المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مسألة(1): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها) - شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الصلاة في أصل اللغة:

- ‌مسألة(2): (فمَن جحَد وجوبَها لجهله عُرِّف ذلك، وإن جحَدها عنادًا كفَر)

- ‌ مسألة(5): (فإنْ ترَكها تهاونًا استُتيب ثلاثًا. فإن تاب وإلّا قُتِل)

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌مسألة(1): (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء)

- ‌الفصل الثاني: أنه لا يُشرَع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس

- ‌الفصل الثالث: أنَّ النساء لا يُشرَع لهن أذان ولا إقامة

- ‌مسألة(2): (ويقول في أذان الصبح: «الصلاةُ خيرٌ من النوم» مرَّتَين بعد الحَيعلة)

- ‌مسألة(2): (ولا يؤذن قبل الوقت إلا لها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أم مكتوم»)

- ‌مسألة(3): (قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول»)

- ‌يستحَبُّ للمؤذن أن يقول سرًّا مثل ما يقول علانية

- ‌يُستحبُّ إذا سمع الإقامة أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن

- ‌فصلالسنَّة أن يقيم من أذَّن

- ‌السنَّة أن يكون الأذان والإقامة في موضع واحد

- ‌فصليستحبُّ أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين

- ‌باب شرائط(1)الصلاة

- ‌مسألة(2): (وهي ستة

- ‌ مسألة: (أحدها: الطهارة من الحدث، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاةَ مَن أحدَث حتَّى يتوضَّأ»(1). وقد مضى ذكرها

- ‌مسألة(3): (الثاني: الوقت)

- ‌مسألة(3): (ووقت الظهر(4): من زوال الشمس إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثلَه)

- ‌مسألة(3): (ووقت العصر ــ وهي الوسطى ــ من آخر وقت الظهر إلى أن تصفرَّ الشمس. ثم يذهب وقتُ الاختيار، ويبقى وقتُ الضرورة إلى غروب الشمس)

- ‌الفصل الثالث: أن وقت الضرورة يبقى إلى أن تغيب جميع الشمس

- ‌مسألة(4): (ووقت المغرب: من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر)

- ‌مسألة(2): (ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل. ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني)

- ‌مسألة(1): (ووقت الفجر: من ذلك إلى طلوع الشمس)

- ‌مسألة(1): (ومن كبَّر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها)

- ‌مسألة(1): (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلَّا عشاءَ الآخرة، وفي شدة الحرِّ الظهر)

- ‌الفصل الثاني في(2)تفصيل الصلوات

- ‌أمَّا الجمعة، فالسنَّة أن تصلَّى في أول وقتها في جميع الأزمنة

- ‌فصليجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها

- ‌مسألة(2): (الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشَرة)

- ‌مسألة(2): (وعورة الرجل والأَمة: ما بين السرَّة والركبة. والحرَّة كلُّها عورة إلا وجهها وكفَّيها. وأمُّ الولد والمعتَق بعضُها كالأمة)

- ‌الفصل الثاني في عورة المرأة الحرَّة البالغة

- ‌مسألة(1): (ومن صلَّى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصحَّ صلاتُه)

- ‌مسألة(2): (ولبسُ الحرير والذهب مباحٌ للنساء، دون الرجال إلا عند الحاجة

- ‌من حَرُم عليه لبسه حَرُم عليه سائر وجوه الاستمتاع به

- ‌الفصل الثاني في الذهب

- ‌القسم الثاني: التحلِّي به

- ‌مسألة(2): (ومن صلَّى من الرجال في ثوب واحد، بعضُه على عاتقه، أجزأه ذلك)

- ‌مسألة(4): (فإن لم يجد إلا ما يسترُ عورته ستَرها)

- ‌الصورة الثانية: أن يستر الثوبُ منكبيه وعجيزته، أو عورته

- ‌مسألة(1): (فإن لم يكفِ جميعَها ستَر الفرجَين. فإن لم يكفهما ستَر أحدهما)

- ‌مسألة(1): (فإن عَدِم بكلِّ حال صلَّى جالسًا يومئ بالركوع والسجود. وإن صلَّى قائمًا جاز)

- ‌مسألة(3): (ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا صلَّى فيهما، ولا إعادة عليه)

- ‌فصلإذا وجد السترة في أثناء الصلاة قريبةً منه استتر وبنى

- ‌متى ضاق وقتُ الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل قُدِّم الفعلُ في الوقت بدون الشرط

- ‌فصليُكرَه السَّدْلُ في الصلاة

- ‌فصليُكرَه للمصلِّي تغطيةُ الوجه، سواء كان رجلًا أو امرأةً

- ‌فصلفأمَّا الأصفر، فلا يُكرَه، سواء صُبغ بزعفران أو غيره

- ‌مسألة(1): (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسةَ المعفوَّ عنها كيسير الدم ونحوه)

- ‌مسألة(2): (فإن صلَّى وعليه نجاسة لم يكن علِمَ بها، أو علِمَها ثم نسيها، فصلاته صحيحة. وإن علِمها في الصلاة أزالها وبنَى على صلاته)

- ‌مسألة(1): (والأرضُ كلُّها مسجدٌ تصح الصلاة فيها إلا المقبرةَ والحُشَّ والحمَّامَ وأعطانَ الإبل)

- ‌الفصل الثانيفي المواضع المستثناة التي نُهِيَ عن الصلاة فيها

- ‌ المقبرة والحمَّام

- ‌ أعطان الإبل

- ‌ قارعة الطريق

- ‌الفصل الثالثفي الصلاة في المواضع المنهيِّ عن الصلاة فيها

- ‌الفصل الرابعأنَّ أكثر أصحابنا لا يصحِّحون الصلاة في شيء من هذه المواضع، ويجعلونها كلَّها من مواضع النهي

- ‌الفصل الخامسفي تحديد هذه الأماكن

- ‌ المقبرة

- ‌ الحُشُّ

- ‌الفصل السادسفي عُلو هذه الأمكنة وسطوحها

- ‌فصلقال الآمدي وغيره: تُكرَه الصلاة في الرَّحَى

- ‌فصلالسنَّة أن يكون موضع الصلاة مستقرًّا مع القدرة

- ‌السبب الثاني: الوحل

- ‌السبب الثالث: المرض

- ‌مسألة(1): (الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلَّا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلِّي حيث كان وجهُه

- ‌الفصل الثاني: أن استقبال القبلة يسقط مع العلم بجهتها في موضعين:

- ‌أحدهما: إذا عجز عن استقبالها

- ‌الموضع الثاني: في صلاة النافلة في السفر

- ‌مسألة(4): (فإن كان قريبًا منها لزمته الصلاة إلى عينها. وإن كان بعيدًا فإلى جهتها)

- ‌مسألة(3): (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدلَّ بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة. وإن خفيت في السفر اجتهد وصلَّى، ولا إعادة عليه وإن أخطأ)

- ‌ دلائل السماء

- ‌فصلومنها: النجوم

- ‌مسألة(3): (وإن اختلف مجتهدان لم يتبَع أحدُهما صاحبَه. ويتبع(4)الأعمى والعامِّيُّ أوثقهَما في نفسه)

- ‌مسألة(1): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها)

- ‌مسألة(1): (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها)

- ‌فصلإذا قطع النيةَ في الصلاة بطلت

- ‌باب أدب المشي إلى الصلاة

- ‌مسألة(1): (يستحبُّ المشيُ إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خُطاه، ولا يشبِّك أصابعه)

- ‌مسألة(1): (ثم يقول: بسم الله {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} الآيات إلى قوله: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 78 - 89]. ويقول(2): اللهم إني أسألك بحقِّ السائلين عليك، إلى آخره)

- ‌مسألة: (فإن سمع الإقامةَ لم يَسْعَ إليها)

- ‌مسألة(1): (وإذا أتى المسجدَ قدَّم رجله اليمنى في الدخول، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله

- ‌باب صفة الصلاة

- ‌مسألة(4): (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهَر بها الإمام وسائرِ التكبير، لِيُسْمِعَ مَن خلفه، ويُخفيه غيرُه)

- ‌مسألة(5): (ويرفع يديه عند ابتداء تكبيره إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه)

- ‌مسألة(6): (ويجعلهما تحت سُرَّته)

- ‌مسألة(5): (ويجعل نظره إلى موضع سجوده)

- ‌وخشوع البصر: ذُلُّه واختفاضه

- ‌يستحَبُّ في التشهد أن ينظر إلى إشارته

- ‌مسألة(2): (ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك»)

- ‌فصلإذا نسي الاستفتاح في موضعه لم يأت به في الركعة الثانية

- ‌مسألة(1): (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

- ‌أحدها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»

- ‌ثانيها: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»

- ‌مسألة(1): (ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرجيم، ولا يجهر بشيء من ذلك

- ‌السنَّة: الإسرار بها

- ‌مسألة(1): (ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاةَ لمن لم يقرأ بها، إلا المأموم فإنَّ قراءة الإمام له قراءة

- ‌الفصل الثانيأن المأموم لا تجب عليه القراءة

- ‌فيه لغتان: «أمين» على وزن فعيل، و «آمين» على وزن فاعيل

- ‌مسألة(4): (ثم يقرأ سورةً تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوساطه)

- ‌ينبغي أن يطيل الركعة الأولى على الثانية من جميع الصلوات

- ‌لا بأس أن يقرأ سورتين وأكثر في ركعة في النافلة

- ‌[باب صلاة الخوف]

- ‌[مسألة(1): (وتجوز صلاة الخوف على كلِّ صفة صلَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرُس، والأخرى تصلِّي معه ركعةً

- ‌الصفة الثانية:

- ‌ الصفة الثالثة

- ‌مسألة(3): (وإذا(4)اشتدَّ الخوف صلَّوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة أو إلى غيرها يومئون بالركوع والسجود. وكذلك كلُّ خائف على نفسه يصلّي على حسب حاله، ويفعل كلَّ ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره)

- ‌متى أمِن في صلاة خوف أتمَّها صلاة أمن

- ‌باب صلاة الجمعة

- ‌مسألة: (كلُّ من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، إذا كان مستوطنًا ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون، إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمعذور

الفصل: ‌مسألة(1): (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها)

‌مسألة

(1)

: (الشرط السادس: النية للصلاة بعينها)

.

النية لها ركنان:

أحدهما: أن ينوي العبادة والعمل.

والثاني: أن ينوي المعبود المعمول له. فهو المقصودُ بذلك العمل والمرادُ به، الذي عُمِل العمل من أجله، كما بيَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله:«إنما الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى. فمن كانت هجرتُه إلى الله [ص 223] ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»

(2)

. فميَّز صلى الله عليه وسلم بين من كان عمله لله، ومن كان عمله لمال أو نكاح. والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإنَّ هذه النية فرضٌ في جميع العبادات، بل هذه النية أصلُ جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن.

ولا بدَّ في جميع العبادات أن تكون خالصةً لله سبحانه، كما قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3]. وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]. وقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]. وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} [النساء: 146]. وقال سبحانه: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65]. وقال: {إِلَّا

(1)

«المستوعب» (1/ 173 - 174)، «المغني» (2/ 132 - 133)، «الشرح الكبير» (3/ 359 - 364)، «الفروع» (2/ 133 - 137).

(2)

تقدم في أول كتاب الطهارة.

ص: 589

عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} في عدة مواضع [الصافات: 40، 74، 128، 160]. وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

وهذه الآيات كما دلَّت على فرض العبادة، ففُرضت العبادة، وأن تكون

(1)

لله خالصة، وهذه حقيقة الاسلام. وما في القرآن من قوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، إلى غير ذلك من الآيات كلُّها تدلُّ على هذا الأصل. بل جماع مقصود الكتاب والرسالة هو هذا. وهو معنى قول لا اله إلا الله، وهو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين.

وضدُّ هذه النية: الرياء والسمعة، وهو إرادة أن يرى الناسُ عملَه وأن يسمعوا ذكرَه. وهؤلاء الذين ذمَّهم الله تعالى في قوله:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 4 - 6]. وقال: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: 142]. ومن صلَّى بهذه النية، فعملُه باطل يجعله الله هباءً منثورًا. وكذلك من أدَّى شيئًا من الفرائض.

والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختصُّ بعبادة دون عبادة، إذ الفعل

(1)

كذا في الأصل والمطبوع، والظاهر أنَّ في الكلام سقطًا، ويستقيم لو قلنا:«العبادة، دلَّت على أن تكون» .

ص: 590

بدون هذه النية ليس عبادةً أصلًا.

الركن الثاني: أن ينوي ما تتميَّز به عبادة عن عبادة، فينوي الصلاة لتتميَّز عن سائر أجناس العبادات، وينوي صلاة الظهر مثلًا لتتميَّز عن صلوات سائر الأوقات. وهكذا في كلِّ ما يميِّز تلك العبادةَ عن

(1)

غيرها، سواء كانت مفروضة أم مستحبة. وهذه النية هي التي يتكلَّم عليها [ص 224] في هذا الموضع

(2)

، إذ الكلام هنا في فروع الدين وشرائعه. وتلك النية متعلِّقة بأصل الدين وجماعه، والفقهُ في شرائع الدين وفروعه إنما هو بعد تحقيق أصوله، إذ الفروع كمال الأصول وإتمامها.

إذا تبيَّن هذا، فيجب على المصلي أن ينوي الفعلَ وهو الصلاة، ليتميَّز قيامه عن قيام العادة، وكذلك سائر أفعاله.

ويجب أن يعيِّن الصلاةَ مثل أن ينوي صلاة الظهر أو العصر، إن كانت ظهرًا أو عصرًا ونحو ذلك. هذا ظاهر المذهب.

وعنه ما يدل على أنه يكفيه نية مطلقة إذا تعذَّر تعيينُ الصلاة، وأمكن الاكتفاءُ بنية مطلقة بأن ينوي فرضَ الوقت، أو تكون عليه فائتة رباعية ــ إما الظهر وإما العصر ينوي الواجب عليه، كما قلنا في الزكاة.

والأول: المذهب، لأنَّ مقصود كلِّ صلاة واسمها ووقتها يخالف الأخرى، فلا بدَّ من تمييزها بالنية.

(1)

في المطبوع: «من» ، والمثبت من الأصل.

(2)

في المطبوع: «هذه المواضع» ، والمثبت من الأصل.

ص: 591

ولهذا لو كانت عليه فوائت فصلَّى رباعية ينويها

(1)

عمَّا عليه لم يُجزئه إجماعًا. ولو كانت عليه شياهٌ عن ذَود وغنم، أو صِيعانٌ من طعام من صدقة فطر وعُشْر، فأخرج شاةً أو صاعًا مما عليه أجزأه؛ لأنَّ الواجب ثَمَّ لم يختلف اسمُه ولا مقصودُه، وإنما اختلف سببُ وجوبه، فإنَّ مواقيت الصلاة حدودٌ للصلوات صارت صفاتٍ لها، فالعبادة المفعولة على غير ذلك الحدِّ والصفة لا تسُدُّ مسدَّها معها كالبعير بالنسبة إلى البقرة. ولهذا كانت الصلوات الخمس لا بد أن تخالف كلُّ صلاة الأخرى في بعض واجباتها أو في بعض مستحباتها، كما خالفتها في الوقت.

فصل

وهل يجب عليه في المكتوبة أنها فرض؟ على وجهين.

أحدهما: يجب عليه. قاله ابن حامد

(2)

، لأن الظهر قد تكون نفلًا، كظهر الصبيِّ والظهر المعادة، وكما لو صلَّى الظهر أولًا تطوعًا قبل أن يصلِّي المكتوبة.

والثاني: لا يجب. وهو قول الأكثرين، لأنَّ الظهر المطلق ممن في ذمته ظهرٌ لا يقع إلا فرضًا. فإذا نوى الظهر وأطلق لم تكن إلا فرضًا، كما أنَّ الزكاة المطلقة لما لم تقع إلا فرضًا لم يجب أن ينوي الفرض. وكذلك الوضوء من الحدث، وغسل الميت، وغسل الجنابة؛ وإن كان مع التقييد قد تكون الزكاة نافلةً كما يقال: زكاة الحلي عاريته، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما

(1)

في الأصل: «ينويهما» ، وصوابه من حاشية الناسخ.

(2)

«المستوعب» (1/ 174).

ص: 592

دون خمسة أوسُقٍ صدقة إلا أن يشاء ربُّها»

(1)

، وكما قد يستحب له إخراج الزكاة في [ص 225] مواضع تُذكر إن شاء الله تعالى في مواضعها.

وسبب ذلك: أنَّ نية صفات العبادة تندرج في نية العبادة. فإذا نوى الظهر اندرج في ذلك أربع ركعات، وأنها واجبة ونحو ذلك، إذا كانت تلك العبادة لا تقع إلا على تلك الصفة، أو تنصرف عند الإطلاق إلى تلك الصفة.

وعلَّل القاضي وغيره من أصحابنا ذلك بأنَّ الظهر الأولى من المكلَّف لا تقع إلا فرضًا، فلم يحتمل الفعلُ وجهين لتميِّز النيةُ بينهما؛ إلا أنَّ هذا يُشكِل بمن نوى ظهرًا تطوعًا قبل المكتوبة، كما حملوا عليه حديث معاذ بن جبل

(2)

، فإنهم قالوا: كان يصلِّي خلف النبي صلى الله عليه وسلم تطوعًا، ثم يصلِّي بقومه المكتوبة. وهذا جائز، بل مستحَبٌّ إذا كان لغرض صحيح، مثل أن يكون إمامَ مسجد راتب، فتقام الصلاة أولًا في غير مسجده، فيصلِّي الظهر معهم. والتعليل بالإطلاق أجود.

فأمَّا نية الوجوب في أبعاض الصلاة، مثل أن ينوي وجوبَ قراءة الفاتحة، ووجوب الركوع والسجود ونحو ذلك، فلا يجب، بل يكفي أن يأتي بالواجبات مع اعتقاد وجوب الصلاة في الجملة. هكذا ذكره أصحابنا

(1)

أخرجه البخاري (1405) ومسلم (979) من حديث أبي سعيد دون قوله: «إلا أن يشاء ربُّها» . وقد جاء هذا اللفظ في حديث أنس الطويل الذي أخرجه البخاري (1454) وفيه: «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» . وكذلك قال فيه: «فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» .

(2)

أخرجه البخاري (700) ومسلم (465).

ص: 593

لأن تمييز الواجبات من غيرها إنما يُدرَك بالظن في كثير من المواضع، وفيه من الخلاف والاشتباه ما لا خفاء به. فلو كانت هذه النية واجبةً لكان لا يصلِّي أحدٌ صلاةً متيقَّنة الصحة، ولا صلاة مُجمَعًا على صحتها. ولأنَّ ذلك لو كان واجبًا لبيَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيانًا قاطعًا للعذر، كما بيَّن لهم وجوب الصلوات الخمس دون غيرها، فلمَّا لم يكن ذلك عُلِمَ أنَّ هذا ليس واجبًا.

فصل

وهل يحتاج أن ينوي في الحاضرة أنها الحاضرة أو المؤدَّاة أو فرض الوقت، وينوي في الفائتة أنها الفائتة أو المقضيَّة أو فرض الوقت الفائت؟ على ثلاثة أوجه:

أحدها: يجب عليه، لأنَّ أحكام الفائتة تخالف أحكام الحاضرة، فإنها واجبة في وقت محدود يُقتَل بتركها، ويحرُم تأخيرها عن وقتها إجماعًا، ويُشرَع لها من الأذان والاجتماع وغير ذلك ما لا يُشرَع للفائتة.

وبنى القاضي هذا الوجه على قول من لا يجيز ائتمامَ المؤدِّي بالقاضي. فعلى هذا لو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة، فصلى ظهرًا مطلقةً، لم تُجزئه عن واحدة منهما. وإن لم يكن عليه إلا ظهر فائتة أو حاضرة، وصلَّى ظهرًا لم يخطر بقلبه هل هي صلاة الوقت الحاضرة أو صلاة الوقت الفائتة، لم يُجزئه.

والثاني: لا يجب ذلك، بناءً على أنهما صلاتان من جنس واحد. ولهذا جوَّز اقتداءَ المؤدِّي بالقاضي من لم يجوِّز اقتداء المفترض بالمتنفل، ولأن حاصل ذلك يرجع إلى تعيين [ص 226] الوقت، وهو غير واجب لأنه لو كان

ص: 594

عليه فائتة لم يحتَجْ أن ينوي يومَها اتفاقًا. وكذلك لو كان عليه فائتتان من جنس كفاه أن يصلِّي إحداهما، ينوي أنها السابقة، وإن لم يعيِّن يومها. فعلى هذا يجزئه في الصورة الثانية. ويجزئه في الصورة الأولى، ويقع عن الفائتة إذا كان ذاكرًا لها، لأن فعلها قبل الحاضرة واجب، إلا أن يكون الوقت قد ضاق، فيقع عن الحاضرة.

والوجه الثالث: تعتبر النية للفائتة دون الحاضرة، لأنَّ وقت الحاضرة يوجب انصراف النية إليها، وإن جاز أن يفعل غيرها، بخلاف الفائتة.

فأما إن نوى ظهر يومه معتقدًا بقاء الوقت فتبيَّن فواته، أو معتقدًا فواته فتبيَّن بقاؤه، أو غير معتقد شيئًا، ناويًا ظهر يومه من غير أن يخطر بقلبه وصفُ القضاء أو الأداء= أجزأه قولًا واحدًا. وكذلك لو نوى الظهر التي عليه قبل اليوم في الفائتة وشبه ذلك، لأنه قد عيَّن الصلاة التي وجبت عليه في وجه لا تشتبه بغيرها، وذلك كافٍ فإنَّ نية القضاء والأداء تلزم ذلك، وكلُّ صفةٍ لازمةٍ لما نواه لا يجب أن ينويها.

ولهذا قلنا: لا يجب أن ينوي كونها أربع ركعات إذا كانت حاضرةً، ولا أن ينوي وصفَ الأداء إذا قصَد فعلَها في وقتها، ولا أن ينوي وصفَ القضاء إذا قصَد فعلَها بعد خروج وقتها، قولًا واحدًا، لأنَّ ذلك تابع لازم لما نواه.

ولو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة، فصلَّاهما، ثم ذكر أنه ترك شرطًا من إحداهما، لا يعلم عينَها= أجزأته صلاة واحدة ينوي بها ما عليه، على الوجه الثاني. وعلى الأول والثالث، تلزمه صلاتان.

ولو كانتا فائتتين أجزأته صلاة واحدة قولًا واحدًا.

ص: 595

وعلى الأقوال الثلاثة، إذا نوى صلاةً بعينها أداء أو قضاء لم تُجزِئه عن غيرها، مثل أن ينوي ظهرًا حاضرًا، وتكون عليه فائتة، فإنه لا يجزئه عن الفائتة. أو ينوي ظهر

(1)

أمس يعتقد أنها عليه، ثم تبيَّن أنها ليست عليه، فإنها لا تجزئه [عن]

(2)

ظهر اليوم، سواء كانت فائتة أو حاضرة.

ومن أصحابنا من خرَّج وجهًا بالإجزاء إلغاءً لوصف التعيين، كما ألغينا وصف القضاء والأداء عند الاشتباه لأنهما من جنس واحد. وهذا ضعيف، لأنَّ هذا نوى صلاةً لم تكن عليه، فكيف تجزئه عمَّا هو عليه؟ خلافَ وصف القضاء والأداء، فإنه لا يُخِلُّ بعين المكتوبة، ولأنه لم يقصد امتثال الأمر فيما يحكيه فيبقى في عهدته. ولأنه لا يلزم من انصراف النية إليه عند الإطلاق انصرافُها إليه إذا نوى غيرَها كنية الفريضة. ولأنه لو أخرج زكاةَ ماله الغائب، فبان تالفًا، لم يُجزِئه عن الحاضر. ولو كفَّر عن يمين لحِنثٍ

(3)

عيَّنه بنيته، ثم بان أنه لم يحنث= لم يُجزئه عن يمين أخرى إذا كان الواجب عليه [ص 227] كفارتين

(4)

، ففي الصلاة أولى.

ولو كان عليه فائتتان من جنس، فنوى إحداهما لا بعينها، أجزأه في أحد الوجهين، لاتحاد الجنس كالزكوات والكفارات. وهذا اختيار الآمدي وغيره. وفي الآخر لا تجزئه حتى ينوي الأولى منهما، لأن الترتيب شرط،

(1)

في الأصل: «ظهرًا» .

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

في الأصل: «بحنث» ، وقال الناسخ في حاشيته:«كان لحنث، ثم حكت اللام» . وقد حذفها محقق المطبوع دون تنبيه.

(4)

كتب الناسخ فوقها: «لعله كفارتان» ، وقد أخطأ.

ص: 596

وهو قادر عليه.

فصل

ولا يستحب أن يقصد في نيته أو لفظه نيةَ اليوم الذي يصلِّي فيه، ولا استقبال القبلة. ذكره الآمدي. وكذلك نية العدد إن كان مقيمًا أو مسافرًا

(1)

، لأن هذا من شرط صحة الصلاة، فلو شُرِع ذكرُه لشُرع ذكرُ جميع الشرائط والأركان. ولأنَّ المصلِّي وإن كان ينقسم إلى مستقبل وغيره كالخائف ونحوه، والصلاةُ وإن كانت تنقسم إلى رباعية كصلاة المقيم، وثنائية كصلاة المسافر، فإنَّ الحالة التي هو عليها تُميِّز بين الواجب عليه وغيره، وتميِّز بين الواقع وغيره.

فصل

والمنذورة كالمكتوبة في افتقارها إلى التعيين، وإلى نية القضاء والأداء إن كانت كذلك، عند من يقول به.

فأمَّا التطوع، فإن كان مقيَّدًا بوقت أو سبب، كالسُّنن الرواتب والضحى وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح، فإنه يفتقر إلى التعيين، وإلى نية القضاء أو الأداء عند من يقول به. وكذلك تفتقر صلاة العيد والجنازة إلى نية الفرض على الكفاية، عند من يقول باشتراط نية الفرضية، فيما ذكره بعض أصحابنا.

(1)

في الأصل: «مقيما بمسافر» وبينهما بياض بقدر كلمة. والمثبت من المطبوع، ولم ينبِّه محققه على ما في النسخة وتصحيحه.

ص: 597