الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمسجونين ورد المبعدين والسماح لهم بممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن مصيرهم وجميع أغراضهم، ثم التفاهم معهم على المصالح المشتركة بالمنطق كما يفعل المنصفون في جميع أطراف الدنيا هذا إذا كنت من المصدقين وأما إذا كنت من المكذبين - وأنا نفسي لست من القاطعين بالأمر وأتمنى أن لا تكون كل هذه الأهوال قد حصلت - ففي مثل هذه الحال عليك واجب نحو سمعة حكومتك وأمتك وهو أن تنصح لها برفع الحصار المضروب على هذه البلاد فتسمح للناس بالدخول والخروج وتسمح للمطبوعات بمثل ذلك، أو تطلب أخيرا لجنة تحقيق تجوب أطراف هذه البلاد تؤلف من الحلفاء والعرب أما الحلفاء فلأنهم دفعوا أعلى رقم في ثمن الانتصار من أموال ودماء، وأما العرب فلأنهم إخواننا يهمهم أن يطمئنوا علينا ومن مصلحتكم أن ينقلب بعضهم لكم حبا فإذا فعلتم ذلك وعلمت الدنيا أن في الأمر مبالغة وغرضا خرجتم من الموضوع مرفوعي الرأس محترمين وقطعت جهيزة قول كل خطيب، وإذا لم تفعلوا فاعلم يا حضرة السفير أن الدنيا من أقصاها إلى أقصاها سوف تصدق كل ما يقال عن جرائمكم ونحن أنفسنا سنظل عن حق نهاجموكم ونحاربوكم بألسنتنا وأقلامنا وكل ما نملك من قوى والله معنا ولن يترنا أعمالنا وانتظروا في العدد القادم معلومات أنتم في أشد الحاجة إليها.
حول عزل الشعب المغربي عن العالم الإسلامي (4)
ومنع السفر لحج بيت الله الحرام
حضرة السفير المحترم: لقد أشرت في خطاب مضى إلى الحصار الذي ضربته حكومتكم على بلاد إفريقيا الشمالية والسور المحكم الذي أقامته بين 25 مليونا من النفوس العربية الحرة الكريمة هناك وبين العالم المتمدن كله. ذلك العمل الذي جعل الناس يوقنون أن جريمة كبرى لا بد أنها ترتكب في تلك البلاد وأن نية سيئة خطيرة
تبيت لأبنائها الأمجاد. فوق تصديقهم لكل ما قيل عن المجزرة البشرية التي مثل روايتها جنودكم البواسل، ضد الأهالي العزل والتي قتل فيها عشرات الآلاف وسجن فيها مئات جزاء مطالبتهم بالحرية التي بذلوا في سبيلها أطهر الدماء وأغلاها وأحب في خطاب اليوم أن أسوق إليكم مظهرا من مظاهر هذا الحصار ينطوي على أشنع وصمة في جبين القرن العشرين وأنتم تظنون أنه أروع مظهر اهتديتم إليه لترفعوا به عن أنفسكم تهمة دفن الشعب المغربي وعزله عن العالم.
ذلك هو مظهر حجاج بيت الله الحرام وسوف أتوسع قليلا في سرد قصتهم حتى أكون قد أديت لكم واجب النصيحة كاملا وحتى يشترك القراء في فهم هذه المهازل التقليدية التي أخذت عليها فرنسا الاستعمارية الرجعية وتمسكت بها فرنسا الحرة الجديدة. وحتى يعلم الناس جميعا مقدار إمعانكم في خنق الحريات ومقدار إهانتكم لأشد الناس ولاء لكم ومقدار تدخلكم في شؤون الدين التعبدية المحضة - وأرجو بعد ذلك أن يعلم الغير أن الحج شعيرة دينية يقوم بها المؤمن إذا كان قادرا مختارا ويعرف هذا كل مسلم على الأرض - وليس في دين الإسلام شيء اسمه حج رسمي تفرضه حكومة لا دينية على طائفة من موظفيها المسلمين وتنفق عليهم في أدائه من ميزانية الدولة، والذي يفهمه كل العقلاء من الناس من تنطيمكم لبعثة الحج على نفقة الدولة ومن الموظفين الرسميين بالطائرات الفخمة أمران. الأول: أن تحكموا عملية الحصار وتمنعوا 25 مليون من أداء هذه الفريضة أحرارا مختارين وحتى لا يفك الحصار ويخرج أولئك السجناء من قبورهم التي دفنتموهم فيها ويتصلوا بالعالم الخارجي فيذيعوا على الدنيا مساوئكم الفادحة وبطشكم الجبار، وحتى لا يسمعوا أخبار الناس في أطراف المعمورة وما يتمتعون به من حرية وسعادة فيشعروا بفداحة الحرمان فيتضاعف غضبهم وتشتد خصومتهم وتقوى آمالهم في مساعدة أحرار العالم لهم يحاولوا أن يخرجوا من
عبوديتكم التي لا بد منها لكم فليمنعوا إذن قطيعا من السفر إلى الحج وغير الحج وليبقوا إذن في القفص الضيق جاهلين كل ما يجري في الدنيا من أحداث لعلهم يرضخون ويستسلمون ولو بعد عناء طويل. هذا هو الغرض الأول والأهم.
والغرض الثاني: أن توهموا الناس بأنكم أحرار كرماء لا تعترضون على الشعائر الدينية بل تساعدون على أدائها ودليلكم المادي هو هذه المجموعة المسكينة التي أطلقتم عليها اسم الحجاج والتي وضعتموها في علب من الطائرات ثم أقمتم عليهم رقباء في غدواتهم وروحاتهم يعدون عليهم أنفاسهم ويحصون عليهم إشاراتهم ولا يتحركون ولا ينطقون إلا تحت سمعكم وبصركم ولا ينتقلون إلا بالأوامر الصارمة منكم كأنهم شرذمة من المجرمين يساقون إلى مقرهم في السجن المؤبد ويدفعون إلى مصيرهم في الأشغال الشاقة ويعيشون باسم الحج والعبادة في هذا الجو الإرهابي القلق الذي يحيطهم من كل جانب وشهده رجال الشرق من بعد ومن قرب معا ويأخذ الدهش منهم مأخذه ويكادون يكذبون مع المشاهدة والعيان أن هذه فرنسا الجديدة وأن هؤلاء العظماء والتعساء هم أصدقاؤها بل أذنابها الموالون الطائعون وأنا حقا في سنة 1945 وهو العام الذي شملت فيه الحرية فرنسا حتى النساء وأصحاب العشرات منهن مشرعات تحت قبة البرلمان بباريس وطبيعي أمام هذه الرواية الهزلية أن يتسائل الشرقيون إذا كانت فرنسا تعامل جماعة من أخلص الناس إليها انتقتها بنفسها من بين مئات الآلاف من موظفيها الطائعين وخدمتها المخلصين وأوفدتهم على حسابها وسيعود ون بعد حين إلى خدمتها والعيش في كنفها إذا كانت تعامل هؤلاء الموالين المسبحين بحمدها ولو في الظاهر على الأقل بهذا الأسلوب الرجعي القديم فكيف تكون معاملتها لمعارضيها من الأحرار الساخطين الثائرين وهم بقية الـ 30 مليونا من سكان هذه البلاد؟ لا بد أنهم شر مستطير وأنهم في فتنة هوجاء وأنهم في بلاء لا يعلم مدى
أثره في تعذيبهم إلا علام الغيوب ولا بد أن كل ما ينشر ويذاع إذن عن مختلف الفظائع في كل الأقطار واقع من الوقائع. هذا ما يقوله المحايدون من الناس على طريقة الاستنتاج المنطقي السليم واسمح لي يا حضرة السفير أن أصف لك على سبيل المثال بعض مظاهر التصرفات فمن سنتين مثلا حضر وفد من بلاد إفريقيا الشمالية في طريقه إلى الحج بالطائرة وكان من بين أعضائه بعض الوزراء فحيل بينهم وبين الاتصال بالعالم بأساليب يمقتها أرذل الناس منها أن وزير الأوقاف التونسي السيد مزالي طلب إلى الناحية المختصة فيكم أن تسمح له بزيارة وزير الأوقاف المصري باعتباره زميلا له في المنصب فهي مجاملة ودراسة ويعلم الله كم أخذ هذا الطلب من أخذ ورد وكم وضع له من شروط والذي ظهر للعيان ولا يزال حديث المصريين إلى الآن أنكم لما وافقتم على مبدأ الزيارة بعثتم معه ضابطا رافقه فصحبه حتى مكتب الوزير ولزمه في الجلسة إلى النهاية يعد عليه أنفاسه فدهش الوزير المصري عبد الحميد عبد الحق أن يكون في الدنيا من لا يزال يعمل على استعباد الناس إلى هذا الحد ويعده الصورة المزرية لفرنسا الحرة التي كانت ولم تزل يومئذ تقاسي احتلال النازي وإذلالها ووجه إلى زيارة الوفد كثير من الأفراد والهيئات بدعوتهم إلى الزيارة عن طريق غذاء أو عشاء أو حفلة شاي فلمسوا منهم فقدان كامل حريتهم حتى أن أحد الأعيان ألح عليهم في زيارة خاطفة لبيته وقبلوا تحت الإلحاح وأعد لهم حفلة شاي دعا إليها غيرهم فمنعوا في آخر لحظة ولم يحضر منهم إلا شخصان عداها مخاطرة، وفي السنة الماضية حضر الوفد كالعادة وقد حضر من الأماكن المقدسة إذا أردتم تطيروا بهم رأسا إلى البلد فحصل شجار بالمطار قيل لنا انتهى بالإضراب عن ركوب الطائرات فاضطررتم إلى الموافقة على بقائهم على أنكم تركتموهم يقضون ثلاثة أيام داخل مستشفى الحميات بإمبابة بعيدين عن الدنيا وأهلها لما خرجوا عن المستشفى انهالت عليهم
الدعوات من كل جهة وكم كان بود أولئك المحرومين أن يتمتعوا أياما بمدينة القاهرة مع أهلها ولكن حزمكم النادر حال دون ذلك وبشيء كثير من المخاطرة حضر حفلة الإتحاد العربي ثم صدرت الأوامر ليلا وكان السفر ليلا وفي هذه السنة بالغتم في الاحتياط فسمحتم للوفد في الذهاب بالنزول في القاهرة ساعة وكسور ليتناول الطعام من غير علم أحد ثم طرتم به إلى الأقصر بدل أن يمضوا ليلهم بالقاهرة خشية أن يحتكوا بأحد ولما عادوا إلى القاهرة أقبل الناس عليهم بدعوتهم للتعارف فما وجدوا منهم إلا الأسف والاعتذار بأنهم لا يملكون أمر أنفسهم!!
يا حضرة السفير صدقني إذا زعمت أنني أنصح لكم فو عزة الله لو كنت أنا مكانكم فرنسيا أحرص على سمعة فرنسا وعظمتها وخلودها لكنت من أشد خلق الله مقتا لهذه الأساليب البغيضة ولاصطنعت لمصلحة فرنسا بدلها أساليب الكرم والتسامح لأن الكرم والتسامح هما دليل النبل والقوة معا وأما الغطرسة والشدة وفرط الحذر كل ذلك دليل الهوان وبعد فماذا كان يضركم لو سمحتم لأهالي إفريقيا الشمالية بباخرة تنقل منهم بضع مئات أو آلاف يزورون الأماكن المقدسة كما يسمح لغيرهم من أهل فلسطين وطرابلس وكما يفعل الناس جميعا لا يستطيع العقلاء أن يعللوا ذلك إلا بخوفكم من نتائج الاختلاط ولا يستطيع العقلاء أن يجعلوا الخوف دليل المجد والقوة يا حضرة السفير احرصوا على مجدكم وقوتكم ولكن نصيحتي أن تتخذوا أسلوبا غير هذا الأسلوب وإلى اللقاء في العدد المقبل.
مصر الفتاة 21 محرم 1365 - 26 ديسمبر 1945