الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكما يقول كتاب جونستون: لا شك أن فرنسا قدمت خدمات كبرى، وهي ملموسة بتمامها عند الأوروبيين، وظاهرة على شكل عينات بالنسبة للعرب.
وأخيرا، أليست فرنسا هي المتحكمة بمصير الجزائر منذ 125 عاما، ألسنا مسؤولين عن الحال التي وصلت إليها هذه البلاد؟
إن بقاء طويل كهذا، ونتائج مخزية كهذه، جديرة حقا بأن تدفع حكومتنا وصحافتنا إلى قدر من التواضع، وقدر قليل من النزاهة والإخلاص.
فرنسي كبير يقول:
قوة السلاح لا تقهر الأفكار
كنت مستعدا لكتابة ما يجب علي أن أكتبه، تعليقا على خطاب م. جي مولييه، حينما اتصلت بجريدة "فرانس أبسرفاتور" وتلوت بإمعان ذلك الفصل القيم الثري، الذي دبجه يراع الكاتب المبدع الحر، صديقنا الأستاذ دوفالار، فرأيت أن هذا الفصل يفصح عن فكرتي، أكثر مما كنت أستطيع أن أعبر عنها بقوة قلمي. لهذا رأيت أن أقدم للقراء، أهم ما جاء في هذا البحث المدقق البليغ، كأنما هو صادر عن البصائر، بقلم تحريرها.
يقول الكاتب:
المحقق هو أن فرنسا قامت بأعمال كبيرة في الجزائر. لكن يجب علينا أن نعترف بأن هذه الأعمال، كانت منقوصة وغير كافية، إذا رأينا م. جي مولييه يستنتج من رحلته، وم. لاكوست يستنتج من أيام خبرته القصيرة، أن المشكل الجزائري، إنما هو مشكل اقتصادي واجتماعي، نعم، يوجد مشكل اقتصادي ويوجد مشكل اجتماعي، فالقطر الجزائري، لا يزال قطرا فقيرا جدا، يحتاج إلى رؤوس أموال عظيمة، وإلى برامج إنشائية واسعة؛ وفي القطر الجزائري، يعيش
عشرات الآلاف من "البيض" أو المسلمين عيشة الضنك والشقاء طيلة السنة؛ هذا القطر الجزائري الذي يزداد عدد سكانه كل سنة، بنسبة مائتي ألف نسمة، والذي هو في حاجة إلى أربعة آلاف مدرسة جديدة لتعليم أبنائه، وأخيرا هذا القطر الذي يعانى أزمة تمييز عنصري شنيعة، حيث يعيش مليون من الأوروبيين، وتسعة ملايين من المسلمين بين أحضان البغضاء والجهل والفزع.
لكن هذه الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، لا تكون لها أدنى أهمية، ولا تحصل منها أدنى فائدة، ما لم يقع الاعتراف بالمشكل الأساسي الحقيقي، الذي هو المشكل السياسي، وما لم يقع إيجاد حل فعلي لهذا المشكل.
أما تجاهل هذا المشكل السياسي، والتغافل عن إيجاد حل له. إنما هو من قبيل تحكيم الأوهام وإفساد الحلول في مستقبل الأيام.
لقد قال لي الكثير من الأوروبيين، أنه ما كان ليقع في القطر الجزائري ما هو واقع الآن، لو أن قوى الأمن كانت مستعدة لتحقيق النظام؛ وما كان المسلمون ليركنوا إلى جانب الثائرين، لو أن السلطة حمتهم من عمليات الإرهاب. وأقول أنني لا أعتقد صدق هذه النظرية، لعدة أسباب، أهمها أن الأمة الحقيقية، إنما هي التي تنظر للمستقبل أكثر مما تنظر للماضي. فمن ذا الذي يستطيع يا ترى، أن يحجب عن أنظار البائسين من أهل البادية الجزائرية، هذه الحقيقة الناصعة التي يراها كل الناس حول ضفاف البحر المتوسط، وخلال عشرة أعوام، في المغرب، وفي تونس، في ليبيا وفي مصر، في سوريا، وفي لبنان؛ هذه الحقيقة تزداد كل يوم قوة وتزداد كل يوم ظهورا، ألا وهي الاستقلال.
منذ 18 شهرا، أي في فاتح نوفمبر 1954، كانوا يقدرون قوة رجال الثورة في القطر الجزائري، بنحو ألف رجل، أما اليوم، فإنهم يقدرون عددهم بما يزيد عن العشرين ألف مقاتل. ولقد كان الثائرون في أول يوم لا يحملون من السلاح إلا
السكاكين وبنادق الصيد العتيقة؛ أما اليوم، فهم يرتدون اللباس العسكري، ويحملون المترايات، وبين أيديهم قطع من مدافع الميدان، ثم إنهم يغشون القرى والدواوير بكل حرية، ويجدون كل التسهيلات من رجال البادية فيما يتعلق بالتموين؛ كما يجدون الأطباء لمعالجة جرحاهم، ويجدون المستشارين السياسيين لإرشادهم، وبمعنى آخر، إنهم يجدون أنصارا حقيقيين في أغلب سكان القطر الجزائري.
فياليت شعري، ما هي الفائدة التي تنجز لنا، من معرفة ما إذا كان هذا الاندفاع الشعبي، لفائدة الثورة، واقعا بدافع حقيقي من العطف، أو واقعا بسبب الخوف؟ ربما كان لإعدام الخونة من المسلمين - كما كان المقاومون الفرنسيون يعدمون الخونة من الفرنسيين - بعض التأثير، لكن ليت هذه هي الأسباب التي جعلت العمال في مزرعة أوروبية نموذجية، يقولون للمستعمر الذي أحسن إليهم، ودفع لهم من جيبه الخاص، ما شحت به عليهم إدارة الضمان الاجتماعي: أما نحن فلن نقوم ضدك بأي عمل عدائي، لكننا لا نقف أبدا موقف الدفاع عنك، إذا هاجمك الثائرون، كما أنه ليس تحت تأثير الخوف، ما رأينا وقوعه بعاصمة الجزائر من مظاهرات الصغار، غداة يوم 6 فبراير، إذ كانوا يصرحون في اليوم الأول: الجزائر عربية! الجزائر عربية! أما في اليوم الثاني فقد كانوا ينادون: الجهاد! الجهاد!
وهل يعتقد أحد، أن الخوف وحده، هو الذي دفع برجال القومية، للتصريح لقائدهم الفرنسي: إننا نتبعك إلى كل مكان، لكن لا تطلب منا أن نقاتل إخواننا، أم يعتقد أحد أن الخوف وحده، هو الذي دفع بالعدد العديد من رجال الترايور، إلى التخلي عن قادتهم وعن رفقائهم، والانضمام لرجال الثورة، مما حدا بالقيادة للإرسال بتلك الفرق إلى ألمانيا، والاستعاضة عنها بالجند الفرنسي؟ كلا. إنني لا أعتقد أن الخوف وحده، هو الذي يجعل حركة ثورية أو ملية، تتمتع بعطف وتحبيذ سائر السكان تقريبا، بل إن الذي يوجب ذلك العطف وذلك التحبيذ، إنما هو تأييد الأهداف التي ترمي إليها الثورة.
وكم هي يا ترى نسبة تأييد الشعب للثورة؟ يقول الثائرون: إن النسبة هي 75 بالمائة خلال الثلاثة أشهر المقبلة، لكن لنفرض جدلا، أن نسبة مؤيدي الثورة، إنما هي 50 بالمائة فقط، كما يقول كبار الموظفين الفرنسيين، فالأمر الأهم، هو تفاقم أمر هذه الثورة وانتشارها بصورة مستمرة. فبينما كانت لا تشمل إلا بعض نقط في الأوراس وبلاد القبائل منذ سنة، إذا بنا نرى الآن، أن هذه النقط قد اتسعت وتعددت وامتدت داخل البلاد، وأصبح الخطر محدقا بعدد من الجهات، كما أن الطرقات الكبرى أصبحت غير مأمونة. أما في المدن الكبرى، فالأمن سائد الآن، لكن أمرا ما، يمكن أن يصدر بين يوم وآخر.
إن الثورة تبسط اليوم سلطانها على عدد من الجهات التي يتصل بعضها ببعض. وقد احتفظت في كثير من الجهات بالجهاز الحكومي، وبعض القياد الذين أصبحوا من موظفيها، وأصبحوا مسؤولين أمام "الكوميسار" السياسي الذي يمثل الثورة. أما الضرائب، فإن الشعب يدفعها بسرعة، وبصفة نظامية لهيئة الثورة، وفي بعض الجهات دفع الناس الضرائب النظامية لسنة 1957، أما المحاكم فقد ألغيت، وأصبح "الكوميسار" السياسي مكلفا بالإصلاح بين الناس.
ولقد آمن المستعمرون اليوم بهذه الحقائق. فغلاة الاستعمار في عمالة قسنطينة، الذين كانوا ينادون منذ أشهر قليلة بوجوب التسلح، ليقتل كل منهم تسعة أو عشرة من العرب (لإيجاد النسبة بين العنصرين) هؤلاء الغلاة، قد أصبحوا ينادون اليوم، والألم يحز قلوبهم، وجوب "المفاوضة"، بينما مستعمرو عمالة وهران الذين لم يروا أخطار الثورة إلا مؤخرا. أصبحوا ينادون بوجوب "الانفصال"، وهي كلمة لا يفهم مدلولها، بينما شركات الضمان قد أعلنت أنها لن تضمن أي شيء في المستقبل ضد أعمال الثورة.
إن الثورة يتفاقم أمرها يوما إثر يوم منذ 18 شهرا، ولا يستطيع أي مستعمر أن يستمر على خدمة الأرض، إلا إذا كان كثير الشجاعة. لكن النتيجة ستظهر عند الحصاد المقبل. واليوم أصبح الكثير منهم يفكر في مغادرة الأرض الجزائرية التي
ولد فيها. كما أصبحت الكثير من المعامل والمصانع في القطر الجزائري، معروضة للبيع بأسعار زهيدة، لكن لا تجد من يشتريها، وهنالك شركات كبرى أصبحت تهرب رؤوس أموالها، إذ شعرت أن الهوة المحفورة بين المسلمين والفرنسيين تزداد عمقا واتساعا، فالمواقف قد تصلبت، ولم يبق هنالك من معتدل، إذ انضم المعتدلون إلى المتطرفين كما لم يبق هنالك من يستطيع التوسط بين الجانبين.
فهل يمكن التفكير في حل عسكري لهذا المشكل الرهيب.
لكن، إذا كان ثلاثمائة ألف عسكري، لم يستطيعوا التغلب على عشرين ألفا من الثائرين، فهل ترى خمسمائة ألف جندي يستطيعون ذلك؟ فإذا كانت "ديان بيان فو" غير ممكنة في الجزائر، التي لا تبعد إلا ساعتين عن فرنسا، فإن النصر العسكري على الثورة، يعتبر مقابل ذلك من قبيل المستحيلات. ثم إن الأمر المحقق إلى جانب كل ذلك، هو أن ما دامت الثورة قائمة بالبلاد الجزائرية، فهيهات أن تستقر الأمور بالبلاد التونسية، وبالمغرب الأقصى.
فلم يبق أمامنا إلا باب واحد فقط لفض المشكل، ألا وهو "المفاوضة" مع رجال الثورة. لكن الحكومة الفرنسية ليست الآن مع هذه الفكرة. فالمفاوضة لا تقع إلا على قاعدة الاعتراف بـ "الواقع القومي الجزائري" ومعنى هذا استقلال القطر الجزائري، أو على أقل تقدير، الاستقلال الداخلي للقطر الجزائري. ولا يوجد أصلا، أي جزائري يستطيع المفاوضة على غير هذه القاعدة، كما أنه لا يجب الاعتقاد بأنه يوجد زعيم ثائر، يستطع أن يصدر أوامره بوقف إطلاق النار لجنوده، إلا إذا ما أسفرت المفاوضات على أمور عملية حقيقية. ونحن نعرف أن خلافا عظيما جدا بين وجهات النظر، لا يزال موجودا بين الفرنسيين والمسلمين.
فمسيو جي مولييه يكون غالطا جدا، إذا اعتقد أن "الفلاقة" سوف يضعون السلاح من أيديهم لمجرد ندائه الموجه لهم، دون أن ينالوا أي مقابل. والزعماء
الوطنيون يعلمون علم اليقين، أن وجود الثائرين في الجبال، هو حجتهم العظمى في هذا المعترك السياسي، وهم يعلمون أن وقف إطلاق النار، معناه رجوع الفلاحين إلى حقولهم، وتركهم لميادين الثورة.
لكن، مع من تقع المفاوضة؟ إن المسلمين الذين يتصلون بالحكومة من قدماء النواب، أصبحوا لا يمثلون شيئا، وهم يصرحون بذلك علنا.
أما رجال حزب البيان ورجال جمعية العلماء، فهم يعترفون بتفوق رجال الثورة، ولا يعملون أي عمل مستقل. ومن المعروف أن السيد فرحات عباس كان بعيدا في باريس، عندما حل م. جي مولييه بمدينة الجزائر. أما جمعية العلماء ذات الأساس الديني، فقد اعترفت بصفة علنية، أن المفاوض الصالح الوحيد، إنما هو "الثورة" ولقد رفض الكاتب العام لجمعية العلماء، الدعوة التي وجهت إليه بطريق شبيه بالرسمي لمقابلة م. جي مولييه وقال: أنه لا ترجى أبدا أية فائدة من تلك المقابلة.
فنحن اليوم لا نفتش عن "المفاوضين الصالحين" بل أصبحنا نفتش عن مجرد "المفاوضين" فلا نجد إلا رجال الثورة.
وهذا دليل قاطع لا ريب فيه، مهما كان مؤلما، على التأييد المطلق الذي يجده رجال الثورة عند سائر طبقات الشعب، وعلى الاعتقاد بأنهم وحدهم هم الذين يستطيعون أن يضمنوا احترام التعهدات التي تؤخذ للمستقبل.
ثم يقول الكاتب المجيد: إن جبهة التحرير الوطني ممتدة ومتسعة، وأن رجال نظامها الحربي يوالون الاجتماعات مع رجال السياسة. فأما رجال العسكرية فهم معروفون، وأما رجال السياسة فهم يعملون داخل المدن تحت الكتمان. وليس هدا الكتمان بحجة على عدم المفاوضة، فإذا أرادت الحكومة أن تفاوض حقا، فإنها ستجدهم لا محالة.
هذه هي بعض الحقائق الجزائرية المزعجة التي أردت تسجيلها، لكن إذا كانت فرنسا تتهرب من المفاوضة، فإن رجال الجبهة يفرون منها كذلك.
فهم يعتقدون أن الزمان يخدم مصالحهم، وأنهم سينالون بعد سنة أكثر ما يمكن أن يحرزوا عليه اليوم، وهم يقتدون ويتطرفون في مطالبهم لكن هذه الشدة تزول لو صلحت النيات للمفاوضة، إنما لا يجهل أحد، أن فرنسا طالما نكثت عهودها، فلم تبق للمسلمين أية ثقة فيها؟
إن الحالة في الجزائر يهيمن عليها خيال 125 سنة، قد انقضت في مذلة الشعب وفي هوانه، وإنه ليحمل على فرنسا كلها جريرة ذلك، فهل يمكن أن نطلب من شعب كامل، أن ينسى بين عشية وضحاها، أنه كان ذلك "الإنديجان" المحتقر؟
لا يستطيع أي إصلاح اقتصادي أو أي إصلاح اجتماعي، أن ينال أي منال من هذه الحقيقة الناصعة، ألا وهي "الظاهرة الملية القومية" وأن حركة الاستقلال لا تقاوم بواسطة الفروض.
نقلا عن البصائر لسان حال جمعية العلماء
بتاريخ 9 مارس 1956 م.