الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى البربر والعرب. ثم نودى بالأمان «1» للناس كافة. فرجع كل من فر منها. وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها. وعند رجوعهم أخذوا رهائن أهلها والملثم وبنى مطروح ثم أعادوا رهائنهم واستقام أمر المدينة وعمرت سريعا.
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة
كان استيلاء «2» الفرنج على ذلك فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وذلك أن الغلاء تتابع «3» فى جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان أشده فى سنة اثنتين وأربعين، فإن الناس فارقوا البلاد، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، وأكل الناس بعضهم بعضا، وكثر الفناء «4» . فاغتنم رجار ملك صقلية هذه الفرصة، وعمر أصطولا نحو مائة وخمسين «5» شينيا، وشحنها بالرجال والعدد. وساروا إلى جزيرة قوصرة- وهى بين المهدية وصقلية- فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية. فأخذ أهله وأحضروا بين يدى جرجى مقدم الأصطول، فسألهم عن حال إفريقية. ووجد فى المركب قفص حمام. فأمر الرجل الذى كان
الحمام صحبته أن يكتب بخطه: «إننا لما وصلنا إلى قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية. فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى القسطنطينية» . وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير والناس، وأراد جرجى بذلك أن يصل بغتة.
ثم سار الأصطول من قوصرة فوصل إلى المهدية فى ثانى صفر «1» فأرسل مقدم الأسطول إلى الحسن يقول: «إنا لم نأت إلا طلبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها «2» . (وكان قد أخرج منها وبينه وبين الفرنج مودة ومصالحة) . وأما أنت فبيننا وبينك عهود ومواثيق إلى مدة، ونريد منك عهودا ومواثيق إلى مدة.
ونريد منك عسكرا يكون معنا» .
فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم. فقالوا:
«نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين «3» » . فقال: «نخشى أن ينزلوا إلى البر، ويحصرونا برا وبحرا، وتنقطع الميرة عنا وليس عندنا ما يقوم بنا شهرا واحدا. وأنا أرى سلامة المسلمين من القتل والأسر خيرا من الملك. وقد طلب منى عسكرا إلى قابس، فإن فعلت فما يحل إعانة الكفار على المسلمين، وإن امتنعت يقول:
انتقض ما بيننا من الصلح. وليس لنا بقتاله طاقة. والرأى عندى أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد. فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا» . وأمر فى الحال بالرحيل وأخذ معه ما خف حمله
وخرج، وتبعه الناس على وجوهم بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم. ومن الناس من اختفى عند النصارى وفى الكنائس هذا والأسطول فى البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المدينة.
فما مضى ثلثا «1» النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد.
ودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع. ودخل جرجى القصر فوجده على حاله لم يأخذ منه الحسن شيئا إلا ما خف من ذخائر الملوك. ووجد فيه عدة من حظاياه. ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة، ومن كل شىء غريب فختم عليه. وجمع سرارى الحسن فى قصر. ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم نودى بالأمان. فخرج من كان مستخفيا. وأصبح جرجى من الغد، فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا البلد. فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة. وأرسل أمانا إلى من خرج من المهدية، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا.
قال: ولما استقر جرجى بالمهدية «2» سير أسطولا بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس، وأسطولا إلى مدينة سوسة. فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية- وكان على بن الحسن واليا عليها- فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه «3» . فدخلها الفرنج بغير قتال فى ثانى عشر صفر منها. أما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من