الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعزّتى لأستنقذنّ به أمما من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد، مثل كتابه الذى يجىء به، فاعقلوه يا بنى إسرائيل مثل السّقاء المملوء لبنا يمخض فيخرج زبدا، بكتابه أختم الكتب، وبشريعته أختم الشرائع، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل فى شريعته فهو من الله برىء، أجعل أمّته يبنون فى مشارق الأرض ومغاربها مساجد، إذا ذكر اسمى فيها ذكر اسم ذلك النبىّ معى، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول.
وأما ما جاء عن كعب الأحبار رحمه الله
،
فمن ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: يا كعب، أدركت النبىّ صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن موسى بن عمران تمنّى أن يكون فى أيامه فلم تسلم على يده، ثم أدركت أبا بكر وهو خير منّى فلم تسلم على يده، ثم أسلمت فى أيّامى، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علىّ، فإنى كنت أتثبّت حتى أنظر كيف الأمر؟ فوجدته كالذى هو فى التوراة. قال عمر: كيف هو فيها؟ قال: رأيت فى التوراة أن سيد الخلق، والصفوة من ولد آدم، يظهر من جبال فاران من منابت القرظ من الوادى المقدّس، فيظهر التوحيد والحق، ثم ينتقل إلى طيبة، فتكون حروبه وأيامه بها، ثم يقبض فيها، ويدفن بها. قال عمر: ثم ماذا يا كعب؟ قال كعب: ثم يلى بعده الشيخ الصالح. قال عمر: ثم ماذا؟
قال كعب: ثم يموت متّبعا. قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى بعده القرن الحديد- وفى لفظ: مدرع من حديد- قال عمر: وادفراه «1» ! ثم ماذا؟
قال كعب: ثم يقتل شهيدا؛ قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب
الحباء والكرم، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يقتل مظلوما، قال عمر:
ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلى صاحب المحجّة البيضاء، والعدل والسواء، صاحب الشّرف التامّ، والعلم الجام «1» ، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يموت شهيدا سعيدا، قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم ينتقل الأمر إلى الشام؛ قال عمر:
حسبك يا كعب.
ومما جاء عنه ما روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن رجلا جاء إلى كعب الأحبار من بلاد اليمن فقال له: إن فلانا الحبر اليهودىّ أرسلنى إليك برسالة، قال كعب: هاتها! فقال: إنه يقول لك: ألم تكن فينا سيّدا شريفا مطاعا؟ فما الذى أخرجك من دينك إلى أمّة «2» محمد؟ فقال له كعب: أتراك راجعا؟ قال: نعم، قال: فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفرّ منك وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالذى ردّ موسى إلى أمّه، وأسألك بالذى فلق «3» البحر لموسى، وأسألك بالذى ألقى الألواح إلى موسى بن عمران فيها علم كلّ شىء، ألست تجد فى كتاب الله أن أمّة محمد ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنّة بغير حساب، وثلث يدخلون الجنة برحمة الله، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة؛ فإنه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلنى فى أىّ هذه الثلاثة شئت.
ومنه ما رواه عطاء بن يسار وأبو صالح عنه «4» أنه قال: أجد فى التوراة:
أحمد عبدى المختار، لا فظّ، ولا غليظ، ولا صحّاب فى الأسواق، ولا مجز
بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، أمّته الحمّادون؛ يحمدون الله على كلّ حال، ويسبّحونه فى كلّ منزلة، ويكبّرونه على كل شرف، يأتزرون على أوساطهم، ويصونون أطرافهم «1» ، وهم رعاة الشمس، ومؤذّنهم ينادى فى جوّ السماء، وصفّهم فى الصلاة سواء؛ رهبان بالليل، أسد بالنهار، لهم بالليل دوىّ كدوىّ النحل، يصلّون الصلاة حيثما أدركتهم من الأرض؛ مولده مكّة، مهاجره طابة، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح الله به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا.
ومنه ما روى أن معاوية بن أبى سفيان قال لكعب: دلّنى على أعلم الناس بما أنزل الله على موسى لأسمع كلامك معه، فذكر له رجلا من اليهود باليمن، فأشخصه إليه، فجمع معاوية بينهما، فقال له كعب: أسألك بالذى فرق البحر لموسى أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمة مرحومة، وهى خير أمّة أخرجت للنّاس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل «2» ، ويؤمنون بالكتاب الآخر «3» ، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذّاب، فاجعلهم يا ربّ أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟
قال الحبر: نعم أجد ذلك، ثم قال: كعب للحبر: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر، وإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد
لهم طهور، يتطهّرون به من الجنابة كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، حيث كانوا فلهم مسجد، غرّ محجّلون من الوضوء، فاجعلهم أمتى. قال:
هم أمة أحمد؟ فقال الحبر: نعم أجد ذلك؛ قال: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: رب إنى أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإذا عملها أضعفت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإذا عملها كتبت عليه سيئة مثلها، فاجعلهم أمّتى، قال: هم أمّة أحمد؟
قال الحبر: نعم، أجد ذلك؛ قال كعب: أنشدك الله الذى فرق البحر لموسى، أتجد فى كتاب الله المنزل أن موسى نظر فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمّة يأكلون كفّاراتهم وصدقاتهم، إنهم يطعمونها مساكينهم ولا يحرقونها كما كان غيرهم من الأمم يفعل؟. وجاء فى حديث آخر غير هذا ممّا هو منسوب إلى كتب الله السالفة:«يأكلون قرابينهم «1» فى بطونهم» . والمراد الضحايا.
ومنه ما روى عنه أنه قال: كان لأبى سفر من التوراة يجعله فى تابوت ويختم عليه، فلما مات أبى فتحته، فإذا فيه: إن نبيا يخرج فى آخر الزمان هو خير الأنبياء «2» ، وأمّته خير الأمم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، يكبّرون الله على كل شرف، ويصفّون فى الصلاة كصفوفهم فى القتال، قلوبهم مصاحفهم، يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين، اسمه أحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون الله على كل شدّة، رخاء، مولده مكة، ودار هجرته طابة، لا يلقون عدوّا إلا وبين أيديهم
ملائكة معهم رماح، تحنّن الله عليهم كتحنّن «1» الطير على فراخها، يدخلون الجنّة؛ يأتى ثلث منهم يدخلون «2» الجنة بغير حساب، ثم يأتى ثلث منهم بذنوب وخطايا، فيغفر لهم، ويأتى ثلث «3» بذنوب وخطايا عظام، فيقول الله: اذهبوا بهم فزنوهم وانظروا إلى أعمالهم، فيزنونهم «4» ويقولون: ربنا! وجدناهم قد أسرفوا على أنفسهم، ووجدنا أعمالهم من الذنوب أمثال الجبال، غير أنهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، فيقول الله: وعزّتى لا أجعل من أخلص لى الشهادة كمن كفر بى؛ قال كعب:
فأنا أرجو أن أكون من هذه الثلاثة إن شاء الله تعالى.
ومنه ما روى أن رجلين جلسا يتحدّثان وكعب الأحبار قريب منهما، فقال أحدهما: رأيت فيما يرى النائم كأن الناس حشروا، فرأيت النبيّين كلّهم لهم نوران نوران، ورأيت لأشياعهم «5» نورا نورا، ورأيت محمدا صلى الله عليه وسلم وما من شعرة فى رأسه ولا جسده إلا وفيها نور، ورأيت أتباعه ولهم نوران نوران، فقال له كعب: اتق الله تعالى يا عبد الله! وانظر ما تتحدّث «6» به، فقال الرجل: إنما هى رؤيا منام أخبرت بها على ما أريتها، فقال كعب: والذى بعث محمدا بالحق صلى الله عليه وسلم، وأنزل التوراة على موسى بن عمران، إنّ هذا لفى كتاب الله المنزل على موسى بن عمران كما ذكرت.
وأما ما جاء «7» عن أبى ثعلبة وهو أبو مالك،
وكان من أحبار يهود، فقد روى الواقدىّ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له: يا أبا مالك! أخبرنى
بصفة النبىّ صلى الله عليه وسلم فى التّوراة فقال: إن صفته فى توراة بنى إسرائيل «1» التى لم تبدّل ولم تغيّر أحمد، من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء؛ وهو النبىّ العربىّ، يأتى بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، فى عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوّة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشّملة، ويجتزئ بالبلغة ويركب الحمار «2» ، ويمشى فى الأسواق، سيفه على عاتقه، لا يبالى من لقى من الناس، معه صلاة لو كانت فى قوم نوح ما أهلكوا بالطّوفان، ولو كانت فى قوم عاد ما أهلكوا بالرّيح، ولو كانت فى ثمود ما أهلكوا بالصّيحة، مولده مكّة، ومنشؤه وبدء نبوّته بها، ودار هجرته يثرب بين لابتى حرّة ونخل وسبخة، وهو أمّىّ لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهو الحمّاد يحمد الله على كلّ شدّة ورخاء، سلطانه بالشام، وصاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدا، ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا، تكون له وقعات بيثرب، منها له ومنها عليه، ثم له العاقبة، معه قوم هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، وقربانهم دماؤهم، ليوث النهار رهبان الليل، يرعب عدوّه منه مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم، لا شرطة معه ولا حرس، الله يحرسه.
وكان من هؤلاء أيضا عبد الله بن سلام «3» ومخيريق «4» ؛
وسنذكر أخبارهما إن شاء الله تعالى عند ذكر إسلامهما بعد الهجرة على ما تقف عليه هناك.
هذه رواية من أسلم من أهل الكتاب.