الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر فتح قرطاجنة وتخريبها
قال: ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقى بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهى بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا فى البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس. ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبى ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا فى صطفورة «1» وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعا منها حتى وطئه.
فخافه أهل إفريقية خوفا شديدا. ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح.
ذكر حروب حسان والكاهنة وتخريب افريقية وقتل الكاهنة
قال: ثم قال حسّان للناس: «دلونى على أعظم من بقى من ملوك إفريقية» . فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وقالوا:
«إنها بجبل أوراس، وهى بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل
قتل كسيلة» . وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. وعظّموا محلّها عند حسان وقالوا: «إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك» .
فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنّا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج «1» حسان على ذلك وسار إليها. فالتقوا على نهرتينى «2» واقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسرت جماعة من أصحابه»
. فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسى «4» ، وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا.
وسار حسان منهزما وفارق إفريقية. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين «5» فسمّى ذلك المكان قصور حسان. وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة فى أهلها.
ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال والجيوش. وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها:
«إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعى، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها» . وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار
ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: «وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلّا واحدا وقرى متصلة، فأخربت ذلك» . فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاما «1» .
وسار على قفصة «2» . فأطاعه من بها. واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة.
وبلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم:«إننى مقتولة، فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أمانا» .
فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.
وسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر الله المسلمين. وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو. وقدم عليهم ابنى الكاهنة ثم فشا الإسلام فى البربر.
وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية له.
فلما مات عبد الملك وولى الوليد- وكان على مصر وإفريقية
عبد العزيز بن مروان «1» - فعزل حسان واستقدمه. وبعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه.
فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر واللؤلؤ والذهب «2» ، فجعله فى قرب الماء وطرحها فى المعسكر، وأظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدى إليه مائتى جارية ووصيف من خيار ما كان معه «3» ويقال: إن حسان كان معه من السبى خمسة وثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلا كثيرة.
ورحل حسان بما بقى معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد وأنكره. فقال حسان لمن معه:
«ائتونى بالقرب» . فأتى بها فأفرغها بين يدى الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: «يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا فى سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة» .
فقال له الوليد: «أردك إلى عملك وأحسن إليك» . فحلف حسان أنه لا ولى لبنى أمية ولاية أبدا. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حسانا. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولى بعده موسى بن نصير.