الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن وُجِدَ مع إحْدَى الغَسَلاتِ فهو جِنْسٌ آخَرُ، فيُجْمَعُ بين الْخَبرَيْن.
وقال أبو حنيفة: لا يجبُ العدَدُ في شيءٍ من النجاسات، وإنما يُغْسَلُ حتى يَغْلِبَ على الظَّنِّ نَقاؤُه من النجاسة؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكلب يَلِغُ في الإِناء:"يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا"(3) فلم يُعَيِّنْ عَدَدًا. ولأنها نجاسةٌ، فلم يجبْ فيها العَدَدُ، كما لو كانتْ علَى الأرض.
ولنا ما رَوَىَ أبو هُرَيْرة أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عليه، ولمُسلم، وأبي داود:"أُولَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وحديثُ عبد اللَّه بن الْمُغَفَّلِ، الذي ذكرْناه. وحديثُهم (4) يَرْويه عبدُ الوَهَّاب بنِ الضَّحَّاك، وهو ضعيفٌ (5). وقد روَى غيرهُ من الثِّقات:"فَلْيَغْسِلَهُ سَبْعًا". وعلَى أنه يَحْتَمِلُ الشَّكَّ مِن الرَّاوِى، فينْبَغىِ أن يُتَوَقَّفَ فيه، ويُعْمَلَ بغيرهِ. وأمَّا الأرضُ فإنهَّ سُومِحَ في غَسْلِها للمَشَقَّة، بخلافِ غيرها.
فصل:
فإن جَعل مَكانَ التُّرابِ غيرَه؛ من الأُشْنان، (6) والصَّابون، والنُّخالة (7)، ونحوِ ذلك، أو غسَله غَسلْةً ثامنةً، فقال أبو بكر: فيه وجهان:
أحدهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه طهارةٌ أُمِرَ فيها بالتُّرابِ، فلم يقُمْ غيرُه مَقامَهُ، كالتَّيَمُّمِ، ولأنَّ الأمرَ به تَعَبُّدٌ غيرُ معقولٍ، فلا يجوزُ القِياسُ فيه.
والثانى يُجْزِئُه؛ لأنَّ هذه الأشياءَ أبْلَغُ من الترابِ في الإِزالةِ، فنَصُّه علَى الترابِ
(3) أخرجه الدارقطني، في: باب ولوغ الكلب في الإِناء، من كتاب الطهارة 1/ 65.
(4)
سقط من: م.
(5)
في حاشية م: "هذا غلط فقد رواه مسلم وغيره من طرق ليس عبد الوهاب هذا منها، بل هي مجمع على صحتها".
وعبد الوهاب هذا هو أبو الحارث عبد الوهاب بن الضحاك بن أبان السلمى العرضى الحمصى. انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال 2/ 679، 680، وتهذيب التهذيب 6/ 446 - 448.
وانظر نصب الراية 1/ 131. في تصحيح الحديث الآخر الذي رواه أبو هريرة.
(6)
الأشنان، بضم الهمزة والكسر لغة: معرب، يقال له بالعربية: الحُرْض. المصباح المنير.
(7)
النخالة: قشر الحب.
تَنْبِيهٌ عليها، ولأنه جامِدٌ أُمِرَ به في إزالةِ النجاسة، فأُلْحِقَ به ما يُماثِلُه كالحجَرِ في الِاسْتِجْمار.
فأمَّا الغَسْلَةُ الثامنةُ فالصحيحُ أنها لا تقومُ مَقامَ التراب؛ لأنَّه إنْ كان القَصْدُ به تَقْوِيةُ الماءِ في الإِزالةِ فلا يحصُل ذلك بالثامنة، لأنَّ الجمعَ بينهما أبْلَغُ في الإِزالةِ، وإن وجَب تَعَبُّدًا امْتنَع إبْدالُه، والقِياسُ عليه.
وقال بعضُ أصحابِنا: إنما يجوزُ العدُولُ إلى غيرِ الترابِ عندَ عَدَمِه، أو إفْسادِ المَحَلِّ المغْسولِ به، فأمَّا مع وُجودِه وعدمِ الضَّرَرِ به (8) فلا. وهذا قَوْلُ ابن حامد (9).
القسم الثاني؛ نَجاسةُ غيرِ الكلبِ والخنزير، ففيها رِوَايتان:
إحداهما، يجبُ العَدَدُ فيها قِياسًا علَى نجاسةِ الوُلوُغِ، ورُوِىَ عن ابن عمر، أنه قال: أُمِرْنا بغَسْلِ الأنْجاسِ سَبْعًا. فيَنْصَرِفُ إلى أمْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
والثانية، لا يجبُ العَدَدُ، بل يُجْزِئُ فيها الْمُكاثَرةُ بالماء مِن غيرِ عَدَدٍ، بحيث تزولُ عَيْنُ النجاسة. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ؛ لما رُوِىَ عن ابن عمر، قال: كانتِ الصلاةُ خَمْسِين، والغُسْلُ مِن الجنابةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، والغَسْلُ مِن البَوْلِ سَبْعَ مَرَّات، فلم يزَلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسْألُ حتى جُعِلَتِ الصلاةُ خَمْسًا، والغَسْلُ مِن البَوْلِ مَرَّةً، والغُسْلُ مِن الْجَنابةِ مَرَّةً" روَاه الإِمامُ أحمد، في "مُسْنَدِه" (10) وأبو داود. في "سُنَنِه" (11). وهذا نَصٌّ، إلَّا أنَّ في رُواتِه أيُّوبَ بنَ جابرٍ، وهو ضعيفٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرِصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ". روَاه البُخارِىُّ (12)، ولم يأْمُرْ فيه بعَدَدٍ، وفي حديثٍ آخر، أنَّ امْرَأَةً
(8) سقط من: م.
(9)
أبو عبد اللَّه الحسن بن حامد بن على البغدادي، إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، صاحب المصنفات، المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة. تاريخ بغداد 7/ 303، طبقات الحنابلة 2/ 171 - 177.
(10)
انظر: الفتح الربانى 2/ 198.
(11)
في: باب في الغسل من الجنابة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 57.
(12)
تقدم في صفحة 17.
ركبتْ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، علَى ناقتِه، فلما نزلَتْ إذا علَى حَقِيبَتِهِ شيءٌ مِن دَمِها، فأمرَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تَجْعَلَ في الماء مِلْحًا، ثم تَغْسِل به الدَّمَ. روَاه أبو داود (13)، ولم يأْمُرْها بعَدَدٍ، وأمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أنْ يُصَبَّ علَى بَوْلِ الأعْرابىِّ سَجْلٌ مِنْ مَاءٍ. مُتَّفَقٌ عليه (14)، ولم يأْمُرْ بالعدد (15)، ولأنها نجاسةُ غيرِ الكلب، فلم يجبْ فيها العَدَدُ، [كنجاسة الأرضِ](16).
ورُوِىَ أنَّ العدَدَ لا يُعْتَبَرُ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاء من البَدَنِ، ويُعْتَبرُ في مَحَلِّ الِاسْتنْجاء وبقيَّة المحَالِّ. قال الخَلَّال: هذه الرِّوايةُ وَهمٌ. ولم يُثْبِتْها.
فإذا قُلْنا بوجُوب العَدَدِ، ففى قَدْرِه رِوَايتان: إحداهما، سَبْعٌ؛ لِمَا قَدَّمْنا. والثانية، ثلاثٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فإنَّهُ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". مُتَّفَقٌ عليه (17)، [إلَّا قَوْلهُ "ثلاثا" انْفَرد به مُسْلمٌ](18). أمَر بغَسْلِها ثلاثا؛ ليرْتَفِعَ وهمُ النَّجاسةِ، ولا يَرْفَعُ وَهْمَ النجاسةِ إلَّا ما يَرْفَعُ حَقِيقَتَها. وقد رُوِىَ أن النجاسةَ في مَحَلِّ الِاسْتِنْجاءِ تَطْهُرُ بثَلاثٍ، وفى غيرهِ تَطهُر بسَبْعٍ؛ لأنَّ مَحَلَّ الاسْتِنْجاءِ تتَكَرَّرُ فيه النجاسةُ، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفِيفَ، وقد اجْتُزِئَ فيها بثلاثةِ أحْجارٍ، مع أنَّ الماءَ أبْلَغُ في الإِزالةِ، فأوْلَى أن يجْتَزئَ فيها بثلاثِ غَسَلاتٍ.
قال القاضي: الظاهِرُ مِن قَوْلِ أحمدَ ما اخْتارَ الْخِرَقِىُّ، وهو وُجوبُ العَدَدِ في جميعِ النَّجاسات.
فإن قُلْنا: لا يجبُ العَدَدُ لم يجِبِ التُّرابُ، وكذلك إن قلنا: لا يجبُ الغَسْلُ سَبْعًا؛
(13) في: باب الاغتسال من الحيض، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 74، 75
كما رواه الإمام أحمد، في: المسند 6/ 380.
(14)
تقدم في صفحة 17، 18.
(15)
في أ: "بعدد".
(16)
سقط من: م.
(17)
تقدم في صفحة 40.
(18)
سقط من: الأصل.