الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء وتحوله إلى المدينة، وصلاته الجمعة، ونزوله على أبى أيوب خالد بن زيد
قال محمد بن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من منزل كلثوم فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وادى رانوناء «1» ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. قال محمد بن سعد:
صلاها بمن كان معه من المسلمين وهم مائة. قال ابن إسحاق: فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، فى رجال من بنى سالم بن عوف، فقالوا:
يا رسول الله، أقم عندنا فى العدد والعدّة والمنعة، قال:«خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو فى رجال من بنى ساعدة، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال لأولئك، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة فى رجال من بلحارث من الخزرج، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى عدىّ بن النجار وهم أخواله اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة «2» فى رجال من بنى عدىّ بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدّة والمنعة، فقال كما قال لأولئك، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مربد «3» لغلامين يتيمين من بنى النجار، فى حجر
معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، فلما بركت ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل، فسارت غير بعيد، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت «1» ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى: لما بركت الناقة جعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحطّ رحله فأدخله منزله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«المرء مع رحله» ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منزل أبى أيوب هدية دخلت بها إناء قصعة مثرود فيها خبز وسمن ولبن، فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمّى، فقال:«بارك الله فيك» ، ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم «2» الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة؛ ثريد وعراق «3» ، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، يتناوبون ذلك حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبى أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر.
وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه. والله أعلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبى أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فقدما إلى مكة لفاطمة وأم كلثوم عليهما السلام ابنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وحمل زيد بن خارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبى بكر معهم بعيال أبى بكر فيهم عائشة، فقدموا المدينة فأنزلهم فى بيت حارثة بن النعمان، وكانت رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبشة مع زوجها عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق بسنده إلى أبى أيوب قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى نزل فى السّفل، وأنا وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى، إنى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت وكن فى العلو، وننزل نحن ونكون فى السّفل، فقال:
«يا أبا أيوب، إنّ أرفق بنا ومن يغشانا أن نكون فى سفل البيت» ، قال: فلقد انكسر حبّ «1» لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننّشف بها الماء؛ تخوّفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤذيه، قال:
وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، قال: فردّه ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك للبركة، قال:«فإنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى «2» فأما أنتم فكلوه» ، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة.
والله المستعان.