الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر دخول قريش على أبى طالب فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان بينهم من المحاورات
قال محمد بن إسحاق «1» :
لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم «2» من شىء أنكروه عليه، ورأوا أن عمّه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم «3» يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب، وهم: عقبة وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس، وأبو سفيان صخر بن حرب، وأبو البخترىّ العاص بن هشام، والأسود بن المطّلب بن أسد، وأبو جهل عمرو بن هشام، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج ابن عامر، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّى بيننا وبينه، فإنك على سبيل «4» ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى»
الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرّجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا «6» فيه، وحضّ بعضهم بعضا عليه،
ثم مشوا إلى أبى طالب مرّة أخرى فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإيّاك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين؛ ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.
فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخى، إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا، فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق؛ قال: فظنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه «1» فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال «2» له:«يا عمّ، والله لو وضعوا الشّمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» ؛ ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» وقام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخى، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يابن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا.
قال «4» : ثم إن قريشا لما عرفوا «5» أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم فى ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد «6» فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتّخذه ولدا فهو لك خير، وأسلم لنا ابن أخيك هذا
الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجل برجل «1» ، قال «2» : والله لبئس ما تسوموننى، أتعطوننى «3» ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابنى تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا، فقال له المطعم «4» بن عدىّ ابن نوفل بن عبد مناف بن قصىّ: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا؛ فقال له أبو طالب: والله ما أنصفونى، ولكنك «5» أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك، فحقب «6» الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا.
قال الواقدى «7» :
لما أجابهم أبو طالب بما قدّمناه من أنهم ما أنصفوه قالوا له: فأرسل إليه فلنعطه النّصف، فأرسل إليه أبو طالب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخى، هؤلاء عمومتك، وأشراف قومك، وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قولوا أسمع» قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أرأيتكم «8» إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطىّ كلمة إن أنتم تكلّمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم» ؟ فقال أبو جهل: إنّ هذه لكلمة مربحة، نعم، وأبيك
لنقولنّها وعشر أمثالها، قال:«قولوا لا إله إلا الله» ، فاشمأزّوا ونفروا منها وغضبوا، وقاموا وهم يقولون:(وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ)
، ويقال:
إن الذى تكلّم بها عقبة بن أبى معيط، وقالوا: لا نعود إليه أبدا، وما خير من أن نغتال محمدا «1» . فلما كان من تلك «2» الليلة، قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانا من بنى هاشم وبنى المطّلب، ثم قال: ليأخذ كلّ واحد حديدة صارمة، ثم ليتبعنى إذا دخلت المسجد فليجلس كلّ فتى منكم إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظليّة، يعنى أبا جهل، فإنه لم يغب عن شرّ إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة، فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد، أحسست «3» ، ابن أخى؟ قال: نعم، كنت معه آنفا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتى أبدا حتى أراه، فخرج زيد مسرعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى بيت عند الصّفا، ومعه أصحابه يتحدّثون؛ فأخبره الخبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى طالب، فقال: يابن أخى، أين كنت؟ أكنت فى خير؟ قال: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فوقف على أندية قريش ومعه الفتيان الهاشميّون والمطّلبيّون، فقال: يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان:
اكشفوا عما فى أيديكم، فكشفوا فإذا كلّ رجل معه حديدة صارمة، فقال:
والله لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم، وكان أشدّهم انكسارا أبو جهل.