الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما ما جاء فى كتب الله السالفة
، فقد علمنا قطعا أن أهل الكتاب بدّلوا فى كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائهم، وحرّفوا كلمها عن مواضعه، وحذّفوا منها أشياء فيها صريح ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيا منهم وحسدا وجحودا ونكالا وافتراء على الله تعالى. هذا لا مرية عندنا فيه ولا خلاف، وقد اتّفقوا على أشياء فى كتبهم وترجموا عنها بالعربية، تدل على نبوّة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن نذكرها إن شاء الله، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أحبار يهود وغيرهم، وعرض ذلك على من استمرّ على كفره، فلم يسعه إنكاره بل أقرّبه، على ما نذكر إن شاء الله تعالى فى مواضعه.
فأما ما اتفقوا عليه مما جاء فى التوراة وترجموه بالعربية ورضوا ترجمته
فمن ذلك قوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران» . وفى ترجمة «1» أخرى كذلك: «تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران» . قال العلماء: وفى هذا تصريح بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الطّور «2» هو الجبل الذى اصطفى الله تعالى موسى عليه بتكليمه، وساعير: جبل بالشام منه ظهرت نبوّة عيسى بن مريم، وبالقرب منه قرية الناصرة التى ولد فيها، وفاران: هى مكة شرفها الله تعالى.
قال الشيخ حجة الدين أبو هاشم «1» محمد بن ظفر فى كتابه المترجم بخير البشر «2» :
لا يخالف فى هذا أحد من أهل الكتاب. قال: «وأما قوله: جاء الله من طور سيناء فإن مجىء «3» الله هو مجىء كتابه وأمره كما قال الله تعالى: (فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)
؛ أى أتاهم أمره. وقوله: «وأشرق لنا من ساعير» كناية عن ظهور أمره «4» وكلامه، قال: وكذلك قوله: «واستعلن من جبال فاران» ، أى ظهر أمره، وكتابه، وتوحيده، وحمده، وما شرعه رسوله من ذكره بالأذان والتلبية «5» وغير ذلك؛ قال ابن ظفر «6» :«وقرأت فى ترجمة للتوراة خطابا لموسى عليه السلام، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه فأخذتهم الرّجفة خصوصا، ثم سائر بنى إسرائيل عموما: والله ربك يقيم نبيا من إخوتك، فاستمع له كالذى سمعت ربّك فى حوربت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله «7» ربى لئلا أموت، فقال الله لى «8» :
نعم ما قالوا، وسأقيم لهم نبيا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامى فى فمه، فيقول لهم:
كلّ شىء آمره به، وأيّما رجل لم يطع من تكلم باسمى فإنى أنتقم منه.
وفى هذا «9» أدلّة على نبوّة نبينا صلى الله عليه وسلم، منها قوله:«من إخوتهم» ، وموسى وقومه من بنى إسحاق، وإخوتهم بنو إسماعيل، ولو كان الموعود «10» من