الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وهذه الشُّعُورُ كُلُّها إن كانت كَثِيفةً لا تَصِفُ البَشَرةَ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِها. وإن كانت تَصِفُ البَشَرة، وَجَبَ غَسْلُها معه. وإن كان بَعْضُها كثيفًا وبَعْضُها خَفِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ بَشَرةِ الخَفِيفِ معه وظَاهِرِ الكَثِيفِ. أَوْمَأَ إليه أَحْمَدُ، رَحِمه اللهُ تَعالَى.
ومِنْ أَصْحابِنا مَنْ ذَكَر في الشَّارِبِ، والعَنْفَقَةِ، والحاجِبَيْنِ، وأَهْدابِ العَيْنَيْنِ، ولِحْيَةِ المَرْأةِ، وَجْهًا آخرَ في وُجُوبِ غَسْلِ باطِنِها، وإن كانت كَثِيفَةً، لأنَّها لا تَسْترُ ما تَحْتَها عادةً، وإن وُجِدَ ذلك كان نادِرًا، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ولَنَا أَنَّه شَعْرٌ سَاتِرٌ لِمَا تَحْتَه، أشْبَه لِحْيَةَ الرَّجُلِ، ودَعْوَى النُّدْرَةِ في الحاجِبَيْنِ والشَّارِبِ والعَنْفَقَةِ، غيرُ مُسَلَّمٍ، بل العَادَةُ ذلك.
فصل: ومَتَى غَسَلَ هذه الشُّعُور، ثم زالتْ عنه، أو انْقَلَعتْ جِلْدَةٌ من بَدَنِهِ (20)، أو قَصَّ ظُفْرَهُ أو انْقَلَع، لَمْ يُؤَثِّرْ في طَهَارَتِه. قال يُونُس بن عُبَيْدٍ (21): ما زادَهُ ذلك إلَّا طَهارةً. وهذا قَوْلُ أكْثَر أَهْلِ العِلْمِ. وحُكِى عن ابنِ جَرِيرٍ (22) أنَّ ظُهُورَ بَشَرةِ الوَجْهِ بعد غَسْلِ شَعْرِه يُوجِبُ غَسْلَها، قياسًا علَى ظُهُور قَدَمِ الماسِحِ عَلَى الخُفِّ. ولا يَصِحُّ؛ لأن الفَرْضَ انتقلَ إلى الشَّعْرِ أصْلًا، بدَلِيلِ أنه لو غَسَلَ البَشَرةَ دون الشَّعْرِ، لم يُجْزِه، بخِلَافِ الخُفَّيْنِ فإنهما بَدَلٌ يُجْزِىءُ غَسْلُ الرِّجْلَيْن دُونهما، [فإذا كان أصْلًا أشْبَهَ ما لو انْكَشَطَتْ مِن الوَجْهِ بعدَ غَسْلِه](23).
فصل: ويَجِبُ غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ من اللِّحْيَةِ. وقال أبُو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: لا يَجبُ غَسْلُ ما نَزَل منها عن حَدِّ الوَجْهِ طُولًا وعَرْضًا؛ لأنه شَعْرٌ
(20) في م: "يديه".
(21)
يونس بن عبيد بن دينار العبدى مولاهم البصري، كان من سادات أهل زمانه علما وفضلا، وحفظا وإتقانا، مع الفقه في الدين. توفى سنة أربعين ومائة. الجرح والتعديل 4/ 2/ 242، تهذيب التهذيب 11/ 442 - 445.
(22)
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المفسر المؤرخ، كان من أفراد الدهر؛ علما، وذكاء، وكثرة تصانيف، وكان من كبار أئمة الاجتهاد، توفى سنة عشر وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 14/ 267 - 282.
(23)
سقط من: م.
خارِجٌ عن مَحَلِّ الفَرْضِ، فأشْبَهَ ما نَزَل من شَعْرِ الرَّأْسِ عنه. ورُوِىَ عن أبي حَنِيفَةَ أنَّه لا يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ الكَثِيفةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى إنّما أمرَ بغَسْلِ الوَجْهِ، وهو اسْمٌ [لِبَشَرَةِ الوَجْهِ](24) التي تَحْصُلُ بها المُواجَهةُ، والشَّعْرُ ليس بِبَشَرَةٍ، وما تَحْتَهُ لا تَحْصُلُ به المُواجَهةُ. وقد قال الخَلَّالُ: الذي ثَبَت عن أبي عبد اللَّه، رحمه الله، في اللِّحْيةِ أنَّه لا يَغْسِلُها ولَيْست من الوَجْهِ أَلْبَتَّةَ. قال: ورَوَى بَكْرُ بنُ مُحمَّد (25)، عن أبيهِ، قال: سألتُ أَبا عَبْدِ اللهِ: أَيُّمَا أَعْجَبُ إليك غَسْلُ اللِّحْيةِ أو التَّخْلِيلُ؟ فقال: غَسْلُها ليس من السُنَّةِ، وإن لم يُخَلِّلْ أَجْزَأهُ. وهذا [ظاهِرُ مَذْهب أبى حَنِيفَةَ](26) في الرِّوايةِ التي ذُكِرَتْ عنه. ويَحْتَمِلُ أنه أرادَ ما خَرَجَ عن حَدِّ الوَجْهِ منها، وهو [قَوْلٌ لأبي حَنِيفةَ](27)، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ، والمَشهورُ عن أبي حنيفةَ أنَّ عَلَيْه غَسْلَ الرُّبْعِ مِنَ اللِّحْيَةِ، بناءً على أَصْلِهِ في مَسْحِ الرَّأْسِ. وظاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمد، الذي عليه أصحابهُ، وُجُوبُ غَسْلِ اللِّحْيَةِ كُلِّها مِمَّا هو نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، سَوَاءٌ حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ أو تَجَاوَزَهُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الشَّافِعِىِّ. وقَوْلُ أحمدَ في نَفْى الغَسْلِ، أرادَ به غَسْلَ باطِنِها، أي غَسْلُ باطِنِها ليس مِنَ السُّنَّةِ، وقد رُوِىَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَأىَ رَجُلًا قد غَطَّى لِحْيَتَهُ في الصَّلاةِ، فقال:"اكْشِفْ وَجْهَكَ؛ فإنَّ اللِّحْيةَ مِنَ الوَجْهِ (28) ". ولأنَّهُ نابتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ يَدْخُلُ في اسْمِه ظاهِرًا، فأشْبَه اليَدَ الزَّائِدَةَ، ولأنه يُواجَهُ به، فيدخلُ في اسْمِ الوَجْه، ويُفارِقُ شَعْرَ الرَّأْسِ، فإنَّ النازِلَ عنه لا يَدْخُلُ في اسْمِه، [والخُفُّ لا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه، بخِلَافِ ما نَحْنُ فيهِ](29).
(24) في م: "للبشرة".
(25)
أبو أحمد بكر بن محمد النسائي البغدادي، كان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه، وعنده مسائل كثيرة سمعها منه، وبعضها عن أبيه. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 119، 120.
(26)
في م: "ظاهره مثل مذهب أبى حنيفة".
(27)
في م: "قول أبى حنيفة".
(28)
لم نجده.
(29)
سقط من: الأصل.