الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الواقدى: وترك عبد الله بن عبد المطّلب أمّ أيمن، واسمها بركة، وخمسة أجمال أوارك، يعنى تأكل الأراك، وقطعة غنم؛ فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله خير الوارثين.
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة شرفها الله تعالى؛ قال الزّبير بن بكّار «1» :
ولد صلى الله عليه وسلم فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجّاج. قال القرطبى رحمه الله فى كتاب «الأعلام» له: إنّ الدار كانت فى الزّقاق المعروف بزقاق المولد «2» ، وكانت فى مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يد عقيل بن أبى طالب ثم فى أيدى ولده، ثم اشتراها محمد بن يوسف الثّقفىّ من ولد عقيل، فأدخل البيت «3» فى دار بناها وسمّاها البيضاء، فكان البيت فى الدار إلى أن حجّت الخيزران «4» أمّ الهادى والرشيد، فأخرجت البيت وجعلته مسجدا يشرع فى زقاق المولد.
وكان مولده صلى الله عليه وسلم عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بخمس وخمسين ليلة «5» ، فى يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل، قيل لليلتين خلتا منه، وقيل
أوّل اثنين منه من غير تعيين، وقيل ولد فى شهر رمضان لاثنتى عشرة ليلة خلت منه «1» ، وهو العشرون من نيسان سنة ثمانمائة واثنتين للإسكندر ذى القرنين.
والمشهور أنه ولد فى شهر ربيع الأوّل؛ فيقول القائل: كيف يمكن أن تكون حملت به فى أيام التّشريق، وولد فى شهر ربيع الأوّل، والمدّة بينهما إمّا أربعة أشهر، أو ستة عشر شهرا، ولم ينقل إلينا أنه صلى الله عليه وسلم ولد لأقل من تسعة أشهر ولا أكثر منها؟ فالجواب أن الحج إذ ذاك لم يكن محصورا فى ذى الحجّة، بل قد ثبت أنّ أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه حج بالناس فى السنة التاسعة من الهجرة، ووافق الحج فى ذى القعدة، فلما حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع فى السنة العاشرة، خطب فقال فى خطبتة:«ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض «2» ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب مضر «3» الذى بين جمادى وشعبان» ، فيمكن أن يكون الحجّ لمّا حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وافق فى جمادى الآخرة؛ ولا يمتنع هذا والله أعلم.
وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به، تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما وجدت له مشقّة حتى وضعته؛
فلما «1» فصل منّى خرج منه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع رأسه إلى السماء.
وقال بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه رافعا رأسه إلى السماء، وخرج معه نور أضاءت له قصور الشّام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى «2» . وعن حسان ابن عطية: أن النبى صلى الله عليه وسلم لمّا ولد وقع على كفّيه وركبتيه «3» شاخصا بصره إلى السماء.
قالت أمّه: فولدته نظيفا والله كما يولد السّخل ما به قذر. وقالت فاطمة بنت عبد الله أمّ عثمان بن [أبى] العاصى «4» ، وكانت شهدت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعته أمّه آمنة وذلك ليلا، قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإنى لأنظر إلى النّجوم تدنو حتى إنى لأقول لتقعنّ «5» علىّ.
وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت رحمه الله، عن آمنة قالت: لمّا ولدت محمدا صلى الله عليه وسلم ثم خرج من بطنى نظرت إليه، فإذا هو ساجد لله عز وجل رافع يديه «6» إلى السماء كالمتضرّع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت تنزل من السماء حتى غشيته، فغّيبته عن عينى برهة، فسمعت قائلا يقول: طوفورا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها، وأدخلوه البحار كلّها ليعرف جميع الخلائق كلها باسمه
وصفته، ويعرفوا بركته، إنه حبيب لى، لا يبقى شىء من الشّرك إلا ذهب به.
قالت «1» : ثم انجلت عنى فى أسرع من طرفة عين، فإذا أنا به مدرج فى ثوب أبيض أشدّ بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء قد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرّطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قد قبض محمد صلى الله عليه وسلم مفاتيح النّصرة، ومفاتيح الدنيا، ومفاتيح النبوّة.
وذكر الخطيب أيضا عنها فى شأن المولد: قالت: رأيت سحابة أعظم من الأولى ولها نور «2» ، أسمع فيها صهيل الخيل، وخفقان الأجنحة، وكلام الرجال»
، حتى غشيته، قالت: وغيّبت «4» عنى وجهه أطول وأكثر من المرة الأولى، فسمعت مناديا ينادى: طوفوا بمحمد جميع الأرضين، وعلى موالد النبيّين، واعرضوه على كل روحانىّ من الجنّ، والإنس، والملائكة، والطير، والوحوش؛ وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم «5» ، ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وجمال يوسف، وشدّة موسى وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود، وحبّ دانيال، ووقار إلياس وعصمة يحيى، وزهد عيسى؛ واغمسوه فى جميع «6» أخلاق النبيّين عليه وعليهم السلام.
ثم «7» انجلت عنّى فى أسرع من طرفة العين، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء
مطويّة طيّا شديدا، ينبع من تلك الحريرة ماء معين، وإذا قائل «1» يقول: بخ بخ! قبض محمد صلى الله عليه وسلم على الدنيا كلّها، لم يبق خلق كثير «2» من أهلها إلا دخل فى قبضته طائعا بإذن الله. ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن أبيه، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا «3» ، قال: وأعجب ذلك عبد المطّلب، وحظى عنده، فقال: ليكوننّ لابنى هذا شأن.
وفى رواية: لمّا ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جدّه عبد المطلب، فجاء البشير وهو جالس فى الحجر مع ولده ورجال من قومه، فأخبره أن آمنة ولدت غلاما، فسرّ بذلك، وقام هو ومن معه، فدخل عليها، فأخبرته بكل ما رأت، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميّه. قال: فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة، وقام عندها يدعو الله، ويشكر ما أعطاه. قال الواقدىّ: وأخبرت أنّ عبد المطلب قال يومئذ:
الحمد لله الذى أعطانى
…
هذا الغلام الطيّب الأردان
قد ساد فى المهد على الغلمان
…
أعيذه بالبيت ذى الأركان
حتى أراه بالغ البنيان
…
اعيذه من شرّ ذى شنان
من حاسد مضطرب العنان
وقال القرطبىّ: وقال أبو طالب: كنت تلك الليلة التى ولد فيها محمد فى الكعبة أصلح فيها ما تهدّم منها، فلما انتصف الليل، إذا أنا بالبيت الحرام قد مال بجوانبه