الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقال: لم نزغ «1» ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس به تلك «2» الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء فقد رضى الله ما صنعنا فنهدم، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم عليه السلام، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنّة «3» آخذ بعضها بعضا، فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقّضت مكة «4» بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال: ثم «5» إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، كلّ قبيلة تجمع على حدة، وبنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن «6» . والله المستعان.
ذكر اختلاف قريش فى رفع الرّكن وتراضيهم بالنبى صلى الله عليه وسلم وخبر النجدىّ
قال ابن إسحاق «7» : ولما بلغ البنيان إلى موضع الركن اختصموا فيه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتخالفوا واعتدّوا للقتال «8» ، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملؤة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدىّ بن كعب
ابن لؤىّ على الموت، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم، فسمّوا لعقة الدّم؛ فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان إذ ذاك أسنّ قريش كلّها: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل داخل يدخل «1» ؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا محمد، رضينا به؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: هلّم إلىّ ثوبا فأتى به، وقيل: بل بسط رداءه فى الأرض، وأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: ليأت «2» من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان من ربع بنى عبد مناف عتبة بن ربيعة، وفى الربع الثانى أبو زمعة، والربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، والربع الرابع قيس بن عدىّ.
هكذا نقل الواقدى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كلّ رجل منكم بزواية من زوايا الثّوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فى موضعه، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبىّ صلى الله عليه وسلم حجرا يشدّ به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا.
ونحّاه، وناول [العباس «3» ] رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا، فشدّ به الركن، فغضب النّجدىّ حين نحّى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إنه ليس يبنى معنا فى البيت إلا منّا؛ فقال النّجدىّ: يا عجبا لقوم أهل شرف، وعقول، وسنّ، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنّا، وأقلّهم مالا، فرأسوه عليهم فى مكرمتهم وجودهم كأنهم
خدم له، أما والله ليفرقنّهم شيعا، وليقسمنّ بينهم حظوظا وجدودا «1» . ويقال إن النّجدىّ إبليس لعنه «2» الله. فقال أبو طالب:
إن لنا أوله وآخره
…
فى الحكم والعدل الذى لا ننكره
وقد جهدنا جهده لنعمره
…
وقد عمرنا خيره وأكثره «3»
فإن يكن حقّا ففينا أوفره
قال: ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، وكان خمسة عشر جائزا «4» سقفوا البيت عليه، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت، قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قومك استقصروا فى «5» بنيان الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشّرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدى أن يبنوه، فهلمّ أريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة «6» أذرع فى الحجر، وقال صلى الله عليه وسلم: ولجعلت لها بابين شرقيّا وغربيا، أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: فقلت: لا أدرى. قال: تعزّزا أن لا يدخلها إلا من أرادوا.
قال ابن هشام «7» : وكانت الكعبة على عهد النبىّ صلى الله عليه وسلم ثمانى عشرة ذراعا، وكانت تكسى القباطىّ «8» ثم كسيت البرود «9» ، وأوّل من كساها الديباج الحجّاج ابن يوسف «10» .