الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر أخبار جزيرة «1» صقلية
ومن غزاها من المسلمين وما افتتح منها، وكيف استولت الفرنج- خذلهم الله تعالى- عليها قد ذكرنا صفة جزيرة صقلية، وما بها من الأنهار والعيون والفواكه والأشجار والنبات والكلأ، وما بها من المدن المشهورة. وأنينا على ذلك مبينا، وهو فى السّفر الأول من كتابنا هذا فى أخبار الجزائر «2» .
فلنذكر الآن فى هذا الموضع خلاف ما قدمناه من أخبارها. فنقول:
أول من غزا جزيرة صقلية فى الاسلام
عبد الله بن قيس الفزارى «3» من قبل معاوية بن حديج، وكان قد بعثه من إفريقية، وذلك فى خلافة معاوية بن أبى سفيان «4» . ففتح وسبى وغنم فكان مما غنم أصناما من ذهب وفضة مكللة بالجواهر. فحملها إلى معاوية بن أبى سفيان.
فأنفذها معاوية إلى الهند لزيادة ثمنها. فأنكر المسلمون ذلك عليه.
ثم غزاها بعد ذلك محمد بن أبى إدريس «5» الأنصارى، فى أيام يزيد بن عبد الملك «6» ، فقدم بغنائم وسبايا.
ثم غزاها بشر بن صفوان الكلبى، فى أيام هشام بن عبد الملك فقدم بغنائم وسبايا.
ثم غزاها حبيب بن أبى عبيدة، فى سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ولده عبد الرحمن بن حبيب. فوجهه على الخيل «1» فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن حتى انتهى إلى سرقوسة «2» ، وهى دار الملك فقاتلوه، فهزمهم وضرب باب المدينة بسيفه فأثّر فيه.
فهابه النصارى ورضوا بالجزية. فأخذها منهم ثم توجه «3» إلى أبيه. فرجعا إلى إفريقية.
ثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب، فى سنة ثلاثين ومائة فظفر ثم اشتغل ولاة إفريقية بالفتن التى قدمنا ذكرها فى أخبارهم فأمن «4» أهل جزيرة صقلية، وعمرها الروم من كل الجهات، وبنوا بها المعامل والحصون، ولم يتركوا جبلا إلا جعلوا عليه حصنا.
وفى سنة إحدى «5» عشرة ومائتين، ولى ملك القسطنطينية على صقلية قسنطين «6» البطريق الملقب بسودة «7» فعمر اسطولا وسيره إلى بر إفريقية. وولى عليهم فيمى الرومى، وكان مقدما من بطارقته، فاختطف من بعض سواحلها مجازا «8» ، وبقى
مدة. فوصل كتاب صاحب القسطنطينية إلى قسنطين، يأمره بعزل فيمى وأن يعذبه لشىء بلغه عنه. فاتصل ذلك بفيمى، فمضى إلى مدينة سرقوسة. وملكها ونزع يده من الطاعة. فخرج إليه قسنطين، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسنطين وقتل. وخوطب فيمى بالملك. وكان ممن انقطع إليه علج من الأرمنيين «1» ، يقال له بلاطة. فقدمه وولاه على ناحية من الجزيرة. فخالف على فيمى وخرج إليه وقاتله. فانهزم فيمى وقتل من أصحابه ألف رجل.
ودخل بلاطة مدينة سرقوسة.
وركب فيمى ومن معه فى البحر. وتوجه إلى إفريقية إلى زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب يستنصر به. فجمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها واستشارهم فى إنفاذ «2» الأسطول إلى جزيرة صقلية.
فقال بعضهم: «نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطنا» . فقال سحنون بن قادم «3» رحمه الله: «كم بينها وبين بلاد الروم؟» فقالوا: «يروح الإنسان مرتين وثلاثة فى النهار ويرجع» . قال:
«ومن ناحية إفريقية» . قالوا: «يوم وليلة» . قال: «لو كنت طائرا ما طرت عليها» . وأشار من بقى بغزوها، ورغبوا فى ذلك، وسارعوا إليه «4» . فخرج أمر زيادة الله إلى فيمى بالتوجه إلى مرسى سوسة، والإقامة هناك إلى أن يأتيه الأسطول. وجمع الأسطول
والمقاتلة. واستعمل عليهم القاضى أسد بن الفرات. وأقلع الأسطول من مدينة سوسة يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة ومائتين، وهو نحو مائة مركب «1» سوى مراكب فيمى، وذلك فى خلافة المأمون. فوصل مازر «2» يوم الثلاثاء.
فأمر بالخيل فأخرجت من المراكب، وكانت سبعمائة فرس وعشرة آلاف راجل. وأقام ثلاثة أيام. فلم يخرج إليه إلا سرية واحدة.
فأخذها، فإذا هى من أصحاب فيمى، فتركها.
ثم رحل من مازر على تعبئة «3» قاصدا بلاطة وهو بمرج «4» ينسب إليه. فعبأ القاضى أسد أصحابه للقتال. وأفرد فيمى ومن معه ولم يستعن بهم. والتقوا واقتتلوا، فانهزم بلاطة ومن معه.
وقتل منهم خلق كثير. وغنم المسلمون ما معهم. ولحق بلاطة بقصريانة «5» ثم غلبه الخوف فخرج منها إلى أرض قلّورية «6» فقتل بها.
ثم سار القاضى أسد إلى الكنيسة التى على البحر وتعرف بأفيمية «7» واستعمل على مازر أبازكى «8» الكنانى.