الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خبر الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى البيت المقدس، وخبر المعراج به صلى الله عليه وسلم
إلى السموات العلا، وإلى سدرة المنتهى، وما شاهد فى ذلك من الكرامة والاصطفاء والمناجاة، وفرض الصلاة، وغير ذلك مما يراه من آيات ربّه الكبرى، صلى الله عليه وسلم وخبر الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح متفق على صحته بنص الكتاب والأحاديث الصحيحة. أما الكتاب العزيز، فقد قال الله عز وجل:
(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
«1» . وقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى.
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)
«2» .
وأما الأحاديث الواردة فى ذلك فسنذكرها إن شاء الله تعالى.
وكان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وقد أتت عليه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر.
وقال ابن سعد فى طبقاته عن عائشة وأمّ هانئ وابن عباس قالوا: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة من شعب أبى طالب [إلى بيت المقدس «1» ] . والله أعلم.
والأحاديث الصحيحة بصحة الإسراء قد جاءت من طرق كثيرة، وقد رأينا أن نبدأ منها بأكملها وأجمعها، وهو حديث ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه، ثم نذكر زيادات عن غيره يتعين ذكرها.
أما حديث ثابت البنانىّ «2» فهو مما رويناه بإسناد متصل عن مسلم بن الحجاج، قال حدّثنا شيبان بن فرّوخ، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال حدّثنا ثابت البنانىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه» . قال: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السّماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بآدم صلى الله عليه وسلم، فرحّب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابنى الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما وسلم، فرحّبا بى ودعوا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة،
وذكر مثل الأوّل ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإدريس فرحّب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون «1» فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بى إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى فرحّب بى، ودعا لى بخير، ثم عرج بى إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها «2» كالقلال» . قال:«فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلىّ ما أوحى، ففرض علىّ خمسين صلاة فى كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا يطيقون ذلك «3» ، فإنى قد بلوت بنى إسرائيل» .
قال: «فرجعت إلى ربى فقلت: يا رب خفف عن أمّتى، فحطّ عنى خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عنى خمسا» ، قال «4» : إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: «فلم أزل أراجع بين ربى تعالى، وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنهنّ خمس صلوات، كل يوم وليلة بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها
كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» . قال:«فنزلت «1» حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقلت: قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه» .
وروى يونس عن ابن شهاب عن أنس قال: كان أبو ذرّ يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فرج سقف بيتى «2» ، فنزل جبريل ففرج صدرى ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها فى صدرى ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء» . فذكر القصة.
وروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة الحديث بمثله، وفيه تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وخلاف فى ترتيب الأنبياء والسموات؛ وحديث ثابت عن أنس أتقن وأجود. وهذان الحديثان يدلان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شقّ جوفه عند الإسراء، وقد تقدم الخبر أنه شقّ جوفه وهو عند ظئره فى حال طفوليته، فيكون على هذا شقّ جوفه مرتين. والله أعلم بالصواب.
ونقل عن الشيخ عبد القادر محمد بن أبى الحسن الصعبىّ فى مختصر السيرة له قال: روى أبو داود الطيالسىّ فى مسنده «3» ، قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال أخبرنى أبو عمران الجونىّ عن رجل عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهرا، فوافق ذلك رمضان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع: السلام عليكم، قالت: فظننت أنه فجئه الحقّ «4» ، فقال:
«أبشروا فإن السلام خير» ، ثم رأى يوما آخر جبريل عليه السلام على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال: فبهتّ منه، قالت «1» : فانطلق يريد أهله، فإذا هو بجبريل عليه السلام بينه وبين الباب، قال:«فكلمنى حتى أنست به ثم وعدنى موعدا، فجئت لموعده، واحتبس علىّ جبريل، فلما أراد أن يرجع إذا هو وميكائيل عليهما السلام، فهبط جبريل عليه السلام إلى الأرض، وبقى ميكائيل بين السماء والأرض» ، قال:«فأخذنى فسلقنى لحلاوة القفا «2» ، وشقّ عن بطنى، فأخرج منه ما شاء الله، ثم غسله فى طست من ذهب ثم أعاده، ثم كفانى كما يكفأ الإناء، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مسّ الخاتم، ثم قال لى:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)
ولم أقرأ كتابا قط، فأخذ بحلقى حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ)
إلى قوله: (ما لَمْ يَعْلَمْ)
» . قال: «فما نسيت بعد، فوزننى برجل فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، ثم وزننى بمائة، فقال ميكائيل:
تبعته أمته وربّ الكعبة» . قال: «ثم جئت إلى منزلى، فما يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول الله» .
فيدل هذا الحديث على أنه شقّ جوفه أيضا عند الوحى، فيكون شقّ جوفه ثلاث مرات؛ مرة وهو عند ظئرة، ومرة عند الوحى فى أول النبوة، كما يقتضى هذا الحديث، ومرة ثالثة عند الإسراء؛ كما روى عن أبى ذرّ، ومالك بن صعصعة.
والله أعلم.
وإنما أوردنا حديث الطيالسىّ فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، لأن موضعه يصلح أن يكون عند ذكر حديث المبعث، وقد أثبتنا هناك الأحاديث الصحيحة؛ فلنرجع إلى ما نحن فيه من حديث الإسراء.
وأمّا ما ورد فى الأحاديث الأخر من الروايات التى يتعين ذكرها:
فمنها حديث ابن شهاب وفيه قول كل نبىّ: «مرحبا بالنبىّ الصالح، والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له: والابن الصالح» .
وفيه من طريق ابن عباس رضى الله عنهما: «ثم عرج بى حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» .
وعن أنس: «ثم انطلق بى حتى أتيت سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لم أدر ما هى» ، قال:«ثم أدخلت الجنة» «1» .
وفى حديث مالك بن صعصعة: «فلما جاوزته- يعنى موسى- بكى، فنودى ما يبكيك؟ قال: ربّ، هذا غلام بعثته بعدى، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى» .
وفى حديث أبى هريرة: «وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلّم عليه، فالتفت «2» فبدأنى بالسلام» .
وفى حديث أبى هريرة: «ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة وصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة، قالوا: يا جبريل من هذا
معك؟، قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قالوا: حيّاه من أخ وخليفة! فنعم الأخ ونعم الخليفة! ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم» . وذكر كلام كل واحد منهم؛ وهم إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان. ثم ذكر كلام النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه، فقال:«كلكم أثنى على ربه، وأنا أثنى على ربى؛ الحمد لله الذى أرسلنى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علىّ الفرقان فيه تبيان كل شىء، وجعل أمتى خير أمة، وجعل أمتى أمة وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لى صدرى، ووضع عنى وزرى، ورفع لى ذكرى، وجعلنى فاتحا وخاتما» . فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد.
ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء؛ نحو ما تقدم.
وفى حديث ابن مسعود: «وانتهى بى إلى سدرة المنتهى، وهى فى السماء السادسة؛ إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهى ما يهبط «1» من فوقها فيقبض [منها «2» ] » . قال تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى)
، قال: فراش من ذهب.
وفى رواية أبى هريرة رضى الله عنه، من طريق الربيع بن أنس: «فقيل لى:
هذه سدرة المنتهى، ينتهى إليها كل أحد من أمتك خلا «3» على سبيلك» . وهى السّدرة المنتهى يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيرّ طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى. وهى شجرة يسير الراكب فى ظلها سبعين عاما، وإن ورقة منها مظلّة الخلق. فغشيها نور، وغشيتها الملائكة.
قال: فهو قوله تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى)
؛ فقال تبارك وتعالى له:
فقال «1» له ربّه: «قد اتخذتك حبيبا» فهو مكتوب فى التوراة: «محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك «2» إلى الناس كافة، وجعلت أمتك [هم «3» ] الأوّلون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجعلتك أوّل النبّيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثانى ولم أعطها نبيّا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشى، لم أعطها نبيّا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما» .
وفى الرواية «4» الأخرى، قال: فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا:
أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمّته المقحمات «5» .
وقال: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)
؛ الآيتين. قيل: رأى جبريل فى صورته له ستمائة جناح. وفى حديث شريك: «أنه رأى موسى فى السابعة» قال: بتفضيل
كلام الله، قال:«ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع علىّ أحد» .
وقد روى عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلّى بالأنبياء ببيت المقدس. وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل علىّ جبريل عليه السلام فوكز بين كتفىّ، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكرى الطائر، فقعد فى واحدة، وقعدت فى الأخرى فنمت «1» حتى سدّت الخافقين، ولو شئت لمسست السماء، وأنا أقلّب طرفى، ونظرت جبريل كأنه حلس «2» لا طئ «3» ، فعرفت فضل علمه بالله علىّ؛ وفتح لى باب السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دونى الحجاب وفرجه الدرّ والياقوت، ثم أوحى الله إلىّ ما شاء أن يوحى» .
وذكر البزّار عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: لمّا أراد الله أن يعلّم رسوله الأذان جاءه جبريل بداية يقال لها البراق، فذهب يركبها، فاستصعبت عليه، فقال لها جبريل: أسكنى، فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم؛ فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذى يلى الرحمن تعالى، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك [من «4» ] الحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا جبريل، من هذا؟» . قال: والذى بعثك بالحقّ إنى لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدى؛ أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن
لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب:«صدق عبدى، أنا لا إله إلا أنا» . وذكر مثل هذه فى بقيّة الأذان، إلا أنه لم يذكر جوابا عن قوله: حىّ على الصلاة، حىّ على الفلاح، وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد فقدّمه، فأمّ أهل السماء فيهم آدم ونوح «1» .
قال القاضى عياض بن موسى رحمه الله: ما فى هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو فى حقّ المخلوق لا فى حقّ الخالق، فهم المحجوبون، والبارى جل اسمه منزّه عما يحجبه؛ إذ الحجب إنما تحيط بمقدّر محسوس «2» ، ولكنّ حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، كقوله:(كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)
«3» . قال: فقوله فى هذا الحديث: «الحجاب» يجب أن يقال: إنه حجاب حجب به من ورائه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته، وعجائب ملكوته وجبروته. ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذى خرج من ورائه: إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه، فدلّ [على «4» ] أن هذا الحجاب لم يختص بالذات.
ويدل عليه قول كعب فى تفسيره: سدرة المنتهى، قال: إليها ينتهى علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم.
قال: وأما قوله «الذى يلى الرحمن» ، فيحمل على حذف المضاف [أى «5» ] الذى يلى عرش الرحمن، أو أمرا ما من عظيم آياته، أو مبادئ حقائق معارفه مما هو أعلم به، كما قال تعالى:(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)
«6» أى أهلها.