الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعموم من صفات النطق ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، كما في جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في السفر رواه البخاري، فإنه لا يعم السفر الطويل والقصير، فإنه إنما يقع في واحد منهما.
وكما في قضائه صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار. رواه النسائي عن الحسن مرسلاً، فإنه لا يعم كل جار، لاحتمال خصوصية في ذلك الجار.
[الشرح والإيضاح]
العموم من عوارض الألفاظ
، أي: من خصائصها؛ لأن العرب وضعت ألفاظا معينة تدل على العموم، وقد استقرأها العلماء، وتقدم الكلام عما ذكره المصنف من هذه الألفاظ قبل قليل.
وبقي هنا أن نجيب على تساؤل: هل يمكن استفادة العموم من غير الالفاظ؟
والمصنف عليه رحمة الله عقد هذا المبحث للجواب عن هذا السؤال، وخلاصة ما ذكره أن العموم لا يستفاد إلا من النطق فقط، وأنه لا عموم في الأفعال.
1_
مثاله: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة
(1)
، (فصلى): فعل ليس فيه ما يدل على العموم حتى يشمل صلاة الفرض والنافلة.
ولو قال صلى الله عليه وسلم ذلك بالقول، مثلا: الصلاة في الكعبة جائزة أو نحو ذلك، لعم صلاة الفرض والنفل؛ لأن أل في الصلاة من ألفاظ العموم.
وبهذا رد الشافعية على الحنفية في مسألة تجويزهم صلاة الفرض في الكعبة استدلالا
(1)
جاء في الحديث أن ابن عمر سأل بلالاً رضي الله عنهما، فقال:"يا بلال، صلى رسول اله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم .. "والحديث متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، برقم:(1167)، واللفظ له، ومسلم في صحيحه، برقم:(1329).
بهذا الحديث، والحنفية لم يقولوا أن الفعل له عموم، لكن وجه الحاقهم الفرض بالنفل هو القياس أو معنى النص
(1)
.
2_
وأما المثال الآخر فهو حديث: (قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار)
(2)
، (وقضى) فعل في مكان معين وشخص معين، فلا يستفاد منه العموم؛ لأن الفعل له زمن معين ومكان معين، وعليه فلا يستدل بهذا الحديث على جواز الشفعة لكل جار، لعدم إفادته العموم لأنه فعل، والأفعال لا عموم لها.
وإنما يستدل به من استدل وهم الحنفية لا لعمومه، بل من جهة القياس على ذلك الجار؛ لأن لفظة الجار مشعرة بالتعليل.
تنبيه: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هي تشريع عام للأمة إلى يوم القيامة، وعمومها بدليل آخر لا بدلالة الفعل على العموم فإنه لا يدل، والأدلة على اتباعه والاقتداء بأفعاله كثيرة من الكتاب، والسنن، وأفعال الصحابة بلا خلاف.
إذا فالعموم في الأصل يستفاد من الألفاظ الدالة عليه. هذا هو أصل القاعدة لكن قد يستفاد العموم بمعنى النص أو علة النص، فالأول كقوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]. دخل فيه قطعاً الضرب، مع أنه ليس مشمولا باللفظ العام، لكن عمه المعنى.
وأما الثاني: فقياس النقود الورقية المعاصرة على الذهب والفضة في الربا؛ لأن العلة هي كونها قيم الأشياء، وهذه متحققة في النقود الورقية المعاصرة.
(1)
شرح التلويح على التوضيح (1/ 116).
(2)
مسند أحمد ط الرسالة (2/ 245) عن علي، وابن مسعود:" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار "
وهناك عموم المحذوفات أو المتعلقات كما تقدم قبل قليل في مسألة: (والله لا آكل)،
…
فإنه لو أكل أي طعام يحنث؛ لأن هناك عموما يعم كل محذوف تقديره لا آكل أي طعام.
وفي عموم المقتضى خلاف، وكذلك عموم المشترك، والشافعي يقول بعموم المشترك نحو:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، فاللمس مشترك على اللمس باليد والجماع، ومن العجب أن الغزالي في المستصفى تعقّب إمامه الشافعي في هذا وغيره فقال: مسألة الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه: عندنا خلافا للقاضي، والشافعي؛ لأن المشترك لم يوضع للجمع، مثاله القرء للطهر، والحيض، والجارية للسفينة، والأمة، والمشترى للكوكب وقابل البيع
(1)
، ثم ناقش المسألة ورجع في بعض إلى رأي الشافعي.
وليس هذا الموضع الوحيد الذي يتعقب بل في غيره، فمثلا: قال ناقدا قاعدة الشافعي الشهيرة ترك الاستفصال: "فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم، وهذا من كلام الشافعي قلنا: من أين ذلك؟ ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته، ولم يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد."
(2)
ومفهوم المخالفة عام لكن مستفاد من جهة المعنى، وإنما الخلاف في عمومه قائم هل له عموم لفظي بناء على أن العموم للألفاظ لا المعاني أو للمعاني والألفاظ؟
(1)
المستصفى (ص: 240)، وهذا يدل أن الغزالي في الأصول مجتهد مستقل، وأما في الفروع فالمذهب يكبله، مع قدرته على أن يكون له قوله ومذهبه الفقهي، لكن سلطان العادات الجارية حينئذ شكلت خطرا كبيرا على كل من استقل بالرأي الفقهي.
(2)
المستصفى (ص: 235).
فالخلاف لفظي قال زكريا: وأما من جهة المعنى فهو شامل لجميع صوره ما عدا المذكور بما مر من عرف وإن صار به منطوقا أو معنى
(1)
(1)
غاية الوصول في شرح لب الأصول (ص: 76).