الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل عن الشافعىِّ: إنَّ ما لا يدركُه الطَّرْفُ من النجاسةِ مَعْفُوٌّ عنه؛ للمشقَّةِ اللاحقةِ به. ونَصَّ في موضع على أنَّ الذُبابَ إذا وقع علَى خلاءٍ رقيقٍ، أو بَوْلٍ، ثم وقَع على الثَّوْبِ، غُسِلَ موضعُه، ونجاسةُ (53) الذبابِ مما لا يدركها (54) الطَّرْفُ، ولأنَّ دليلَ التَّنْجيسِ لا يُفَرِّقُ بين يسِيرِ النجاسةِ وكثيرِها، ولا بين ما يُدْرِكُه الطرفُ وما لا يدركه، فالتَّفْريقُ تَحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، وما ذكروه من المَشَقَّةِ غيرُ صحيحٍ، لأنَّنا إنما نحكُم بنجاسةِ ما عَلِمْنا وُصولَ النجاسةِ إليه، ومع العلمِ لا يفْترِقان في المشقَّة، ثم إن المشقةَ حِكْمةٌ لا يجوز تعْليقُ الحُكْمِ بمُجَرَّدِها، وجَعْلُ ما لا يدركُه الطرفُ ضابطًا لها غيرُ صحيحٍ، فإنَّ ذلك إنَّما يُعْرَفُ بتَوْقِيفٍ، أو اعْتبارِ الشَّرْعِ له في مَوْضِعٍ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما.
فصل:
والغَدِيران إذا اتَّصَل أحدُهما بالآخَرِ بساقِيَةٍ بينهما، فيها ماءٌ قليل أو كثير، فهما ماءٌ واحد، حكمُهما (55) حُكْمُ الغَدِير الواحِد، إن بلغا جميعًا قُلَّتَيْن لم يتنَجَّسْ واحدٌ منهما إلَّا بالتغَيُّرِ، وإن لم يبلُغاهما (55) تنَجَّس كلُّ واحدٍ منهما بوُقوعِ النجاسةِ في أحدِهما؛ لأنَّه ماءٌ راكِدٌ مُتَّصِلٌ بعضُه ببَعْضٍ، أشْبَهَ الغَدِيرَ الواحدَ.
فصل في الماء الجارى:
نُقِل عن أحمد، رحمه الله، ما يدُلُّ على الفرقِ بين الماء الجارى والرَّاكِد؛ فإنه قال في حَوْض الحَمَّام: قد قيل إنَّه بمَنْزِلَة الماءِ الجارى. وقال في البئرِ يكونُ لها مَادَّةٌ: هو واقِفٌ لا يَجْرِى، ليس هو بمنزلةِ ما يَجْرِى. فعلَى هذا لا يتنَجَّسُ الجارى إلَّا بتغَيُّرِه، لأنَّ الأصْلَ طَهارتُه، ولم (56) نعلم في تَنْجِيسه نَصًّا ولا إجْماعًا، فبَقِىَ علَى أصْلِ الطهارةِ، ولأنه يدخُلُ في عُمومِ قولِه عليه السلام:"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ"، وقولِه:"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنجِّسُهُ شَىْءٌ إِلَّا ما غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ".
(53) في م: "لنجاسة".
(54)
في م: "يدركه".
(55)
في م: "حكمها". "يبلغاها".
(56)
في م: "ولا".
فإن قِيلَ: قد ورَد الشرعُ بتَنْجِيسِ قليلِه؛ بقوله (57) عليه السلام: "إِذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلِ الْخَبَثَ".
قُلْنا: هذا حُجَّةٌ علَى طَهارتِه؛ لأنَّ ماءَ الساقية بمَجْمُوعِه قد بلَغ القُلَّتَيْن، فلا يَحْمِلُ الخَبَثَ، وتخْصِيصُ الجِرْية منه بهذا التقْديرِ تحَكُّمٌ لا دليلَ عليه، ثم الخبرُ إنما ورَد في الماءِ الرَّاكد، ولا يصحُّ قِياسُ الجارِى عليه، لِقُوَّتِه بجَريانِه واتِّصالِه بمادته، ثم الخبرُ إنما يدُلُّ بمَنْطُوقِه على نَفْىِ النجاسةِ عمَّا بلَغ القُلَّتَيْن، وإنما يُسْتَدلُّ ها هنا بمَفْهُومِه، وقَضاء حَقِّ المفهومِ يحصُل بمُخالَفةِ ما دون القُلَّتَيْن لِمَا بلَغهما، وقد حصَلتِ المُخالفةُ بكَونِ ما دون القُلَّتَيْن يفْتَرِقُ فيه الماءُ الجارى والرَّاكدُ في التَّنْجِيس، وما بَلَغهُما لا يختلِفُ، وهذا كافٍ.
وقال القاضي، وأصحابُه: كلُّ جرْيَةٍ من الماءِ الجارِى مُعْتبرَةٌ بنفسِها، فإذا كانت النجاسةُ جارِيةً مع الماءِ، فما أمامَها طاهِرٌ؛ لأنها لم تصِلْ إليه، وما خَلفهَا طاهرٌ؛ لأنه لم يصِلْ إليها، والجِرْيةُ التي فيها النجاسةُ إن بلَغتْ قُلَّتَيْن فهى طاهِرةٌ، إلَّا أن تتغَيَّر بالنجاسةِ، وإن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسةٌ، وإن كانت النجاسةُ واقِفةً في جانب النهرِ، أو قَرارِه، أو في وَهْدةٍ (58) منه، فكلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عليها إن كانت دون القُلَّتَيْن فهى نَجِسَةٌ، وإن [كانت الجِرْيةُ](59) قُلَّتَيْن فهى طاهرةٌ، إلَّا أن تتغَيَّرَ.
والجِرْيَةُ: هي الماءُ الذي فيه النجاسةُ، وما قَرُبَ منها مِن خَلْفِها وأمامِها، ممَّا العادةُ انْتِشارُها إليه إن كانتْ ممَّا ينْتَشِر، مع ما يحُاذِى ذلك كلَّه ممَّا بين طَرَفَىِ النَّهْرِ، فإن كانت النجاسةُ مُمْتَدَّةً فلكلِّ جُزْءٍ منها مثلُ تلك الجِرْيَةِ المُعْتبرَةِ للنجاسة القليلة، ولا يُجْعلُ جميعُ ما يُحاذِيها جِرْيةً واحدةً، لئلَّا يُفضِى إلى تَنْجِيس الماء الكثيرِ بالنَّجاسةِ القليلةِ، ونَفْىِ التَّنْجِيس عن الكثيرِ مع وجُودِ النجاسةِ
(57) في م: "لقوله".
(58)
الوهدة: المكان المطمئن.
(59)
في م: "بلغت".