الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى أيامه فتحت مالطة، وهى جزيرة فى البحر على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب.
وتوفى أبو عبد الله محمد فى يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن أربع وعشرين سنة.
وكانت مدة ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما «1» .
وكان غاية فى الجود، مسرفا فى العطاء، حسن السيرة فى الرعية رفيقا بهم، غير أن اللهو والطرب والاشتغال بالصيد واللذات والشراب غلب عليه، حتى إنه مرة سكر وهو بمدينة سوسة وقد ركب فى البحر حتى صار إلى جزيرة قوصرة. فلما ذهب عنه السكر انصرف وهو خائف. وما زال على الانهماك طول عمره. ولم تكن له همة فى جمع المال، فلما مات لم يجد إخوته فى بيت المال شيئا.
ذكر ولاية أبى اسحاق ابراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب
قال ابن الرقيق: كان أبو الغرانيق قد عقد لابنه أبى العقال ولاية العهد، وبايع له، واستحلف إبراهيم بن أحمد أخاه خمسين يمينا بجامع مدينة القيروان أن لا ينازعه فى ملكه، وذلك بحضرة مشيخة بنى الأغلب وقضاة القيروان وفقهائها. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم وهو إذ ذاك وال عليهم فقالوا له:«قم فادخل القصر فإنك الأمير» . وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم.
فقال: «قد علمتم أن أخى عقد «1» البيعة لابنه، واستحلفنى خمسين يمينا أن لا أنازع ولده ولا أدخل قصره» . فقالوا:«نحن الدافعون له عن الأمر، والكارهون ولايته، والمانعون له. وليست له فى أعناقنا بيعة» . فركب من القيروان ومعه أكثر أهلها. فحاربوا أهل القصر حتى دخله إبراهيم. وبايعه شيوخ القيروان ووجوهها وجماعة من بنى الأغلب.
فلما ولى أمر بإنفاذ الكتب إلى العمال والجباة بحسن السيرة والرفق بالرعية. وولىّ حجابته محمد بن قرهب.
وفى صفر سنة ثلاث وستين ومائتين ابتدأ إبراهيم فى بناء رقّادة وانتقل إليها فى السنة. قال: ودورها أربعة عشر ألف ذراع «2» .
وليس بإفريقية أرق هواء ولا أعدل نسيما ولا أطيب تربة من موضعها.
قال ابن الرقيق: وقد سمعت من منتقرى «3» المعانى من يزعم أنه يعرض له فيها الضحك من غير عجب، والسرور من غير سبب.
وفى أيامه فتحت سرقوسة من صقلية فى شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، على يد أحمد بن الأغلب، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج. وأصاب من الغنائم ما لم يوجد فى مدينة من مدائن الشّرك. ولم ينج من رجالها أحد. وكان مقام المسلمين عليها إلى أن فتحت تسعة أشهر. وأقاموا بعد فتحها شهرين ثم هدموها وانصرفوا وفى سنة أربع وستين، وثب الموالى على إبراهيم وعقدوا الخلاف
فى القصر القديم، ومنعوا من يجوز إلى رقادة من القيروان «1» .
وسبب ذلك أن إبراهيم أمر بقتل رجل منهم يقال له مطروح بن بادر «2» فخالفوا عليه لذلك. فأقبل إليهم أهل القيروان فى عدد لا يحصى. فارتدع الموالى وسألوا الأمان فأمّنوا. فلما جاءوا وقت «3» إعطاء الأرزاق، جلس إبراهيم بقصر أبى الفتح، وحضر جميع العبيد «4» لقبض أرزاقهم. فكلما تقدم رجل نزع سيفه حتى أخذوا كلهم فقتل أكثرهم بضرب السياط وصلبوا. وحبس بعضهم بسجن القيروان حتى ماتوا فيه. ونفى بعضهم إلى صقلية. وأمر بشراء العبيد فاشترى منهم عدد كثير. وحملهم وكساهم وأخرجهم فى الحروب، فظهر منهم شجاعة وجلد وقوة.
وفى سنة خمس وستين ومائتين، تجهز العباس بن أحمد بن طولون من مصر عند خروجه على أبيه يريد برقة. واجتمع إليه الناس على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الطولونية. فأخرج إليه إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب «5» فلقيه بوادى ورداسة. فاقتتلوا فانهزم ابن قرهب. وقدم ابن طولون إلى لبدة فأخذها. ثم نهض منها يريد طرابلس فحصرها أياما. فعزم إبراهيم على الخروج بنفسه، فلما
صار إلى قابس لقيه ابن قرهب بالفتح وهزيمة العباس. وأخذ من أمواله كثيرا.
وفى أيامه فى سنة ثمان وستين ومائتين «1» اشتد القحط وغلت الأسعار حتى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير. والقفيز مقدار إردب وربع بالمصرى. فهلك الناس حتى أكل بعضهم بعضا.
وفى أيامه عصت «2» وزداجة ومنعوا صدقاتهم. فقاتلهم العامل عليهم وهو الحسن بن سفيان فهزموه حتى وصل إلى باجة. فأرسل إبراهيم حاجبه محمد بن قرهب بالجيوش إليهم. فسار ونزل بجبل من جبال وزداجة يقال له المنار «3» . فكانت خيله تخرج إليهم صباحا ومساء. فلم يزل حتى أخذ رهائنهم وأطاعوا واستقاموا.
وكانت هوارة قد عاثت فى البلاد وقطعت السبل «4» فمضى الحاجب إليهم وعرض عليهم الأمان والرجوع إلى الطاعة. فأبوا فقاتلهم وهزمهم. ونهب العسكر ما فى منازلهم وأحرقها بالنار. وعاد الحاجب ثم استأمنت هوارة بعد ذلك.
ثم تجمعت لواتة بأجمعها وحاصروا مدينة قرنة أياما وانتهبوا ما كان فيها. ومضوا إلى باجة وقصر الإفريقى. فأخرج إليهم إبراهيم محمد بن قرهب. فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب ابن قرهب وكبابه فرسه فأدركوه، وهرب من كان معه. وذلك فى ذى
الحجة سنة ثمان وستين ومائتين «1» . فاشتد ذلك على إبراهيم، وأمر بحشد الجند والأنصار والموالى. وأخرجهم مع ابنه أبى العباس عبد الله فى سنة تسع وستين. فانتهى الخبر إلى لواتة فهربوا «2» بين يديه فلحقهم بباجة وقتلهم قتلا ذريعا. وافترق من سلم منهم فى كل ناحية.
وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين بلغ إبراهيم أن جماعة من الخدام والصقالبة يريدون قتله وقتل أمه، فقتلهم عن آخرهم. وقتل بناته بعد ذلك.
وفى هذه السنة «3» قتل رجال بلزمة بمدينة رقادة. وكان قبل ذلك قد زحف إليهم وبادرهم «4» بنفسه فلم يتمكن منهم. فأظهر العفو عنهم ورجع. ثم وفد عليه وفدهم ووفد أهل الزاب. فأنزلهم فى رقادة فى دار عظيمة كالفندق، وأجرى عليهم نزلا واسعا، وخلع عليهم وأكرمهم، حتى اجتمع نحو ألف رجل. فأحاط بهم فامتنعوا وقاتلوا، فقتلهم عن آخرهم. وكان قتلهم سبب انقطاع دولة بنى الأغلب، لأن أهل بلزمة كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولا وعبيدا، وفرضوا عليهم العشور والصدقات وأن يحملوا ذلك على أعناقهم.
فكان الذى صنع إبراهيم بأهل بلزمة مما أنقذ كتامة من تلك الذلة وأوجدهم السبيل إلى القيام مع الشيعى.
وفى هذه السنة أمر إبراهيم بشراء العبيد السودان، فبلغت عدتهم
مائة ألف. فكساهم وألزمهم بابه. وجعل عليهم ميمونا وراشدا.
وقتل حاجبه ابن الصمصامة وإخوته وقرابته «1» .
وولى حجابته الحسن بن ناقد، وأضاف إليه عدة ولايات، منها إمارة صقلية.
وفى سنة ثمان وسبعين «2» أيضا اضطربت إفريقية على إبراهيم.
فخالفه أهل تونس والجزيرة وصطفورة وباجة وقمودة والأربس، وذلك فى شهر رجب ولم يجتمع أهل هذه الكور بمكان واحد بل أقام كل رئيس بمكانه «3» . ولم يبق بيد إبراهيم من إفريقية وكورها إلا الساحل الشرقى. فأمر إبراهيم بحفر الخندق على رقادة. وجمع ثقاته على نفسه. وقرب السودان من قصره. وأحضر شيخا من بنى عامر ابن نافع فشاوره فى أمره. فقال له:«إن عاجلوك قبل أن تختلف كلمتهم خفت أن ينالوا منك. وإن صبروا أمكنك منهم ما تريد» .
فلما خرج من عنده، قال إبراهيم لابنه أبى العباس:«احبسه عندك لئلا يتكلم بهذا الرأى فيصل إليهم» . فحبسه حتى ظفر بهم.
وكان سبب ظفره أنه بعث عسكره إلى الجزيرة فقتل منهم خلقا كثيرا. وأخذ رئيسها المعروف بابن أبى أحمد أسيرا. وجىء به إلى إبراهيم فقتله وصلبه. ووجه صالحا الخادم إلى قمودة فهزمهم.
وبعث إلى تونس عسكرا عظيما عليهم ميمون الخادم والحسن بن ناقد حاجبه. فانهزم أهل تونس وقتلوا قتلا ذريعا بعد قتال شديد.