الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: الالتماس من جلالته السعي، لدى الدول التي يهمها الأمر، للاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، ولوضع اتفاقيات تحدد ضمن المادة المراكشية، ما للأجانب من مصالح مشروعة.
ثالثا: المطالبة بانضمام مراكش إلى الدول الموقعة على ميثاق الأطلنطي، والاشتراك في مؤتمر الصلح.
رابعا: الالتماس من جلالة الملك، أن يشمل برعايته حركة الإصلاح الداخلي، الذي تتوقف عليه بلاده، وإحداث نظام سياسي شوري، شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية الشقيقة
…
حررت بمدينة الرباط في 14 محرم سنة 1463 - 11 يناير سنة 1944.
توقيعات ممثلي الشعب
هذه هي الوثيقة التاريخية، التي أعلن فيها الشعب المراكشي رغبته في انتهاء عهد الحماية، وبداية عهد الاستقلال، وإذا كان الفرنسيون في مراكش لا يعرفون معنى لكون الشعب، هو مصدر السلطات، فسيعرفون غدا أن إرادة الشعب، فوق إرادة الطغيان، وأن هذه الوثيقة التي هي شرعية اليوم، ستصبح نافذة غدا لأن وراءها إرادة الشعب وإرادة ملك البلاد
…
إن علاقة مراكش مع فرنسا، مبنية على أساس جائر خاطئ منذ اليوم الأول، صحيح أن معاهدة الحماية، تحمل توقيع السلطان عبد الحفيظ وممثل فرنسا، ولكن يجب أن نعرف أن السلطان، اضطر إلى توقيعها بعد أن احتلت الجيوش الفرنسية البلاد، وأصبح في استطاعتها أن تملي بنود المعاهدة إملاء، ولم يكن في استطاعة السلطان المحاصر غير القبول، وهذا الإكراه يفقد المعاهدة، صفتها القانونية، وهي: بقطع النظر عن الظروف الشاذة، التي أملتها، لا يمكن أن
تكون أساسا صالحا، تقوم عليه العلاقة بين دولتين، وهي تعبر عن قصر في النظر ونجده دائما في السياسة حينما يمليها الجيش وينفذها العسكريون.
فليس من الغريب أن يكون، عمل فرنسا في مراكش منذ أن أكرهتها حرابها على إمضاء هذه المعاهدة، في 31 مارس سنة 1912، سلسلة من الأخطاء، تفضي حلقة منها إلى حلقة حتى تصل إلى السنة الحالية. فالنظام الذي تخضع له مراكش، نظام لا يمكن أن ينتج إلا الصدام بينها وبين الفرنسيين، فقد ألغوا هيئة إدارية فرنسية، إلى جانب الحكومة الوطنية الشرعية، وأعطوا لهذه الهيئة الحق في أن تتصرف كيف تشاء - ووضعوا زمام الجيش في يدها. وهكذا فقدت الحكومة الوطنية القدرة على التصرف، إزاء هذه الهيئة التي يسندها الجيش. وحيثما أنست الهيئة من نفسها قدرة التحكم بدأت تظهر نتائجها المروعة، فإذا بالبلاد من أقصاها إلى أقصاها، تعيش في ظل جاسوسية غريبة، فقد أنبث أعوان الهيئة في كل الأرجاء حتى أصبح مجرد الحياة عبثا لا يطاق، واستولت الهيئة على أموال الأوقاف الضخمة وممتلكاتها الكبيرة. وبدأت تستغلها في سبيل تنمية ثروة الجالية الفرنسية، وأضاف إلى ذلك أنها خلقت سياسة عنصرية، وبدأت تقسم البلاد إلى مناطق صغيرة تضرب حول كل منطقة، منها سياجا من الحراب، وأصبح المراكشي في بلاده، لا يملك حتى التنقل فيها إلا بجواز سفره وأرادت الهيئة أن تحول بين الشعب، وبين التطور فخلقت ما سمته "مصلحة الآثار".
ومهمتها الإشراف على البلاد، بحيث لا تسمح بإحداث أي تغيير في أسلوب الحياة، وبحيث تظل مراكش متحفا للآثار! ثم ساعدت الهيئة أفراد الجالية الفرنسية بالقوة على احتلال أراض شاسعة فيحاء، بحيث تصبح مقادير البلاد الزراعية بعد مرور وقت كاف في أيدي زمرة من الرأسماليين الفرنسيين يحكمون كيف شاءوا في حياة مراكش اليومية، دون أن يكون لهم غرض سوى امتصاص دم شعب، لا ينتمون إليه
…
وضربت بيد من حديد على كل ما ينتمي إلى الحريات العامة، فليس في مراكش شيء يسمى حق التعبير عن الرأي، ولا بد من رقابة الهيئة، على كل مطبوع، مهما كان تافها قل النشر، والاجتماعات العامة محظورة بصفة باتة، بقرار من الهيئة، وحتى حرية العبادة نفسها، أصبحت مهددة بعد أن أصدرت الهيئة قرارا، يقضي بالشروع في تنصير سكان جبال الأطلس، والاستحواذ على مقاليد التعليم في مدارسهم، وتحويل قانونهم عن القانون الإسلامي العام. وهكذا أصبح القانون يتغير في مراكش بحسب المناطق، وضاعت وحدة البلاد القانونية، كما ضاعت وحدتها السياسية: إذ أن معاهدة الحماية السالفة الذكر، تقضي بتقسيم مراكش إلى منطقتين، واحدة كبرى تحميها فرنسا في الجنوب، وأخرى صغرى تحميها إسبانيا في الشمال، ثم اقتطعت من البلاد منطقة ثالثة سنة 1923، هي مدينة طنجة وضواحيها. يضاف إلى هذا، حكم الإرهاب المنتشر في البلاد، حيث يساق الناس إلى المقصلة، وإلى المنافي القاحلة، في غرب إفريقيا السوداء، وصحرائها الجرداء، ويفرج عن فوج من الشباب ليساق إلى السجن بدله فوج آخر.
هذا هو الجو الذي تعيش فيه مراكش، وليس من الغريب أن لا يعرف العالم الخارجي الديمقراطي، شيئا مطلقا عما تقاسيه، لأن الهيئة الحامية، ضربت حولها حلقة من حديد، لا تتسرب منها الأخبار، وليس من الغريب كذلك، أن يرفع الشعب المراكشي، في هذا الظرف صوته مطالبا بالاستقلال، مؤيدا الوثيقة المعبرة عن أمانيه بالرغم من الخطر المستطير الذي يتهدده بسبب هذه المطالبة.
كما أنه ليس من الغريب، أن ينظر جلالة الملك المعظم محمد الخامس إلى هذه المطالبة، بعين العطف والرعاية، ويرى أن لشعبه الحق، بعد كل ما عاناه، في أن يعبر عن إرادته، ذلك أن عينه الساهرة، على مصالح شعبه، تجعله يؤيد كل ما يؤدي إلى الرفاهية العامة، ويرفع عن الناس، كابوس الظلم والاضطهاد. وقد رأى القوة إلى جانب الفرنسيين، ورأى الحق إلى جانب شعبه، فآثر أن ينضم