المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ٢٤

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع والعشرون

- ‌مقدمة

- ‌[تتمة الفن الخامس في التاريخ]

- ‌[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

- ‌الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار أفريقية وبلاد المغرب

- ‌ذكر فتوح افريقية

- ‌ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندى وفتح افريقية ثانيا

- ‌ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهرى وفتح افريقية الفتح الثالث وبناء القيروان

- ‌ذكر بناء مدينة القيروان

- ‌ذكر ولاية مسلمة بن مخلد

- ‌ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية

- ‌ذكر خروج كسيلة وقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان

- ‌ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربرى

- ‌ذكر ولاية حسان بن النعمان الغسانى افريقية

- ‌ذكر فتح قرطاجنة وتخريبها

- ‌ذكر حروب حسان والكاهنة وتخريب افريقية وقتل الكاهنة

- ‌ذكر ولاية موسى بن نصير افريقية وما كان من حروبه وآثاره

- ‌ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها

- ‌ذكر غزو جزيرة سردانية

- ‌ذكر ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير

- ‌ذكر ولاية اسماعيل بن عبد الله ابن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم

- ‌[عبيدة بن عبد الرحمان السلمى]

- ‌[عبيد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول]

- ‌[حنظلة بن صفوان الكلبى]

- ‌ذكر أخبار عبد الرحمن بن حبيب وتغلبه على افريقية ورجوع حنظلة الى المشرق

- ‌ذكر مقتل عبد الرحمن بن حبيب وولاية أخيه الياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله

- ‌ذكر تغلب ورفجومة على افريقية وما كان منهم ومن ولى بعدهم الى أن ولى محمد بن الأشعث

- ‌ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعى

- ‌ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى

- ‌ذكر ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة

- ‌ذكر ولاية داود بن يزيد بن حاتم

- ‌ذكر ولاية روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة

- ‌ذكر ولاية نصر بن حبيب المهلبى

- ‌ذكر ولاية الفضل بن روح

- ‌ذكر أخبار عبد الله بن الجارود

- ‌ذكر ولاية هرثمة بن أعين

- ‌ذكر ابتداء دولة بنى الأغلب

- ‌ذكر ولاية ابراهيم بن الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى

- ‌ذكر ولاية أبى العباس عبد الله ابن ابراهيم بن الأغلب

- ‌ذكر ولاية أبى محمد زيادة الله ابن ابراهيم بن الأغلب

- ‌ذكر ولاية أبى العباس محمد بن الأغلب ابن ابراهيم بن الأغلب

- ‌ذكر ولاية أبى ابراهيم أحمد بن محمد ابن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب

- ‌ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن الأغلب المكنى بأبى الغرانيق

- ‌ذكر ولاية أبى اسحاق ابراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب

- ‌ذكر انتقال ابراهيم الى تونس

- ‌ذكر اعتزال ابراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته

- ‌ذكر ولاية أبى مضر زيادة الله بن أبى العباس

- ‌ذكر انهزام زيادة الله الى المشرق وانقراض دولة بنى الأغلب

- ‌ذكر ما كان من أخبار زيادة الله وقتله عبد الله ابن الصائغ ومسيره الى بلاد الشرق ووفاته

- ‌ذكر أخبار من ملك المغرب بعد بنى الأغلب الى أن قامت دولة بنى زيرى بن مناد

- ‌ذكر ابتداء دولة بنى زيرى بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم الى انقضاء دولتهم

- ‌ذكر أخبار زيرى بن مناد

- ‌ذكر بناء مدينة آشير

- ‌ذكر الحرب بين زيرى وزناتة

- ‌ذكر مقتل زيرى

- ‌ذكر أخبار أبى الفتوح يوسف بلكين ابن زيرى بن مناد

- ‌ذكر ولاية أبى الفتوح يوسف بلكين بلاد المغرب

- ‌ذكر ولاية عبد الله بن محمد الكاتب

- ‌ذكر اخبار خلف بن خير

- ‌ذكر وفاة أبى الفتوح يوسف

- ‌ذكر ولاية أبى الفتح المنصور ابن يوسف بلكين بن زيرى

- ‌ذكر مقتل عبد الله بن محمد وولده يوسف

- ‌ذكر أخبار أبى الفهم حسن بن نصرويه الخرسانى

- ‌ذكر وفاة المنصور أبى الفتح بن يوسف

- ‌ذكر ولاية حماد بن يوسف مدينة آشير

- ‌ذكر خروج محمد بن أبى العرب الى زنانة

- ‌ذكر خلاف حماد بن يوسف وأخيه ابراهيم على ابن أخيهما الأمير باديس

- ‌ذكر وفاة باديس

- ‌ذكر ولاية أبى تميم المعز بن أبى مناد باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى

- ‌ذكر قتل الروافض

- ‌ذكر مسير المعز لحرب حماد

- ‌ذكر الصلح بين المعز وحماد عم أبيه

- ‌ذكر مقتل القائد محمد بن حسن

- ‌ذكر خروج العرب الى المغرب والسبب الموجب لذلك

- ‌ذكر وفاة لقائد بن حماد وولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد

- ‌[بقية أخبار المعز بن باديس]

- ‌ذكر الحرب بين المعز والعرب وانتصار العرب عليه

- ‌ذكر انتقال المعز الى المهدية ومحاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها

- ‌ذكر وفاة المعز بن باديس

- ‌ذكر ولاية تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيرى

- ‌ذكر خروج حمو عن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه

- ‌ذكر الحرب بين بنى حماد والعرب وانتصار العرب عليهم

- ‌ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه

- ‌ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس

- ‌ذكر استيلاء مالك بن علوى الصخرى على القيروان وأخذها منه، وعودها الى تميم

- ‌ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها

- ‌ذكر خلاف مثنى بن تميم على أبيه

- ‌ذكر ملك تميم مدينة قابس

- ‌ذكر وفاة تميم بن المعز

- ‌ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيرى

- ‌ذكر وفاة يحيى بن تميم وشىء من أخباره

- ‌ذكر ولاية على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى

- ‌ذكر حصار رافع المهدية وانهزامه

- ‌ذكر ولاية الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيرى

- ‌ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة

- ‌ذكر ملك الفرنج مدينة طرابلس

- ‌ذكر استيلاء الفرنج على مدينة المهدية وسفاقس وسوسة

- ‌ذكر انقراض دولة بنى زيرى من افريقية وما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية

- ‌ذكر ما اتفق للحسن بن على بعد خروجه من المهدية

- ‌ذكر ابتداء دولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم

- ‌ذكر ولاية أبى بكر بن عمر اللمتونى

- ‌ذكر مقتل الجوهر الجدالى

- ‌ذكر خروج الملثمين الى السوس أولا وثانيا ومقتل عبد الله بن ياسين

- ‌ذكر ولاية يوسف بن تاشفين

- ‌ذكر بناء مدينة مراكش

- ‌ذكر ما قيل فى سبب لثام المرابطين

- ‌نرجع الى أخبار يوسف بن تاشفين

- ‌ذكر استيلائه على مدينة أغرناطة من جزيرة الأندلس

- ‌ذكر ملك أمير المسلمين جزيرة الأندلس

- ‌ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا

- ‌ذكر ولاية أمير المسلمين من قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله

- ‌ذكر ولاية على بن يوسف بن تاشفين

- ‌ذكر محاربة الفرنج خذلهم الله تعالى وانهزامهم

- ‌ذكر الفتنة بقرطبة

- ‌ذكر ولاية تاشفين بن على بن يوسف بن تاشفين

- ‌[اسحاق بن على]

- ‌ذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم

- ‌ذكر أخبار المهدى محمد بن تومرت

- ‌ذكر خبر أبى عبد الله الونشريسى

- ‌ذكر ترتيب أصحاب المهدى

- ‌ذكر حصار مراكش ووقعة البحيرة ومقتل أبى عبد الله الونشريسى

- ‌ذكر وفاة المهدى محمد بن تومرت

- ‌ذكر ولاية عبد المؤمن بن على

- ‌ذكر استيلاء عبد المؤمن على تلمسان وفاس ومكناسة وسلا وسبتة

- ‌ذكر ملك عبد المؤمن مراكش وقتله اسحاق بن على وانقراض دولة الملثمين

- ‌ذكر ظفره بدكالة

- ‌ذكر حصار الفرنج مدينة قرطبة ورجوعهم عنها

- ‌ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم

- ‌ذكر ظفره بصنهاجة وملكه قلعة حماد

- ‌ذكر الحرب بين عبد المؤمن والعرب وظفر عساكر عبد المؤمن بهم

- ‌ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه

- ‌ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد وأعماله

- ‌ذكر ملكه مدينة المرية من الفرنج وأغر ناطة من الملثمين

- ‌ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وجميع بلاد افريقية

- ‌ذكر ايقاع عبد المؤمن بالعرب

- ‌ذكر وفاة عبد المؤمن بن على وشىء من أخباره

- ‌ذكر ولاية أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على

- ‌ذكر غزوة الفرنج

- ‌ذكر ملك أبى يعقوب مدينة قفصة

- ‌ذكر وفاة أبى يعقوب يوسف

- ‌ذكر ولاية أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن

- ‌ذكر أخبار الملثمين وما ملكوه من افريقية واستعادة ذلك منهم

- ‌ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها الى المسلمين

- ‌ذكر غزوة الفرنج بالأندلس والوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة

- ‌ذكر ما فعله الملثم بافريقية

- ‌ذكر وفاة أبى يوسف يعقوب

- ‌ذكر ولاية أبى عبد الله محمد بن أبى يوسف يعقوب بن أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن على الملقب الناصر لدين الله

- ‌ذكر وفاة أبى عبد الله محمد وشىء من أخباره

- ‌ذكر ولاية يوسف بن محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن بن على

- ‌ذكر وفاة يوسف بن محمد

- ‌ذكر ولاية أبى محمد عبد العزيز بن يوسف ابن عبد المؤمن

- ‌جامع أخبار دولة الموحدين

- ‌ذكر تسمية ملوك بنى مرين

- ‌أول من غزا جزيرة صقلية فى الاسلام

- ‌ذكر ولاية محمد بن أبى الحوارى

- ‌ذكر فتح مدينة بلرم

- ‌ذكر وفاة محمد بن عبد الله بن الأغلب وولاية العباس بن الفضل بن يعقوب

- ‌ذكر فتح قصريانة وهى دار مملكة الروم بجزيرة صقلية

- ‌ذكر ولاية أبى سعيد موسى بن أحمد

- ‌ذكر ما فتح من بلاد قلورية

- ‌ذكر فتح قلعة طبرمين

- ‌ذكر وقعة الحفرة على رمطة

- ‌ذكر اخلاء طبرمين ورمطة

- ‌ذكر ولاية أبى القاسم نيابة عن أخيه أحمد واستقلاله

- ‌ذكر ولاية أبى الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة

- ‌ذكر وثوب أهل صقلية بالأمير جعفر واخراجه

- ‌ذكر استيلاء الفرنج- خذلهم الله تعالى- على جزيرة صقلية

- ‌ذكر أخبار جزيرة أقريطش

- ‌ذكر تنصر أهل اقريطش

- ‌ذكر ما استولى عليه الفرنج- خذلهم الله تعالى- من البلاد الاسلامية بجزيرة الأندلس بعد أخذ طليطلة

- ‌الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيين فى الدولة الأموية والدولة العباسية فقتل دونها

- ‌ذكر ظهور زيد بن على بن الحسن ومقتله

- ‌ذكر مسير يحيى بن زيد بن على الى خراسان ومقتله

- ‌ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب

- ‌ذكر غلبته على فارس وأخذها منه وقتله

- ‌مراجع التحقيق

- ‌فهرس موضوعات الجزء الرابع والعشرون

الفصل: ‌ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها

ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقى من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد.

فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولى عليهم واليا.

ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها فى تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب «1» لتعلّم البربر القرآن وفرائض الإسلام.

ورجع إلى إفريقية فمر بقلعه مجّانة. فتحصن أهلها منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان «2» ففتحها، فسميّت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم.

‌ذكر فتح جزيرة الأندلس وشىء من أخبارها

كان فتح الأندلس فى سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى موسى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير فى تاريخه الكامل «3» أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.

ص: 40

قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش- بشين معجمة «1» - ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش «2» ، وقيل: باسم ملك كان لها «3» فى الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش «4» . وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل:

سميت بأندلس بن يافث بن نوح «5» ، وهو أول من عمرها.

وقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.

ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط «6» توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها.

فحملهم فى السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزيرة قادس.

فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم «7» . وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا

ص: 41

مدة تزيد على مائة وخمسين «1» سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا.

ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش «2» فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم «3» بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتنى «4» عليها إشبانية- وهى إشبيلية- واتخذها دار مملكته.

وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهى التى غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذى لقى بماردة.

وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر «5» ، وهو يحرث الأرض فقال له:«يا إشبان، سوف تحظى وتعلو وتملك. فإذا ملكت إيليا «6» فارفق بذرية الأنبياء» . فقال له: «أتسخربى وكيف ينال مثلى الملك؟» . فقال له: «قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى» فنظر إليها، فإذا هى قد أورقت.

فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى

ص: 42

حتى ملك ملكا عظيما. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا.

ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات «1» ، وملكهم طلوبش بن بيطة «2» ، وذلك حين بعث الله المسيح عليه السلام. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها.

وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم.

ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها «3» من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية «4» شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية فى أيام قليوديوس «5» قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم «6» . ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له.

وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب

ص: 43

رومة. فبعث إليه «1» جيشا فهزم أخاه ودان بدين النصارى.

وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولى بعده أقريط، وبعده أمريق «2» وبعده وغديش «3» ، وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان.

فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة. فسير إليه «4» ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه. ثم ملك بعده الريق.

ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير «5» : منهم من عبد الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة «6» ، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة. ثم توفى وخلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق «7» ، وكان شجاعا وليس من بيت الملك.

وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون فى خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا

ص: 44

وتولى تجهيزهم. فلما ولى رذريق، أرسل إليه يليان «1» - وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما- ابنته فاستحسنها رذريق فافتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع والطاعة. واستدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك فى آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، واستأذنه فى غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلها فى بحر متسع.

فبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف «2» ، فى أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس «3» . فساروا فى أربع سفن.

فخرجوا فى جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة ورجع سالما، فى شهر رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأي الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو.

ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، وكان على مقدمات جيوشه، فبعثه فى سبعة آلاف من المسلمين «4» أكثرهم البربر والموالى وأقلهم العرب. فساروا فى البحر. وقصدوا جبلا

ص: 45

منيفا «1» فى البحر، وهو متصل بالبر. فنزله فسمّى الجبل جبل طارق. ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، وجرت الألسن على الاسم الأول. وكان حلول طارق به فى شهر رجب سنة اثنتين وتسعين «2» .

قال: ولما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبى صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف وتنكّبوا القسى. فقال النبى صلى الله عليه وسلم له:«يا طارق تقدم لشأنك» . وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. ونظر طارق فرأى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، وبشر أصحابه، وقويت نفسه، وأيقن بالظفر.

فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا. فقالت له:«إنّى كان لى زوج، وكان عالما بالحوادث، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب عليه، ووصف من صفته أنه ضخم الهامة وأن فى كتفه الأيسر شامة عليها شعر» . فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر.

قال: ولما فتح الجزيرة الخضراء وفارق الحصن الذى فى

ص: 46

الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، وكان غائبا فى غزاة فرجع منها، وقد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف «1» . فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثنى عشر ألفا، ومعهم يليان يدلّهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. وأتاهم رذريق فى جنده. فالتقوا على نهربكّة «2» من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين. واتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام «3» . وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذى كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا:«إنّ المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقى الملك لنا» . فانهزموا. وهزم الله رذريق ومن معه وغرق فى النهر «4» .

وسار طارق إلى مدينة إستجة «5» فى اتباعهم. فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالا شديدا ثم

ص: 47

انهزم أهل الأندلس. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق.

قال: ولما سمع القوط بهاتين الهزيمتين، قذف الله فى قلوبهم الرعب، وهربوا إلى طليطلة، وأخلوا مدائن من الأندلس «1» فقال له يليان:«قد فرغت من الأندلس، ففرّق جيوشك، وسر أنت إلى طليطلة» . ففرق جيوشه من مدينه إستجة: فبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى أغرناطة «2» ، وجيشا إلى مالقة، وجيشا إلى تدمير «3» .

وسار هو ومعظم الجيش إلى طليطلة. فلما بلغها وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية. قال: وفتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: ولما رأى طارق طليطلة خالية، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه.

وسار هو إلى وادى الحجارة. وقطع الجبل من فج فيه فسمّى بفج طارق. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة «4» ، وفيها مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام «5» ، وهى من زبرجدة

ص: 48

خضراء «1» ، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا.

ثم مضى إلى مدينة ماية «2» فغنم منها. ورجع إلى طليطلة فى سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه اقتحم أرض جلّيقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، وانصرف إلى طليطلة. ووافته جيوشه التى وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التى سيرهم إليها.

ودخل موسى بن نصير الأندلس فى شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين فى جمع كثير «3» ، وقد بلغه ما صنع طارق فحسده «4» .

فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: «تسلك طريق طارق؟» فأبى.

فقال له الأدلاء: «نحن ندلّك على طرق «5» أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد» »

. ووعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك.

فساروا به إلى مدينة ابن السليم «7» فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، وهى أحصن «8» مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. وأرسل موسى إليهم الخيل

ص: 49

ففتحوها لهم ليلا. فدخلها المسلمون وملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهى من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأغربها آثارا «1» فحصرها «2» أشهرا وفتحها، وهرب من بها. فأنزلها موسى اليهود.

وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه «3» قتالا شديدا. فكمن لهم موسى ليلا فى مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم.

فخرج عليهم الكمين، وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلا ذريعا. ونجا من سلم منهم فدخل المدينة، وكانت حصينة. فحصرهم بها أشهرا. وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمّى برج الشهداء.

ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع وتسعين صلحا «4» ، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين «5» .

ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها.

ص: 50

وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيلية.

قال: وسار موسى من مدينة ماردة فى شوال يريد طليطلة. فخرج طارق إليه فلقيه. فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط على رأسه، ووبخه على ما كان من خلافه. ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم والمائدة. فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها. فسأله عنها فقال:«لا علم لى بها. كذلك وجدتها» . فعمل عوضها من ذهب «1» .

وسار موسى إلى مدينة سرقسطة ومدائنها فافتتحها.

وأوغل فى بلاد الفرنج. فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما، فيه مكتوب:«يا بنى إسماعيل، إلى هاهنا منتهاكم، فارجعوا. وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبركم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم» . فرجع ووافاه رسول الوليد فى أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو فى غير «2» ناحية الصنم، يقتل ويسبى ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاى على البحر الأخضر «3» ، وهو فى قوة وظهور. فقدم عليه رسول آخر «4» من الوليد يستحثه، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه. وكان موافاه الرسول له بمدينة لك

ص: 51

بجليقية «1» . وخرج على الفج المعروف بفج موسى. ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقضله «2» معه، ومضيا جميعا.

واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى. فلما عبر موسى البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله «3» .

وسار إلى الشام. وحمل الأموال التى غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم «4» .

ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى. فورد الشام، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى «5» بن نصير. فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وأغرمه غرما حتى احتاج أن يسأل العرب فى معونته «6» .

وقيل: إنه قدم إلى الشام والوليد حىّ. وكان قد كتب إليه، وادعى أنه هو الذى فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة. فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق. فقال طارق:«أنا غنمتها» . فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: «سله عن رجلها المعدومة» . فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم. فأظهرها

ص: 52