الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
إذا اجْتَمع ماءٌ مُستعمَلٌ إلى قُلَّتَيْنِ غيرِ مُسْتعمَلٍ صار الكلُّ طَهُورًا؛ لأنه لو كان المستعمَل نَجِسًا لصار (24) الكلُّ طَهورًا، فالمستعمَل أَوْلَى.
وإن انْضَمَّ إلى ما دون القُلَّتَيْن وكثُرَ المسْتعمَل ولم يبلُغْ قُلَّتيْن منع، وإن بلَغ قُلّتَيْن باجتماعِه فكذلك، ويحْتَملُ أن يزولَ المنْعُ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لمْ يَحْمِلِ الْخَبَث (25) ".
وإن انْضَمَّ مُستعمَلٌ إلى مستعمَلٍ ولم يبلُغِ القُلَّتَين فهو باقٍ على المَنْع، وإن بلَغ قُلَّتَيْن ففيه وجهان؛ لما ذكرْناه.
4 - مسألة: قال: (وَإذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْن، وَهُوَ خَمْسُ قِرَبٍ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نجَاسَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائحَةٌ، فَهُوَ طَاهِرٌ)
.
والقُلَّةُ: هي الْجَرَّة، سُمِّيتْ قلة لأنها تُقَلُّ بالأيدى، أي (1) تُحْمَلُ، ومنه قولُه تعالى:{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} (2)، ويقَع هذا الاسمُ علَى الكبيرةِ والصغيرة، والمراد بها ها هنا قُلَّتان من قِلالِ هَجَرَ (3)، وهما خمسُ قِرَبٍ، كلُّ قِرْبةٍ مائةُ رِطْلٍ بالعِرَاقيِّ، فتكون القُلَّتان خَمْسَمائة رطْلٍ بالعِرَاقيِّ.
هذا ظاهرُ المذهبِ عند أصحابِنا، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنه رُوِىَ عن ابن
(24) في م: "لكان".
(25)
أخرجه أبو داود، في: باب ما ينجس من الماء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 15. والترمذي، في: باب من أن الماء لا ينجسه شيء من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 85. والنسائي، في: باب التوقيت في الماء، من كتاب الطهارة، ومن كتاب المياه. المجتبى 1/ 42، 142. وابن ماجه، في: باب مقدار الماء الذي لاينجس، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 172. والإمام أحمد، في المسند 2/ 12، 38. وهو عند ابن ماجه والإمام أحمد في المسند 2/ 23، 27، 107:"إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء".
(1)
في م: "أو" تحريف.
(2)
سورة الأعراف 57.
(3)
هجر: مدينة، وهى قاعدة البحرين، وقال أبو الحسن الماوردى: الذي جاء في الحديث ذكر القلال الهجرية، قيل: إنها كانت تجلب من هجر إلى المدينة، ثم انقطع ذلك فعدمت. وقيل: هجر قرية قرب المدينة، وقيل: بل عملت بالمدينة كل مثل قلال هجر. معجم البلدان 4/ 953. وذكر ياقوت مواضع أخرى سميت بهجر.
جُرَيْج (4) أنه قال: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، والقُلَّةُ تسَعُ قِرْبتَيْن أو قربتين وشيئًا. فالاحْتياط أن يُجْعَلَ قِرْبتَيْن ونِصْفًا.
وروَى الأثْرَمُ (5)، وإسماعيل بن سعيد (6)، عن أحمد، أن القُلَّتيْن أربعُ قِرَبٍ، وحكاه ابنُ المُنْذِر عن أحمد فى "كتابِه"؛ وذلك لما رَوَى الْجُوزَجانِىُّ (7)، بإسنَادِه عن يحيى بن عُقَيْل (8)، قال: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، وأظنُّ كلَّ قلةٍ تأخذ قربتين. ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن جُرَيْج.
واتَّفَق القائلون بتَحْديد الماءِ بالقِرَبِ على تقديرِ كلِّ قِرْبةٍ بمائة رِطْلٍ بالعِرَاقِىِّ، لا أعلمُ بينهم في ذلك خِلافا، ولعلهم أخذوا ذلك ممَّن اخْتَبر قِرَبَ الحجازِ، وعرف أن ذلك مِقْدارُها.
وإنما خَصَصْنا هذا بقِلَالِ هَجَرَ لوَجْهَيْن:
أحدهما، أَنه قد رُوِىَ في حديثٍ مُبَيَّنًا، رواه الخَطَّابِىُّ (9) ، في "مَعالِمِ السُّنَن (10) " بإسْنادِه إلى ابن جُرَيْج، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا:"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ" وذكَر الحديثَ.
(4) أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومى، فقيه الحرم المكي، وإمام أهل الحجاز في عصره، مولده سنة ثمانين ووفاته سنة خمسين ومائة. تاريخ بغداد 10/ 400، العبر 1/ 213، 214.
(5)
سبقت ترجمته في صفحة 25.
(6)
أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجى، روى الكثير عن الإمام أحمد، وكان عالما بالرأى كبير القدر عند الحنفية، توفى سنة ثلاثين ومائتين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين. الجواهر المضية 1/ 406، 407، طبقات الحنابلة 1/ 104، 105.
(7)
أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى، عنده عن الإمام أحمد جزءان مسائل، وكان الإمام أحمد يكاتبه ويكرمه إكراما شديدا، وهو من رجال القرن الثالث. طبقات الحنابلة 1/ 98، 99.
(8)
يحيى بن عقيل (بالتصغير) الخزاعي البصرى نزيل مرو، يروى عن أنس بن مالك وغيره. انظر: تهذيب التهذيب 11/ 259.
(9)
أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخطابى البستى، الفقيه المحدث الأديب، توفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. يتيمة الدهر 4/ 334 - 336، وفيات الأعيان 2/ 214 - 216، العبر 3/ 39.
(10)
معالم السنن 9، وانظر نصب الراية 1/ 110 - 112.
والثانى، أنَّ قلالَ هَجَرَ أكبرُ ما يكونُ مِن القِلالِ، وأشْهرُها في عَصْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ذكَره الْخَطَّابِىُّ، قال: وهى مشهورةُ الصَّنْعةِ، معلومةُ المِقْدار. لا تَختلفُ كما لا تختلف الصِّيعانُ والْمَكايِيل، لأن (11) الحَدَّ لا يقَعُ بالمجهول. وقال أبو عُبَيْد: هي الحِبابُ (12)، وهى مُسْتفيضةٌ معروفة، فينْبغِى أن يُحْمَلَ لفظُ القُلَّتَيْن عليها؛ لشُهْرتها وكِبَرها، فإنَّ كلَّ معدودٍ جُعِلَ مِقْدارًا واحدا لم يتناوَلْ إلَّا أكْبرَها، لأنها أَقربُ إلى العِلْمِ، وأقلُّ في العَدَدِ، ولذلك قُلِدَ (13) نِصابُ الزَّكاةِ بالأَوْسُقِ (14)، دون الآصُعِ (15) والأمْدَادِ (16).
وقد دَلَّتْ هذه المسألةُ بصَريحها على أنَّ ما بلغ القُلَّتَيْن فلم يتغَيَّرْ بما وقَع فيه لا يَنْجسُ، وبمَفْهُومِها على أَنَّ مَا تغيَّر بالنجاسةِ نَجُسَ وإن كَثُرَ، وأنَّ ما دون القُلَّتَيْن ينْجُس بمُجَرَّدِ مُلاقاةِ النجاسةِ، وإن لم يتغَيَّرْ.
فأما نجَاسةُ ما تغيَّرَ بالنَّجاسةِ فلا خلافَ فيه، قال ابنُ المُنْذِر: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ الماءَ القليلَ والكثيرَ، إذا وقعتْ فيه نجَاسةٌ فغيَّرتْ للماءِ طَعْمًا أو لَوْنًا أو رائحةً، أنه نَجِسٌ ما دام كذلك. وقد روى أبو أُمامةَ الباهِلىُّ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ" روَاه ابنُ ماجَه (17). وقال حَرْبُ بن إسماعيل: سُئِل أحمدُ عن الماءِ إذا تغيَّر طَعْمُه أو رِيحُه (18)، قال: لا يتوَضَّأُ به ولا يَشْرَب، وليس فيه حديثٌ، ولكنَّ اللهَ تعالى حَرَّم المَيْتَة، فإذا صارتِ الميتةُ فى الماءِ فتغيَّر طَعْمُه أو رِيحهُ، فذلك طعمُ الميتةِ ورِيحُها،
(11) في م: "ولأن".
(12)
الحب، بالضم: الخابية. فارسى معرب، وجمعه حباب، بالكسر، وحببة، وزان عنبة.
(13)
في م: "جعل". وقُلِد بمعنى جُمِع. انظر القاموس.
(14)
جمع الوسق، وهو حمل بعير، أو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
(15)
الصاع: مكيال، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي بالمدينة أربعة أمداد.
(16)
المد: كيل، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز.
(17)
في: باب الحياض، من كتاب الطهارة وسننها. سنن ابن ماجه 1/ 174.
(18)
في م: "وريحه".
فلا يَحِلُّ له، وذلك أمرٌ ظاهِر.
وقال الخَلَّالُ (19): إنما قال أحمد: ليس فيه حديثٌ. لأنَّ هذا الحديثَ يَرْوِيه سليمان بن عمر، ورِشْدِينُ بن سعد، وكلاهما ضعيفٌ، وابنُ ماجَه رواه من طريق رِشْدِين.
وأمَّا ما دون القُلَّتَيْن إذا لاقَتْه النَّجاسةُ فلم يتغَيَّرْ بها، فالمشهورُ في المذهب أنه يَنْجُسُ، [وروى عن ابن عمر، وسعيد بن جبير (20)، ومجاهد، وبه قال الشافعيُّ، وإسحاق، وأبو عُبَيْد](21).
ورُوِىَ عن أحمد روايةٌ أخرى، أنَّ الماءَ لا يَنْجُس إلَّا بالتغيُّرِ قليلَه وكثيرَه، وروى مِثْلُ (22) ذلك عن حُذَيْفَة، وأبى هُرَيْرة، وابن عباس، قالو: الماءُ لا يَنْجُس. ورُوِىَ ذلك عن سعيد بن المُسَيَّب، والحسن، وعكْرِمَة، وعطاء، وجابر بن زيد (23) ، وابن أبي لَيْلَى، ومالك، والأَوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ (24) ، ويحيى القَطَّان (25) ، وعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، وابن المُنْذِر، وهو قولٌ للشافعىِّ؛ لحديثِ أبى أُمامةَ الذي أوْرَدْناه.
وروَى أبو سعيد، قال: قِيلَ يا رسولَ اللَّه، أنتَوضَّأُ مِن بئرِ بُضاعةَ؟ - وهى بئرٌ
(19) أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، صاحب التصانيف الدائرة والكتب السائرة، وكانت له حلقة بجامع المهدى، أنفق عمره في جمع مذهب الإمام أحمد وتصنيفه، توفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. طبقات الحنابلة 2/ 12 - 15، العبر 2/ 148.
(20)
أبو عبد اللَّه سعيد بن جبير الوالبى، مولاهم، التابعى الفقيه المفسر، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين. العبر 1/ 112.
(21)
سقط من: م.
(22)
سقط من: م.
(23)
أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدى الفقيه بالبصرة، توفى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. طبقات الفقهاء، للشيرازي 88، العبر 1/ 108.
(24)
أبو عبد اللَّه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفى، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه، توفى سنة إحدى وستين ومائة. سير أعلام النبلاء 7/ 229 - 279.
(25)
أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري الحافظ، كان ثقة مأمونا رفيعا حجة، توفى سنة ثمان وتسعين ومائة. الجواهر المضية 3/ 587 - 588، وانظر حاشيته.
يُلْقَى فيها الحِيَضُ، ولحومُ الكلابِ، والنَّتَنُ - فقال:"إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ". رواه أبو داود، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (26)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ (27).
قال الخَلَّالُ: قال أحمد: حديثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صحيحٌ.
ورُوِىَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الحِيَاضِ التي بين مكةَ والمدينة، تَرِدُها السِّباعُ والكلابُ والحُمُرُ، وعن الطَّهارةِ بها، فقال:"لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا [ما غَبَرَ] (28) طَهُورٌ (29) "، ولم يُفَرِّقْ بين القلِيلِ والكثيرِ؛ ولأنه لم يَظْهَرْ عليه إحْدَى صِفَاتِ النجاسة، فلم يَنْجُسْ بها كالزَّائِدِ عن القُلَّتَيْن.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى ابنُ عمر، رضى اللَّه عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن الدَّوابِّ والسِّباع، فقال:"إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". روَاه أبو داود، والنَّسائِىُّ (30)، والتِّرمِذِىُّ، [وابن ماجَه](31)، وفى لفظٍ:"إذا بَلَغ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَىْءٌ"، وتَحْدِيدُه بالقُلَّتَيْن يدُلُّ علَى أنَّ ما دُونَهما يَنْجُسُ، إذ لو استْوَى حُكْمُ القُلَّتيْن وما دونَهما لم يكنِ التَّحْديدُ مُفِيدًا، وصَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِن مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يدْرِى أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ (32) ". فلولا أنه يُفِيدهُ مَنْعًا لم يَنْهَ عنه.
(26) أبو داود، في: باب ما جاء في بئر بضاعة، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 16. والنسائي، في: باب ذكر بئر بضاعة، من كتاب المياه. المجتبى 1/ 141، 142. والترمذي، في: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من كتاب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 83. ورواه الإمام أحمد، في المسند 3/ 15، 16، 31، 86.
(27)
في الأصل بعد هذا زيادة: "صحيح"، وليس في الترمذي.
(28)
سقط من م: "ما"، وفيها:"غير" مكان: "غبر". وغبر: بقى.
(29)
أخرجه ابن ماجه، في: باب الحياض، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 173.
(30)
سقط من: م.
(31)
في الأصل: "وقال: هو حديث حسن"، ولم يرد في الترمذي، والحديث بهذا اللفظ عند أبي داود والنسائي والترمذي والإمام أحمد في بعض مواضع من المسند، واللفظ الآتى عند ابن ماجه، والإمام أحمد في بعض المواضع، على ما سبق بيانه في صفحة 36.
(32)
أخرجه البخاري، في: باب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري 1/ 52. ومسلم، في: باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإِناء قبل غسلها ثلاثا ثلاثا، =
أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بغَسْلِ الإِناءِ مِن وُلُوغِ الكلب، وإرَاقةِ سُؤْرِه، ولم يُفرِّقْ بين ما تغيَّر وما لم يتغَيَّرْ، مع أَنَّ الظاهِرَ عدمُ التَغيُّرِ، وخبرُ أبي أُمامةَ ضعيفٌ، وخبرُ بئرِ بُضاعةَ والخبرُ الآخَرُ مَحْمولان على الماءِ الكثير، بدليلِ أنَّ ما تغيَّر نَجُسَ، أو نَخُصُّهما بخبرِ القُلَّتَيْن، فإنه أخَصُّ منهما، والخاصُّ يُقَدَّمَ على العامِّ.
وأما الزَّائدُ عنِ القُلَّتَيْن، إذا لم يتغيَّرْ، ولم تكنِ النجاسةُ بَوْلًا أو عَذِرَةً، فلا يخْتَلِفُ المذهبُ في طَهارتِه، ورُوِىَ ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جُبَيْر، ومُجاهِد، وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاق، وأبى عُبَيْدة وأبى ثَوْر (33)، وهو قولُ مَن حَكَيْنا عنهم أنَّ اليَسِيَر لا ينْجُسُ إلا بالتغيُّرِ.
وحُكِىَ عن ابن عباس، أنه قال: إِذَا كان الماءُ ذَنُوبَيْنِ لم يَحْمِلِ الخَبَثَ. وقال عِكْرِمة: ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْن.
وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أنَّ الكثيرَ يَنْجُسُ بالنَّجاسةِ، إلَّا أن يبْلُغَ حَدًّا يغْلِبُ على الظَّنِّ أن النَّجاسةَ لا تصِلُ إليه. واخْتلفُوا في حَدِّه؛ فقال بعضُهم: ما إذا حُرِّك أحَدُ طَرَفَيْه لم يتحَرَّكِ الآخَرُ. وقال بعضُهم: ما بلَغ عَشْرةَ أذْرُعٍ في عشرة أذرع (34)، وما دون ذلك يَنْجُسُ، وإن بلغَ ألفَ قُلَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَا
= من كتاب الطهارة. صحيح مسلم 1/ 233، وأبو داود، في: باب الرجل يدخل يده في الإناء قل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود 1/ 23، 24. والترمذي، في: باب إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 41، 42. والنسائي، في: باب تأويل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}، وباب الوضوء من النوم، من كتاب الطهارة، وباب الأمر بالوضوء من النوم، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 12، 83، 176. وابن ماجه، في: باب الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه 1/ 138، 139. والدارمى، في: باب إذا استيقظ أحدكم من منامه، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي 1/ 196. والإمام مالك، في: باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة، من كتاب الطهارة. الموطأ 1/ 21. والإمام أحمد، في المسند 2/ 241، 253، 259، 265، 284، 316، 348، 382، 403، 455، 465، 471، 500، 507.
(33)
أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبى البغدادي الفقيه، ذكر الذهبي أنه برع في العلم ولم يقلد أحدا، وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين. طبقات الشافعية الكبرى 2/ 74 - 80، العبر 1/ 431.
(34)
سقط من: الأصل.
يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدِّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ". مُتفَّقٌ عليه (35)، فنَهى عن الوضوءِ من الماء الرَّاكِد بعد البَوْلِ فيه، ولم يُفرِّقْ بين قليلهِ وكثيرهِ، ولأنه ماءٌ حَلَّتْ فيه نجاسةٌ لا يُؤْمَنُ انْتِشارُها إليه، فينْجُسُ بها (36) كاليَسِيرِ.
ولنا خَبرُ القُلَّتَيْن، وبئرِ بُضاعةَ، اللذان ذكرْناهُما؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ"، مع قولِهم له: أنتوضأُ مِن بئرِ بُضاعةَ وهى بئرٌ يُلْقَى فيها الحِيَضُ ولحومُ الكلابِ والنَّتَنُ؟ وبئر بُضاعةَ لا يبلُغ الحَدَّ الذي ذكروه.
قال أبو داود: قَدَّرْتُ بئر بُضاعةَ بردَائِى، مَدَدْتُه عليها، ثم ذَرَعْتُه، فإذا عَرْضُها سِتَّةُ أذْرُعٍ، وسألتُ الذي فتَح لي باب البستان: هل غُيِّر بِناؤُها عما كانت عليه؟ قال: لا. وسألتُ قَيِّمَها عن عُمْقِها، [فقلتُ: أكثرُ ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى الْعَانةِ] (37). قلت: فإذا نَقَصَ. قال: دون العَوْرَةِ (38). ولأنه ماء يبلُغ القُلَّتَيْن، فأشْبَهَ ما زاد على عشرةِ أذْرُعٍ، وحديثُهم عامٌّ وحديثُنا خاصٌّ، فيجب تقديمُه.
الثانى، أنَّ حديثَهم لا بُدَّ مِن تَخْصيصِه، فإنَّ ما زاد على الحدِّ الذي ذكروه لا يمْنَعُ مِن الوضُوءِ به اتِّفاقًا، وإذا وجَب تخْصيصُه كان تخْصِيصُه بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أوْلَى مِن تَخْصيصِه بالرَّأْىِ والتَّشَهىِّ من غيرِ أصْلٍ يُرْجَعُ إليه، ولا دليلٍ يُعْتمَد عليه، ولأنَّ ما ذكروه مِن الحدِّ تقديرٌ طريقُه التَّوْقِيفُ، لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ، وليس معهم نَصٌّ ولا إجماعٌ، ولأنَّ حديثَهم خاصٌّ في البَوْلِ، ونحن نقول به على إحْدَى الرِّوايتَيْن، ونَقْصُرُ الحُكْمَ علَى ما تناولَه النَّصُّ، وهو البولُ؛ لأنَّ له من التَّأْكيد والِانْتشارِ في الماء ما ليس لغيرِه، على ما سنذكرُه إن شاء اللَّه تعالى.
(35) تقدم حديث النهى عن البول في الماء الدائم، في صفحة 32، وبهذا اللفظ أخرجه الترمذي، في: باب كراهية البول في الماء الراكد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى 1/ 86. والنسائي في: باب ذكر نهى الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، من كتاب الغسل. المجتبى 1/ 162. والإمام أحمد، في المسند 2/ 259، 265، 529، 532.
(36)
في الأصل: "به".
(37)
في السنن: "قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة". انظر سنن أبي داود 1/ 16.
(38)
آخر كلام أبي داود.