الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
مقدمة الطبعة الرابعة
بقلم الدكتور حسان الجيلاني
أتاحت لي فرصة كتابة هذه المقدمة أن أطلع على جانب كبير من حياة الورتلاني بواسطة تلك الوثائق والمخطواطات والصور التي أمدني بها مشكورًا نجله الأستاذ حسنين مسعود الورتلاني وتمكنت من اكتشاف الرجل من جديد. فهل كان الفضيل الورتلاني مجهولًا لدي؟ بالتأكيد لا، ولكن معرفتي بالرجل كانت سطحية، إذ كنت أعرفه كما أعرف سائر أعضاء جمعية العلماء، ولكن وأنا أغوص في قراءة ما كتبه وما كتب عنه استطعت أن ألم بحياة الرجل واكتشفت سيرته ونضاله وجهاده، وعرفت أنه كان فريدًا من نوعه، ووحيدًا في زمانه، وعبقريًا في قومه، فهو كتيبة في معركة الجهاد، دولة في تمثيلهالدبلوماسي، عالم في دعوته الإصلاحية، زعيم سياسي في مواقفه الثورية، إنه رجل نادر كمثل جده الثالت الحسين الورتلاني صاحب الرحلة، وكمثل ابن باديس وغيره من الأعلام الذين تفتخر بهم الأمم والشعوب لأنهم لا يتكررون كثيرًا ولا يوجدون في كل الأماكن والعصور إلا ما ندر، فالورتلاني كما وصفته جريدة "القبس" الدمشقية سنة 1947: "وجه مشرف، طافح بالرجولة والبشاشة، جسمه ممتلئ قوة وإيمانًا، وحديثه متنوع اللهجات ما بين مغربي وشامي
ومصري. ذلك هو الأستاذ الفضيل الورتلاني" أو كما وصفته جريدة "الأمانة" التي كان يشرف عليها الدكتور منصور فهمي باشا في مصر "الأستاذ الفضيل الورتلاني الجزائري أحد الذين أنجبتهم العروبة مفطورين على حبها، والذود عن حياضها! ينتسب إلى عائلة عريقة في العلم والجهاد وهو الفضيل بن محمد السعيد بن فضيل بن محمد الشريف بن الحسين محمد الورتلانى (1713 - 1779) المشهور بصاحب الرحلة الورتلانية المعروفة بـ "نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار" وقد ألفها بمناسبة حجاته الثلاثة إلى البقاع المقدسة في حدود سنة "1765م".
ولد بقرية "أنو" ببلدية بني ورتيلان يوم 6 فبراير سنة 1900م، وحفظ القرآن في سن مبكرة. وواصل دراسته الإعدادية بالقرية المذكورة. وقد تلقى تعليمه الأول على يد الشيخ السعيد البهلولي، وغيره من الشيوخ الأجلاء في المنطقة. وأكمل دراسته على يد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، وأعجب هذالأخير بذكائه المتميز عن أقرانه من الطلبة، وقد عينه فيما بعد مساعدًا للتدريس معه وهو طالب، وصار الورتلاني لا يفارق ابن باديس جولاته المختلفة. وفي 1931 عندما تأسست جمعية العلماء صار الورتلاني أحد أعضائها البارزين، وقد تعين بعد تخرجه سنة 1934 معلمًا بمدرسة التربية والتعليم التي أنشأها ابن باديس. وكان في تلك الفترة يكتب المقالات الأدبية والفكرية بالكثير من الجرائد كالشهاب، البصائر والشريعة. قضى الورتلاني حياة كلها أسفار ورحلات وتنقلات بين مختلف عواصم العالم، حاملًا معه قضية تحرير الشعب الجزائري، منددًا بممارسات الاستعمار، فانتدبته جمعية العلماء سنة 1936 لتمثيلها في فرنسا، فأسس الورتلاني ما يزيد عن الـ 30 مدرسة وناديا لنشر الدعوة الإصلاحية وتعليم أبناء الجالية الجزائرية مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي. وقد شعر الورتلاني أن الفرنسيون لا يكنون خيرًا له، بل حاولوا اغتياله لولا فضل الله الذي نجاه من مكرهم، ولما أحس بأن حياته مهددة خرج متخفيًا من فرنسا باتجاه القاهرة، وهناك كون
علاقات صداقة وزمالة امتدت إلى ما بعد وفاته. وفي مصر تمكن الورتلاني من مواصلة دراساته العليا بالأزهر الشريف وحصل على شهادة العالمية في أصول الدين: الشريعة الإسلامية. كما أسهم نضاله بمصر في تأسيس مكتب لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصبح هو رئيسًا له. وكان له الفضل في تأسيس البعثات الأولى من الطلبة الجزائريين إلى المشرق العربي ومصر خاصة، كما استطاع أن يتعرف على كبار العلماء المسلمين ويربط معهم علاقات متينة.
غادر الأستاذ الفضيل الورتلاني مصر ليتجه إلى اليمن وكان ذلك سنة 1947، وحاز إعجاب الملك والأمراء والأعيان هناك، فكانت هذه الثقة بداية الإعداد لثورة اليمن وقلب نظام الحكم، إلا أن الثورة فشلت وظل النظام على حاله، واتهم الورتلاني بقتل الإمام وتدبير قلب النظام هو والدكتور المصري مصطفى الشكعة، فالتجأ الورتلاني إلى لبنان، ومنها زار العديد من الدول غير العربية من أورربية وأسيوية وإفريقية معرفا بقضية الجزائر داعيا الشعوب والحكومات إلى الوقوف بجانب كفاح الشعب الجزائري. وهكذا نجد القضية الجزائرية ما عرفت إلا من خلال رحلات الورتلاني التي جاب بها مختلف أقطار العالم. وكان الورتلاني بالفعل كتيبة كاملة العدة والعدد والهدف من أجل تحرير الوطن الجزائري والشمال الإفريقي من نير العبودية والاستعمار، وكان سجله حافلا بالمواقف الوطنية المشرفة.
ومن جديد يعود الأستاذ الورتلاني إلى القاهرة فيحتفي بعودته بإقامة حفلا تكريميا يوم 28 نوفمبر 1952 بأحدث الفنادق هناك، حضرته شخصيات بارزة من مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي.
ويغادر الأستاذ الورتلاني مصر في اتجاه تركيا التي نَظَّرَ فيها لأجل الاعتراف بالثورة الجزائرية موفدا إليها من قبل قيادة جبهة التحرير الوطني بالقاهرة، إلا أن دوره هناك لم يتواصل طويلا حيث سقط مريضا بداية عام 1959، وإثر عملية
جراحية انتقل إلى جوار ربه يوم 12 مارس 1959م، ودفن بأنقرة حتى يوم 12 مارس 1987 حيث نقل جثمانه من تركيا إلى أرض الوطن.
يعتبر كتابه ـ[الجزائر الثائرة]ـ ثمرة جهاد وخلاصة عمل جبار، قامت جمعية عباد الرحمن وهي جمعية إسلامية لبنانية سنة 1956 بجمعه وترتيبه وطبعه ولكن لم ينشر في ذلك الوقت نظرًا للظروف التي كانت تمر بها الجزائر، وأعيد طبعه ببيروت سنة 1963 أما طبعته الثالثة فقد قامت بها دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع سنة 1991 وها هي تعيد طبعته الرابعة عام 2007 وهو يحتوي على أهم أفكار وآراء الشيخ الورتلاني، وهو مادة خام في حاجة إلى الكثير من المجهودات، وهو عبارة عن مجموعة من الوثائق التاريخية الهامة والنادرة التي نحتاجها في هذه المرحلة لتدوين تاريخنا ونفض الغبار عن الكثير من المواقف والمعلومات المتعلقة بثورة الجزائر. وفي الكتاب إجلاء لحقائق لا يجحدها إلا مكابر عنيد ظلت بين أخذ ورد، بين مؤيد ومعارض.
والله ولي التوفيق
الدكتور حسان الجيلاني
قسنطينة في 8 محرم 1428 هـ
الموافق لـ 28 جانفي 2007 م