الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُسَيَّب، أنَّه كان ينامُ مِرَارًا مُضْطَجِعًا يَنْتظرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّى ولا يُعِيدُ الوُضُوءِ. ولعَلَّهُم ذَهَبُوا إلى أن النَّوْمَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِين بالشَّكِّ. ولنَا قولُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ: لكنْ من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. وقد ذَكَرْنا أنه صحيحٌ. ورَوَى علىٌّ رَضِىَ اللَّه عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ (4)، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ". رواه أبو داود، وابنُ مَاجَه (5). ولأنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيمَ مَقَامَه، كالْتِقاءِ الخِتَانَيْنِ في وُجُوبِ الغُسْلِ أُقِيمَ مَقَامَ الإِنْزَالِ.
فصل:
والنَّوْمُ ينقسمُ ثلاثةَ أقسام: نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه، في قولِ كُلِّ مَنْ يقولُ بِنَقْضِهِ بالنَّوم. الثاني نومُ القاعِدِ، إن كان كَثِيرًا نَقَضَ، رِوايةً واحدةً، وإن كان يَسِيرًا لم يَنْقُضُ. وهذا قولُ حَمَّاد، والحكم، ومالِك، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُر، إذا كان القاعدُ مُتَمَكِّنًا (6) مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَث إلى الأرْضِ؛ لِمَا رَوَى أنَس، قال: كان أصحابُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ينامُونَ، ثم يَقُومُونَ فيُصَلُّون، ولا يتَوَضَّؤُون (7). قال التِّرْمِذِىّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى لفظٍ قال: كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ينتظرونَ العشاءَ الآخِرَةَ حتى تَخْفِقَ رُؤوسُهم، ثم يُصَلُّونَ، ولا يتَوَضَّؤُونَ (8). وهذا إشارةٌ إلى جَمِيعهِم، وبه يتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَيْنِ الأَوَّلَيْن، ولأنه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقُضْ وُضُوءَه، كما لو كان نَوْمُه يَسِيرًا. ولنا عُمُومُ الحَدِيثَيْن الأَوَّلَيْن، وإنَّما خَصَّصْنَاهُما في اليَسِير لحدِيثِ أنَسٍ، وليس فيه بيانُ كَثْرةٍ
(4) الوكاء: ما تشد به رأس القربة ونحوها. والسه: من أسماء الدبر.
(5)
أخرجه أبو داود، في: باب في الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 46. وابن ماجه، باب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 161. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 1/ 111.
(6)
في الأصل: "متكئا".
(7)
أخرجه مسلم، في: باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، من كتاب الحيض. صحيح مسلم 1/ 284. والترمذي، في: باب الوضوء من النوم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 104.
(8)
أخرجه أبو داود، في: باب في الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 45.
ولا قِلَّةٍ، فإنَّ النائِمَ يَخْفِقُ رَأْسُه مِنْ يَسِيرِ النَّوْمِ، فهو يَقِينٌ في اليَسِيرِ، فيُعْمَلُ به منه (9)، وما زاد عليه فو مُحْتَمَل لا يُتْرَكُ له العُمُوم المُتَيَقَّنُ؛ ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ (10) بإفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَة يُفْضِى إليه، ولا يُحِسُّ بخُرُوجِهِ منه، بخلافِ اليَسِيرِ، ولا يَصِحُّ قياسُ الكَثِيرِ علَى اليَسِيرِ، لاخْتِلافِهِما في الإِفْضاءِ إلى الحَدَثِ. الثالثُ ما عدا هاتَيْنِ الحالتَيْنِ، وهو نَوْمُ (11) القائِمِ والرَّاكِعِ والسَّاجِدِ، فرُوِىَ عن أحمدَ في جَميعِ ذلك روايتان: إحداهما، يَنْقُضُ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في تَخْصِيصِهِ مِنْ عُمُومِ أحادِيث النَّقْضِ نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا، لاعْتِمادِه بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، والراكعُ والساجدُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ منهما. والثانيةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا إذا كَثُرَ. وذَهَبَ أبو حنيفة إلى أنَّ النَّوْمَ في حالٍ من أحوالِ الصلاةِ لا يَنْقُضُ وإنْ كَثُرَ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يَسْجُدُ ويَنَامُ ويَنْفُخُ، ثم يقومُ فَيُصَلِّى، فقلتُ له: صَلَّيْتَ ولم تَتَوَضَّأ وقد نِمْتَ، فقال:"إنَّمَا الوُضُوءُ على مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا؛ فَإنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ". رَواهُ أبو داود (12)، ولأنَّه حال مِن أحْوالِ الصَّلاةِ. فأشْبَهت حال الجُلُوسِ. والظاهرُ عن أحمدَ التَّسْوِيَةُ بين القِيامِ والجُلُوسِ، لأنهما يَشْتَبِهانِ في الانْخِفاضِ واجتماعِ المَخْرَجِ، وربَّما كان القائمُ أبْعَدَ من الحَدَثِ لعَدَمِ التمَكُّنِ من الاسْتِثْقالِ في النومِ، فإنه لو اسْتَثْقَلَ لسَقَطَ. والظاهرُ عنه في الساجدِ التَّسْوِيةُ بينه وبين المُضْطَجِع؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، ويعَتْمِدُ بأعْضائِه علَى الأرضِ، ويتَهَيَّأُ لخُروجِ الخارجِ، فأشْبَهَ المُضْطَجِعَ. والحديثُ الذي ذَكَرُوه (13) مُنْكَرٌ. قالَه أبو داود. وقال ابنُ المُنْذِر: لا يَثْبُتُ، وهو
(9) سقط من: م.
(10)
في م: "يعلل".
(11)
سقط من: م.
(12)
في: باب في الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 46. وأخرجه أيضًا الترمذي، في: باب الوضوء من النوم، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 103. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 256.
(13)
في الأصل: "ذكرناه".