فأمَّا بدون ذلك، فإنَّ الجبال والأنهار ليست كلُّها على وجهة واحدة، حتَّى يُحكمَ عليها بحكم عامّ.
وقال كثير من أصحابنا: يستدلّ بالجبال والأنهار الكبار.
أما الجبال، فإنَّ لها [ص 213] وجوهًا يعرفها سكَّانُها. ولذلك لكلِّ شيء وجهٌ يُعرَف بالمشاهدة. قالوا: ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله سبحانه وتعالى
(1)
.
أما الأنهار، فقالوا: أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله سبحانه وتعالى ولم يحتفرها الناس لأغراضهم تجري من مهبِّ الريح الشمال إلى مهبِّ الريح الجنوب، مثل الفرات ودجلة. قالوا: إلَّا نهرين: أحدهما بالشام يسمَّى «العاصي» ، والآخر بخراسان يسمَّى «سيحون»
(2)
يُسمَّى كلُّ واحد منهما
(1)
«الهداية» (ص 80)، «المستوعب» (1/ 173).
(2)
في الأصل والمطبوع: «جيحون» ، وتصحيحه من «المغني» (2/ 106) و «الشرح الكبير» (3/ 344) و «مطالب أولي النهى» (1/ 389).