الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أخرج عنّى من عندك» قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟ قال:«إن الله أذن لى فى الخروج» .
فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: «الصحبة» . قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ، ثم قال: يا نبىّ الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقط- وقيل: الأريقط- الليثى وكان مشركا، يدلّهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا أبو بكر وآل أبى بكر، وعلى بن أبى طالب، أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده، حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس.
ذكر خبر الغار وما قيل فيه
قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.
قال ابن هشام: حدّثنى بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن قال:
لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا دخل أبو بكر قبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس الغار لينظر أفيه سبع أو حيّة بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يردّه عليهم. وكان عبد الله بن أبى بكر يكون فى قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن النبىّ صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى فى رعاء من أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره الغنم حتى يعفّى عليه.
وقال محمد بن سعد بسنده إلى زيد بن أرقم وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم: إن النبىّ صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت فى وجه النبىّ صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيّهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبى صلى الله عليه وسلم قدر أربعين ذراعا، نظر أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر فى الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد.
فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، فعرف أن الله عز وجل درأ عنه بهما.
وقال بعض من حضر فى طلبه: إن عليه من العنكبوت ما هو قبل ميلاد محمد.
وقال أبو بكر رضى الله عنه: فنظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا، فقال:
«يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» ! قال: ومكثا فى الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر.