الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال محمد «1» بن إسحاق:
وكان رجل من بنى عدىّ بن النجّار ويقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبّع حين نزل بهم فقتله، وذلك أنه وجده فى عذق له يجدّه، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التّمر لمن أبّره، فزاد ذلك تبّعا حنقا عليهم فاقتتلوا، فكان أهل المدينة، وهم هذا الحىّ من الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه باللّيل، فيعجبه ذلك منهم ويقول: والله إن قومنا لكرام. وفى ذلك يقول حسّان بن ثابت من قصيدة لم يذكر فيها قومه:
قروا تبّعا بيض المواضى ضحاة
…
وكوم عشار بالعشيات نهّض
قال فبينما تبّع على ذلك من «2» حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك يثرب وأهلها، فقالا له: أيها الملك، لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هى مهاجر نبىّ يخرج من هذا الحرم من قريش آخر الزمان، تكون داره وقراره، فرأى تبّع أن لهما علما، فانصرف عن المدينة واتّبعهما على دينهما.
ومن ذلك خبر سلمان الفارسىّ
وقصته فى سبب إسلامه «3» وهجرته إلى المدينة.
روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: حدثنى سلمان الفارسىّ من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها جىّ،
وكان أبى دهقان «1» قريته، وكنت أحبّ خلق الله إليه، ثم لم يزل به حبّه إياى حتى حبسنى فى بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت فى المجوسية حتى كنت قطن النار «2» الذى يوقدها لا يتركها تخبو ساعة؛ قال: وكان لأبى ضيعة عظيمة، فشغل فى بنيان له يوما، فقال يا بنى: إنى قد شغلت فى بنيانى هذا اليوم عن ضيعتى، فاذهب إليها، فأمرنى فيها ببعض ما يريد ثم قال: ولا تحتبس عنى، فإنك إن احتبست عنّى كنت أهمّ إلى من ضيعتى وشغلتنى عن كل شىء من أمرى؛ قال: فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس بحبس «3» أبى إياى فى بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدّين الذى نحن عليه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدّين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كلّه، فلما جئته قال:
أى بنىّ! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبت! مررت بأناس يصلّون فى كنيسة لهم، فأعجبنى ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت من عندهم حتى غربت الشّمس، قال: أى بنى! ليس فى ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قلت له: كلا والله! إنه لخير من ديننا، قال: فخافنى فجعل فى رجلى قيدا ثم حبسنى فى بيته، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجّار فأخبرونى بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النّصارى فأخبرونى بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الترجعة
إلى بلادهم، فآذنونى بهم، فلما أرادوا الترجعة أخبرونى بهم، فألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا الأسقفّ فى الكنيسة، فجئته فقلت: إنى رغبت فى هذا الدين، وأحببت أن أكون معك وأخدمك وكنيستك، وأتعلّم منك، وأصلّى معك، قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات واجتمعت له النّصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصّدقة ويرغّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا، فقالوا لى: وما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلّكم على كنزه، قالوا: فدلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا، فصلبوه ورجموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلّى الخمس أرى أنه أفضل منه، وأزهد فى الدنيا، ولا أرغب فى الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبا لم أحبّه شيئا قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة فقلت له: يا فلان إنى قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبّه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: أى بنىّ، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان إن فلانا أوصانى عند موته أن ألحق بك، وأخبرنى أنك على أمره، فقال لى: أقم عندى، فأقمت عنده
فوجدته خير رجل على أثر «1» صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له:
يا فلان إنّ فلانا أوصى بى إليك، وأمرنى باللّحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنّا عليه إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به، فلما مات وغيّب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى، وما أمرنى به صاحبى، فقال: أقم عندى، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟
قال يا بنىّ والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا، فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمّورية، فأخبرته خبرى، فقال: أقم عندى، فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرنى؟ قال: يا بنىّ والله ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنّا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلّ زمان نبىّ هو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصّدقة، بين كتفيه خاتم النبوّة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغيّب، ومكثت بعمّورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرّ بى نفر من كلب تجّار فقلت لهم، احملونى إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتى هذه،
وغنيمتى هذه، قالوا: نعم. وأعطيتهموها وحملونى معهم، حتى [إذا] بلغوا وادى القرى ظلمونى فباعونى من رجل يهودىّ عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل؛ ورجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحقّ فى نفسى؛ فبينا أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عمّ له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فحملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبى، فأقمت بها. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّقّ، ثم هاجر إلى المدينة، فو الله إنى لفى رأس عذق لسيدى أعمل له فيه بعض العمل، وسيدى جالس تحتى إذ أقبل ابن عمّ له، حتى وقف عليه فقال: يا فلان، قاتل الله بنى قيلة «1» ، إنهم والله الآن لمجتمعون بقباء «2» ، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبىّ، قال: فلما سمعته أخذتنى العرواء «3» حتى ظننت أنى ساقط «4» على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك:
ماذا تقول؟ فغضب سيدى ولكنى لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، فقلت لا شىء إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال سلمان: وكان عندى شىء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة، وهذا شىء كان عندى للصّدقة، فرأيتكم أحقّ به من غيركم، قال: فقرّبته إليه، فقال لأصحابه: كلوا! وأمسك يده
فلم يأكل. قال: قلت فى نفسى: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت:
إنى قد رأيتك لا تأكل الصّدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: قلت فى نفسى: هاتان ثنتان. قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ببقيع الغرقد «1» قد تبع جنازة رجل من أصحابه، علىّ شملتان لى، وهو جالس فى أصحابه، فسلّمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى، فلما رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته، عرف أنى أستثبت من شىء وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبّله وأبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحوّل! فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يابن عباس؛ فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرّق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.
قال سلمان: ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، يعنى الآبار الصّغار، وأربعين أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانونى بالنّخل؛ الرجل بثلاثين ودية «2» ، والرّجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشر؛ يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان ففقّر «3» لها، فإذا فرغت فأتنى، أكن أنا
أضعها بيدى. قال: ففقّرت، وأعاننى أصحابى حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معى إليها، فجعلنا نقرّب إليه الودىّ، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى إذا فرغنا «1» ، فو الذى نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأدّيت النخل، وبقى علىّ المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدّجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسىّ المكاتب؟ قال: فدعيت، فقال: خذ هذه فأدّها مما عليك يا سلمان، قال: وقلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علىّ؟ فقال: خذها، فإن الله سيؤدّى بها عنك، وفى رواية: فأخذها رسول صلى الله عليه وسلم فقلّبها على لسانه ثم قال:
خذها فأوفهم منها. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها- والذى نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقّهم منها، وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرّا، ثم لم يفتنى معه مشهد.
قال محمد بن إسحاق «2» بسند رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، أنه قال: حدّثت عن سلمان أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره: إن صاحب عمّورية قال له: ائت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين «3» يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة يعترضه ذووا الأسقام «4» ، فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى، فاسأله عن هذا الدّين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه، قال سلمان:
فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك،