الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن فى قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة.
ثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم على إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراسانى. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبى جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية «1» تراضوا به.
ذكر ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمى
قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة.
فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال.
ثم خرج عليه أبو قرّة فى جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب فى جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون
عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان، حتى بقى فى نفر يسير من وجوههم.
وكان الحسن بن حرب الكندى بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التّميمى، وهو الذى استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل فى عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرّفه «1» فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب فى آخره:
ألا قولا لأغلب غير سر
…
مغلغلة من الحسن بن حرب
بأنّ البغى مرتعه وخيم
…
عليك وقربه لك شرّ قرب
وإن لم تدعنى لتنال سلمى
…
وإلا فادن من طعنى وضربى «2»
فأقبل الأغلب نحوه يجد السير «3» . فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس، وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب
واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير.
فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان.
وحشد الحسن بن حرب وسار فى عدة عظيمة إلى القيروان.
فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقى الحسن وحده إن لم يعنه «1» أحد. فلما قرب، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة فكشفهم. ثم انصرف وهو يقول:
لم يبق إلا القلب أو أموت
…
إن تحم لى الحرب فقد حميت
وإن تولّيت فلا بقيت
ثم حمل على القلب فلم يثن حدّه حتى قتل بسهم أصابه، وذلك فى شعبان سنة خمسين ومائة. قال: ولما سقط الأغلب صاح الناس:
«قتل الأمير» . وارتفعت الأصوات بذلك. قال: وكان سالم بن سوادة فى الميمنة هو وأبو العنبس «2» . فقال سالم لأبى العنبس:
«لا أنظر إلى الدنيا بعد اليوم» . ودفع فى عسكر الحسن بن حرب، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة. ووجد الحسن بن حرب مقتولا.
ذكر ولاية عمر «1» بن حفص هزار مرد
وتفسيره بالفارسية ألف رجل، ويكنى أبا جعفر. وكان شجاعا بطلا. وهو من ولد قبيصة بن أبى صفرة أخى المهلّب. استعمله المنصور على إفريقية لما بلغه قتل الأغلب. فقدمها فى صفر سنة إحدى وخمسين ومائة فى خمسمائة فارس. فاجتمع إليه وجوه الناس، فوصلهم وأحسن إليهم. فاستقامت له الأمور ثلاث سنين وأشهرا من ولايته.
ثم سار إلى الزاب فنزل طبنة. واستخلف على القيروان حبيب ابن حبيب بن يزيد بن المهلب، وكان كتاب المنصور قدم عليه بالشخوص إلى الزاب لبناء طبنة. فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر. فخرج إليهم حبيب وقاتلهم فقتل. واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب «2» مولى كندة، وهو الذى يسمى أبا قادم. وكان عامل عمر على طرابلس الجنيد بن سيار الأزدى «3» ، فبعث إليهم الجنيد خيلا عليهم خازم بن سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم خازم وأصحابه ولحقوا بالجنيد بطرابلس.
فكتب الجنيد إلى عمر يستمده. فبعث إليه خالد بن يزيد المهلبى فى أربعمائة فارس. فاجتمع هو والجنيد والتقيا مع البربر. فانهزم خالد والجنيد إلى قابس.
فبعث عمر بن حفص سليمان بن عباد المهلبى فى جماعة من الجند.
فلقى أبا قادم «1» بقابس، فقاتله. فانهزم سليمان إلى القيروان.
فسار إليها وحصرها، وعمر مقيم بطبنة، وقد صارت إفريقية وأعمالها نارا تتقد.
وأتى البربر من كل مكان، ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها وهم فى اثنى عشر عسكرا: أبو قرّة الصّفرى فى أربعين ألف فارس، وعبد الرحمن بن رستم الإباضى فى خمسة عشر ألف فارس «2» ، وأبو حاتم فى عدد كثير، وكان إباضيا، وعاصم السّدراتى الإباضى فى ستة آلاف، والمسور «3» الزّناتى الإباضى فى عشرة آلاف فارس، وعبد الملك بن سكرديد الصّنهاجى الصّفرى فى ألفى فارس، وجماعة غير هؤلاء، وليس مع عمر إلا خمسة آلاف وخمسمائة «4» .
فلما رأى ما حل به جمع قواده فاستشارهم فى مناجزتهم. فأشاروا عليه ألا يخرج من المدينة. فأعمل الحيلة فى صرف الصّفرية، ووجه إليهم رجلا من أهل مكناسة يقال له إسماعيل بن يعقوب. ودفع إليه أربعين ألف درهم وكسا كثيرة، وأمره بدفع ذلك إلى أبى قرة على أن ينصرف عنهم. فقدم عليه وعرض المال والكسا. فقال له: «أبعد أربعين سنة يسلّم على بالإمامة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟
لا حاجة لى به» . فانصرف إلى ابنه وقيل إلى أخيه «1» . ودفع إليه أربعة آلاف درهم وأثوابا على أن يعمل فى صرف أبيه ورد الصفرية إلى بلدهم فعمل ذلك من ليلته. فلم يشعر أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى بلدهم. فلم يجد بدا من اتباعهم.
فلما انصرف»
. الصفرية وجه عمر معمر بن عيسى السّعدى فى ألف وخمسمائة إلى ابن رستم، وهو بتهوذا فى خمسة عشر ألف فارس.
فالتقوا فانهزم ابن رستم ووصل إلى تيهرت.
ثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان. واستخلف على طبنة المهنا بن المخارق بن غفار الطائى. فلما بلغ أبا قرة مسيره، أقبل بجموعه وحصر المهنا بطبنة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم أبو قرة واستباحوا عسكره.
وكان أبو حاتم لما حاصر القيروان أقام عليها ثمانية أشهر، وليس فى بيت مالها درهم واحد ولا فى أهرائها «3» شىء من الطعام.
وكان الجند فى تلك المدة يقاتلون البربر طرفى النهار حتى جهدهم الجوع، وأكلوا دوابهم وكلابهم. فجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر. فبلغ ذلك عمر فأقبل يريد القيروان فى نحو سبعمائة من الجند حتى نزل مدينة الأربس فبلغ البربر إقباله، فرجعوا إليه بأجمعهم ورحلوا عن القيروان. فلما بلغه إقبالهم توجه إلى ناحية
تونس، وأغذّ السير. ومضى البربر حتى صاروا بناحية سمنجة.
وسار عمر من تونس وخرج جميل بن صخر من القيروان، فالتقوا فى بئر السلامة. ثم أقبل حتى دخل القيروان. فبث خيوله حول القيروان وجعل يدخل إليها ما يصلحه من الطعام والحطب وغير ذلك.
واستعد للحصار، وخندق خندقا على باب أبى الربيع فعسكر فيه الجند.
ثم قدم أبو حاتم فى جنوده وقد بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا.
فقاتله عمر بمن معه أشد قتال. فانكشف حتى صار إلى الفسطاط.
ثم اقتتلوا بالفسطاط واشتد قتالهم وكاثروه حتى انحاز «1» إلى الخندق بباب أبى الربيع. وكان عمر يخرج إليهم فى كل يوم ويقاتلهم فمازالوا على ذلك «2» حتى فنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم والسنانير «3» . فاضطرب على عمر أمره وضجر أصحابه وساءت آراؤهم. فقال لمن معه من الجند: «قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم ففرج الله عنكم بعض ما كنتم فيه. وقد ترون ما أنتم الآن فيه. فإن شئتم خرجت أنا على ذراريهم وبلادهم.
وجعلت عليكم أى الرجلين شئتم: جميلا أو المخارق. وأخرج فى ناس من الجند فأغير على نواحيهم وآتيكم بالميرة» . فقالوا:
«قد رضينا» . وكان قد اجتمع حول القيروان من الإباضية مع أبى حاتم ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا: الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا.
فلما هم بالخروج، اختلفوا عليه وقالوا: «تحب أن تخرج ونبقى
نحن فى الحصار، لا تخرج وأقم معنا» . قال:«نعم، أقيم معكم وأخرج جميلا والمخارق ومن أحببتم» . قالوا: «نعم» . فلما جاءوا إلى باب المدينة قالوا: «تقيم أنت فى الراحة ونخرج نحن! لا والله لا نفعل» . فغضب عمر وقال: «والله لأوردنّكم حياض الموت» .
وجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك امرأته تخبره فيه:
إن أمير المؤمنين قد استبطأك فبعث يزيد بن حاتم إلى إفريقية، وهو قادم فى ستين ألفا، ولا خير فى الحياة بعد هذا. قال خراش «1» ابن عجلان: فأرسل إلى فجئته، وقد ثار عرق بين عينيه وكان علامة غضبه. فأقرأنى الكتاب فدمعت عيناى. فقال:«مالك؟» . فقلت:
«وما عليك أن يقدم رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار؟» . فقال:
«إنما هى رقدة حتى نبعث إلى الحساب فاحفظ وصيتى» .
قال خراش: فأوصى بما أحب. وخرج كالبعير الهائج. فلم يزل يطعن ويضرب حتى قتل، وذلك فى يوم السبت للنصف من ذى الحجة سنة أربع وخمسين ومائة «2» .
فلما قتل بايع الناس جميل «3» بن صخر، وهو أخو عمر لأمه.
فلما طال عليه الحصار دعاه ذلك إلى موادعة أبى حاتم. فصالحه على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم، وعلى أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحدا
من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم. فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم.
ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة. وأحرق أبو حاتم أبواب المدينة وأثّر فى سورها.
وبلغه قدوم يزيد بن حاتم فتوجه إلى طرابلس، واستخلف على القيروان عبد العزيز بن السّمح «1» المعافرى. ثم بعث إليه أبو حاتم يأمره بأخذ سلاح الجند، وألا يجتمع منهم اثنان فى مكان واحد، وأن يوجه إليه بهم واحدا بعد واحد. فاجتمعوا واستوثق بعضهم من بعض بالأيمان المؤكدة أن لا يرضوا بهذا. وقويت قلوبهم بيزيد بن حاتم.
فلقوا عمر بن عثمان الفهرى واتفقوا معه وولوه أمرهم. فقبله وقام على أصحاب أبى حاتم فقتلهم. واتصل ذلك بأبى حاتم فزحف من طرابلس.
فلقى عمر بن عثمان ومن معه. فاقتتلوا فقتل من البربر خلق كثير. ومضى عمر بن عثمان وأصحابه نحو تونس. ومضى جميل بن صخر والجنيد ابن سيار هاربين نحو المشرق.
وخرج أبو حاتم فى طلب عمر بن عثمان. ووجه قائدا من قواده يقال له جرير بن مسعود المديونى على مقدمته. فأدركه بجيجل من ناحية كتامة. فقاتلوه فقتل جرير بن مسعود وأصحابه. وانصرف عمر والمخارق فدخلا تونس، ومضى أبو حاتم إلى طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم. ولحق جميل بن صخر بيزيد وهو بسرت. فأقام إلى أن لقى أبا حاتم.